المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لماذا كل هذا الخوف من السيد السستاني ؟


السرب
01-04-2005, 07:30 AM
الى السياسيين كافة ..

لماذا كل هذا الخوف من السيد السستاني ؟

مصطفى حسن

نقف اليوم امام ظاهرة فريدة ونادرة قل مثيلها في المجتمعات الانسانية وخصوصا هذه الازمنة حيث اصبح الساسة والسياسة مصداق حي لمبادئ ميكافيللي، فالسياسيون برعوا في تجسيد هذه المبادئ وتفننوا في تطبيقها وقد فرزت عقولهم من النظريات الشيطانية ما غفل عنه صاحب كتاب الامير نفسه ، فأصّلوا وفرعوا وجعلوا الحيلة علما والخديعة فنا والنفاق معرفة والكذب منهجا ، فوضعوا القواعد وأجادوا التطبيق وعلموها لابنائهم النفعيين وصغارهم الوصوليين ، غير ان الامر هنا لم يدم طويلا اذ هددت مصالحهم بل اصول سياستهم من رجل كهل اعزل لم يمارس السياسة يوما واحدا في حياته وللآن ، زهد في دنياه ولم ينظر لدنيا غيره ولم تعني له شيئا ، ولم ينافس احد على شيء البتة ، ولم يتضرر او يشكو منه احد ، اذن كيف حدث هذا التزاحم وكيف هُُُُُُُُُُُُُُُُُُُدد القوم وسماحته لم يمارس السياسة ولم تقع المنافسة بعد !؟ نقول ان منهج سماحة السيد السستاني قام على احترام الاخرين وعدم الغائهم او التكلم نيابة عنهم كما يفعل السياسيون ، فهو لم يستأثر او يتفرد بصنع القرار بل ان من خصائص منهجه هو اشراك الاخرين في المسؤولية وزجهم في قلب الحدث ودفعهم لاتخاذ القرار بانفسهم وبالتالي عدم تغييبهم ، فأبتداءا من اصغر الامور العبادية كتشخيص الحاجة الى بناء مسجد وتقديمه على حاجة الفقراء وتخويل المكلفين بتوزيع الحقوق الشرعية بانفسهم دون ايصالها الى سماحته او وكلائه شريطة التشخيص الدقيق للحاجة وهكذا ، كانت هذه هي البداية في اوائل تصديه المبارك للمرجعية فما بالك بعد سقوط النظام وادراك سماحته لضرورة تصدي الامة لتقرير مصيرها واستنقاذ حقوقها بنفسها لسبب واضح ومعروف ان مأساة وكارثية الشعب العراقي هو تغييبه عن صنع القرار ، وتصدي من ليس هو اهل لذلك لتلك المسؤولية الكبيرة ، علما ان هناك جهات تعمل بكل ما اوتيت من قوة على تغييب هذه الامة واشغالها بما لايؤثر على مصالحها الخاصة الضيقة ، والشواهد كثيرة فابتداءا من فتوى الدستور وانتخاب مجلس كتابة الدستور وانتهاءا بالتصويت عليه ، وما تأكيده المستمرعلى موضوع الانتخابات لهو خير دليل على ايمانه بضرورة اشراك الامة وعدم تغييبها لما تمتلك من مؤهلات عالية وكفاءة نادرة ووعي عال في تقرير المصير ورسم المسار لهذا البلد وصنع القرار دون تدخل من اية جهة خارجية ، اقول لعل هذا هو من الاسباب الرئيسة والذي اعطى لسماحته كل هذا الشأن والهيبة والوقاروالمقام الاوحد في البلاد فاذا قال سماحته شيئا قال الشعب العراقي ، مع اسباب اخر سنعرضها تباعا انشاء الله .

وقد رأى الجميع ان غاية ما يطمح اليه المتصدين للسياسة ــ بلا استثناء ــ هو القرب ونيل الرضا والشرعية من سماحته ، واذا ما حصل احدهم على التفاتة او كلمة ترحيب او شكر من سماحته فهذا هو يوم سعدهم ، وفي عرض مناهجهم وافكارهم ــوان هي تباينت ـــ فهم يؤكدون انها تلتقي مع منهج وفكر سماحة السيد ، هذا فضلا عن المتقولين باسم سماحته والناطقين عنه لتحقيق مآربهم الخاصة واحلامهم الوردية ، واليوم نرى بؤساء السياسة كيف ظهروا على حقيقتهم وبان هزالهم بابداء خوفهم من قائمة الائتلاف العراقي الموحد والتي هي موضع رضا سماحته ــ كما يجيب مكتبه في النجف الاشرف ــ اقول بعد كل هذا كيف تحققت هذه الشأنية الرفيعة لسماحته ؟ وكيف اصبح مهوى افئدة العراقيين ؟ وهل هي وليدة فترة ما بعد السقوط ؟ وهل هذه الفترة كافية ليزرع كل هذه المحبة في قلوب الشعب وبالتالي هذه المكانة الرفيعة ؟ وما الذي قدمه لهذا الشعب ليطمئن اليه ويوكل الى سماحته فقط دون غيره مهمة رسم المسار وتحديد الوظيفة الوطنية في هذا الظرف العصيب ؟ وهل من المعقول ان السياسيين قد افلسوا بأجمعهم لينفرد سماحته بهذه الساحة المملؤة بالاحزاب والمتخمة بالكيانات والتجمعات ؟ ثم هل عرف عن سماحته العمل او التنظير السياسي ؟ او كلاهما معا ؟ وكيف اصبح سماحته بشخصه الكريم فقط يشكل ثقلا دوليا يحسب الف حساب وحساب قبل ان يقرر اي شيء له علاقة بالعراق وشعبه ؟ ثم كيف اطمئنت امريكا ومن لف لفها من احزاب وحركات وتيارات وسياسيين ـــ المعروف عنهم سوء الظن حتى مع المقربين منهم ــ ان سماحته رغم جنسيته الايرانية لايلتقي لا من قريب ولا من بعيد بالمنهج الايراني ان لم يكن مباينا لهم ؟ هذه الاسئلة وغيرها سنحاول الاجابة عنها في حلقة قادمة انشاء الله ، عسى ان يتعلم السياسيون من سماحته كيف يحظون بحب الناس ورضاهم ، وكيف يتعاملون مع الاحداث الجسام ، وكيف يشركون الامة في تقرير مصيرها .

