المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : براءة الشيعة من قتل الحسين(1)


عاشق طيبة
01-30-2005, 06:49 PM
السلام عليكم يا شهيد كربلاء و على أهل بيتك و أصحابك المستشهدين بين يديك

براءة الشيعة من قتل الحسين(1)

يلصق بعض أبناء العامة تهمة بالشيعة، بأنهم هم الذين قتلوا الإمام الحسين(ع)، وذلك من خلال ذكر بعض المقدمات التي تكون نتيجتها هذه الدعوى، وتوضيح ذلك، من خلال هاتين المقدمتين:

الأولى: لقد أجمع المؤرخون على أن الذين خرجوا لقتال الإمام الحسين(ع)، كانوا كلهم من الكوفة، وليس بينهم شامي، ولا حجازي، ولا بصري.

الثانية: إن الثابت تاريخياً أن الكوفة كانت كلها شيعة لأهل البيت(ع)، ولهذا اختارها علي بن أبي طالب لتكون مقراً لخلافته ومركزاً لدولته لما استلم منصب الخلافة، ولا أقل إن لم تكن كلها متشيعة لأهل البيت(ع)، فلا ريب في أن الغالب عليها هو ذلك.

وبضم هاتين المقدمتين إلى بعضهما، نصل إلى النـتيجة التالية، وهي:

إن الذين قتلوا الحسين(ع) بكربلاء، هم الشيعة. وعلى هذا يفسر زيارة الشيعة لمرقد الإمام الحسين بن علي(ع) بكربلاء، وبكائهم عليه طيلة أيام السنة، وخصوصاً أيام عاشوراء، وغير ذلك من مظاهر الحداد التي يقيمونها عليه، بأنه ندم وتكفير لما فعله سلفهم وآبائهم من قبل، وتعبير عن مدى إحساسهم بقبح الجريمة التي أرتكبها هؤلاء.

وهذه الشبهة كي نتمكن من الإجابة عنها، لابد في البداية من أن نـتعرف على المجتمع الكوفي، وعلى العناصر التي يتكون منها، لأنه متى استطعنا أن ننقض إحدى هاتين المقدمتين، أمكننا حينها أن نبطل النـتيجة، لأنها تعتمد اعتماداً كلياً على هاتين المقدمتين، وبظهور بطلان إحداهما، لن تكون النـتيجة المدعاة متحققة حينئذٍ.

هذا ولم ينحصر الاتهام المذكور بما ذكرناه عن بعض أبناء العامة، بل دأب المؤرخون على اتهام أهل العراق بأنهم الذين دعوا الإمام الحسين(ع) لينصروه، ثم أنهم عدوا عليه فقتلوه.

الإمام الحسين(ع) وأهل الكوفة:

هذا ولو أردنا أن ننظر الموضوع بشيء من الإنصاف والموضوعية، لوجدنا التالي:

1-إن دعوة أهل العراق للإمام الحسين(ع) دون غيرهم من الشعوب الإسلامية نقطة تسجل لصالحهم، خصوصاً وهم الذين خبروا حال الحكم الأموي والتفاف الشاميـين حوله، ولم ينسوا عجزهم عن القضاء على هذا الحكم، وحكمه ينحصر في ولاية الشام فقط، فكيف يطمعون في القضاء عليه وهو يحكم ما بين الهند وشمال أفريقيا، وهم أضعف بكثير عما كانوا عليه في السابق؟...

2-إن استجابته(ع) ما كانت لتـتم لولا يأسه من تجاوب باقي الأقاليم الإسلامية مع حركته، رغم بقائه أكثر من أربعة أشهر في مكة المكرمة، منـتظراً غضبة المسلمين لدينهم وكرامتهم، بعد رفضه البيعة ليـزيد، ولا مجيب غير أهل العراق.

3-لقد كانت الكوفة في زمن الإمام أبي عبد الله الحسين(ع) خليطاً من الشعوب والديانات والقبائل والمذاهب السياسية، ولم يكن الشيعة يمثلون آنذاك سوى أقلية ضعيفة ومرصودة من الجميع. ويشهد لما ذكرنا ملاحظة عدة أمور ونواحي:

من الناحية القومية:

ينبغي علينا أن نـتعرف في البداية على التركيـبة السكانية للمجتمع الكوفي في وقت النهضة الحسينية، إذ كان يعيش في الكوفة أقوام من الفرس والروم والترك والأكراد، وأكثرهم من بقايا الجيش الفارسي المهزوم من أسرى الحرب، وكان هؤلاء يشكلون حوالي نصف سكان الكوفة أو أكثر، وكان منهم شرطة ابن زياد وجهازه الأمني، وقد بلغ من استفحال أمر هؤلاء الموالي أن نسبت الكوفة إليهم، فقيل: الكوفة الحمراء، باعتبار أن أكثر هؤلاء الموالي هم من الشعوب الآرية التي تميل ألوان بشرتهم إلى اللون الأحمر.

من الناحية الدينية:

هذا ولم يقتصر التركيب السكاني للمجتمع الكوفي على خصوص من ذكرنا، بل كان هناك عدد غير قليل من اليهود والنصارى، وكانت بأيديهم مصانع السلاح ومصادر المال والذهب، وكانوا يمولون السلطات في سعيها لقمع حركة مسلم بن عقيل(ع)، ولإغراء الناس بالأموال وتـثبيطهم عن نصرة الإمام الحسين(ع).

ومثل هذا الوجود لليهود والنصارى في هذا المجتمع يجعلنا نخرج بنقطة مهمة أيضاً، وهي نفي الصبغة الإسلامية التامة عن المجتمع الكوفي، فضلاً عن الصبغة الشيعية المطلقة كما يتصوره الكثير، حيث أن وجود عدد من اليهود والنصارى، ولو كان بنحو من الأقلية يمنع من إعطاء صورة مطلقة للمجتمع الكوفي بحيث يقال إنه علوي النـزعة بأكمله، فلا وجود فيه لتيار إسلامي أو معتقد ديني آخر.

من الناحية السياسية:

هذا ومن أهم النقاط التي ينبغي ملاحظتها ونحن نسعى لدراسة المجتمع الكوفي وتركيـبته السكانية، عدم إغفال الانتماءات السياسية لأبناء هذا المجتمع، لأن ذلك ينفع كثيراً في تحديد الشخصيات التي خرجت لقتال الحسين(ع)، وأنها كانت تنـتمي سياسياً للخط العلوي الحسيني أو أنه كان لها انتماء سياسي آخر.

هذا والصحيح أننا عندما ندرس المجتمع الكوفي من ناحية الانتماء السياسي نصل إلى أنه كان يحتوي على أحزاب عديدة، فهناك الحزب الأموي، كما كان هناك الحزب الحاكم، وكان هناك حزب الزبيريـين، كما كان هناك حزب الخوارج، وقد كانت هناك الانتماءات الشيعة التي تمثل خط الموالين لأهل البيت(ع).

ولا يخفى على أحد من المتأملين في المصادر التاريخية أن مراكز القوة والتأثيرات السياسية والاجتماعية والأمنية، كانت بيد الأمويـين، ومن ينـتمي إليهم.

من الناحية القبلية:

لقد كانت أكثر قبائل العراق موالية للأمويـين، وكانت الأموال تصرف بسخاء لشراء زعماء تلك القبائل.

ومن الواضح أن هذا وأمثاله قد سهل على ابن زياد الانفراد بالأقلية الشيعية وشلّ حركتها ومنعها من نصرة الإمام الحسين(ع).

ومن هذا الخليط غير المتجانس تكوّن الجيش الذي قاتل الإمام الحسين(ع) في كربلاء، وهو ما يفسر لنا كثيراً من المواقف التي حدثت في ساحة المعركة، لقد كان القوم يقولون للحسين(ع): إنما نحاربك بغضاً لك ولأبيك. ولا يخفى على أحد أن مثل هذا الكلام إنما هو كلام حاقد موتور، وليس كلام محب غيور على الوقوف مع الجيش الأموي.