كثيرة هي التساؤلات التي تدور حول مرجعية السيد السيستاني وما حققته من انجازات عجز السياسيون بمجموعهم ان يحققوا عشر معشارها ، فكيف استطاع ـ وهو الكهل الاعزل المعروف بالبساطة في معيشته ـ ان يمد سلطان حكمته وجناح قوته على الجميع بلا استثناء ،حتى اصبح اعلان الاختلاف معه انتحار سياسي ونهاية مؤسفة لايرغب فيها احد ممن تخضرم في السياسة وخبر اساليبها وفنونها ،بل والاغرب اصبح من السياسة والحكمة ان يشيدوا بسماحته وبعقلانيته المتفردة وباعتداله الامثل وبمنهجه الانموذجي ،لانه من مقدمات السياسة الناجحة .ويأتي في مقدمة هذه التساؤلات هو انه كيف اصبح لسماحته هذه الشأنية وهذا المقام الرفيع ؟ وليس من الصحيح بمكان ان يجاب عن هذا التساؤل بنقاط وعوامل محددة كوضوح سماحته ،وصدق منهجه ،وشمولية خطابه وافتراقه عن السياسيين بأمور كثيرة ،اذن كيف يجاب عن التساؤل ، خصوصا اذا علمنا ان هناك قيودا وعوائق تعرقل بشكل او بآخر حركة سيدنا المرجع منها :

1ـ ان سماحته لايمتلك ادوات سياسية يصل من خلالها الى ما يصبو اليه ، وهي التي يتوسل بها السياسيون عادة لتحقيق مآربهم ومصالحهم .

2ـ ان سماحته لايتدخل عادة في الجزئيات ،وهي تشكل في الاعم الاغلب الجزء الاكبر من اهتمامات المواطنين ومعاناتهم .

3ـ لم يعرف عن سماحته التكتيك والمناورة والتغيرات الفجائية في المواقف ،بقدر ما عرف عنه انه صاحب ثوابت ومواقف لا تقبل التغيير او التراجع .

4ـ لم يعرف عن سماحته اسلوب المجاملات السياسية الرخيصة ـ حاشاه ـ او الاحتواء النفعي .

5ـ ليس لدى سماحته ازدواجية في المواقف والمعايير ،فليس هناك ظاهر معلن لمصلحة معينة او للاستهلاك المحلي واخر باطن لمتطلبات المرحلة .

6ـ ليس لسماحته مشروعا خاصا يسعى لتحقيقه ويوظف ما يمتلك من قوة لبلوغه .

7ـ وأخيرا وليس اخرا يكون حصيلة ما قدمناه انه للان لم يمارس السياسة وانه يقف فعلا على حافة السياسة كما قال احد كبار منظري السياسة الحديثة .وهذا يعني ان معاييره دقيقة والى ابعد الحدود وكل شيء عنده محسوب ومدروس ،فرغم مواقفه الجريئة وخطواته الحازمة فهو ملتزم بنهجه ولم يحدث حتى هذه اللحظة أي تهافت او تباين في المواقف .وهناك امر بالغ الاهمية يعارض جملة وتفصيلا دقائق المنهج السيستاني وهي خصوصية يمتاز بها الشعب العراقي بحكم انتمائه العشائري وهي الثورية وما يترتب عليها من صفات اخرى ،وهذه بحد ذاتها تشكل لغزا قويا اخر يحتاج الى اجابة وافية ,اذ كيف استطاع سماحته ان يقنع العراقيين على اختلاف اطيافهم بمنهج المقاومة السلمية مع محدودية الوسائل الاعلامية التي يمتلكها او التي تمت اليه بصلة .

اقول بعد كل هذا ان المتابع لسماحته ومن اوائل تصديه المبارك والى يومنا هذا سيجد ان سماحته يشكل منظومة فكرية عميقة شاملة ،لها من الرؤى الدقيقة والافكار الناضجة والتشخيصات الصائبة والمواقف الدقيقة والمعالجات الصحيحة ما يجعل منها كل يصعب تجزئته او قراءته منفصلا عن البعض الاخر ،لذا وجب اعداد دراسة تنتاول سيرة سماحته ومواقفه وفتاويه وجميع ماصدر منه ليحلل هذا النسيج المعقد محاولة متواضعة لسبر اغوار هذه الشخصية العظيمة ومعرفة اسرارها وحل طلاسمها المحيرة .وما سنذكره هو مجرد خطوة في هذا الاتجاه .


منقول