وفي المقابل نجد الإجابة الصادرة من الإمام الحسين(ع) توضح لنا أنه(ع) على علم بهوية هذا الجيش، فنراه يخاطبهم: يا شيعة آل أبي سفيان.

نعم لقد اشتركت الكوفة بكل مكوناتها التي مرّ ذكرها في قتل الحسين(ع)، ولم يتخلف أحد سوى الشيعة الذين قمعوا وبمنـتهى القسوة، ومما يؤسف له أن التاريخ الظالم لم يجد أحداً يعلق برقبته تلك الجريمة الشنعاء سوى شيعة الإمام(ع) وأنصاره.

فقتلة الإمام الحسين(ع) ومن أجل أن يـبعدوا التهمة عن أنفسهم اتهموا شيعة الإمام(ع) من أهل الكوفة بأنهم هم الذين قتلوه.

إن هذا التخطيط غير المتجانس في المجتمع الكوفي كان من الأسباب الرئيسية التي أدت إلى الحيلولة بين شيعة الكوفة ونصرة الإمام الحسين(ع).

ويتجلى ذلك من خلال عدة اعتبارات:

الأول: إن مجتمعاً خليطاً كهذا تكون فيه عملية تجميع القوى وتوحيد الصفوف أمراً هو أقرب إلى المستحيل، بينما تسهل فيه عملية التفرقة والتفكيك والهدم.

الثاني: إن سلاح الإشاعة يكون أكثر تأثيراً وتدميراً للمعنويات في مثل هذا المجتمع الخليط.

الثالث: إن الذين بايعوا مسلم بن عقيل ليس كل أهل الكوفة، بل الأقلية الشيعية فقط، ولذلك وعندما دخل ابن زياد إلى الكوفة انضم إليه باقي الفئات من غير الشيعة، طمعاً أو خوفاً، وهكذا فقد سخرهم ابن زياد لرصد الشيعة ومحاربتهم ومنعهم من نصرة الحسين(ع).

هذا ولعل قائلاً يقول: إذا كان المبايعون لمسلم بن عقيل(ع) هم خصوص الشيعة، فهذا يعني أنهم كانوا يمثلون عدداً كبيراً من التركيـبة السكانية للمجتمع الكوفي، بملاحظة النصوص التاريخية المتحدثة عن عدد المبايعين لمسلم(ع)، فلماذا تخلو عن نصرة الإمام الحسين(ع)، وكيف يثبت عدم خروج أحد منهم في العسكر الذي خرج لقتاله؟...

ولا يخفى أن هذا يمكن أن نجيب عنه، بملاحظة أننا لا ننفي وجود مبايعين لمسلم(ع) من غير الفئات الشيعة، لأننا لو درسنا جوهر المجتمع الكوفي، لوجدنا في التركيـبة السكانية لهذا المجتمع غير المرتزقة الذين يـبحثون عن مصالحهم الشخصية، فينعقون وراء كل حركة ما دام يحتمل فيها أن تدر عليه شيئاً من المصالح، الخوارج على سبيل المثال، وهم موتورون من بني أمية، كما أن هناك نفس الحمر الذين استعبدوا من قبل طغاة الحكم الأموي، فضلاً عن غيرهم، فلا يـبعد أن هؤلاء الذين كانوا يسعون لزحزحة الحكم عن بني أمية قد بايعوا سيدنا مسلم(ع)، لكن بيعتهم لم تكن بالبيعة الصادقة، بقدر ما كانت بيعة ذات أهداف ومصالح، ولهذا عبرنا بما عبرنا به، فلاحظ.

على أن هناك ما يدعو للتأمل في قبول مثل هذه النصوص المتعرضة لمثل هذا العدد الكبير في المبايعين، ربما نشير له فيما يأتي، فأنتظر.

الرابع: لقد استعمل ابن زياد مختلف أساليب الترغيب والترهيب مع مجتمع يعيش منذ عقدين من الزمن أجواءاً إرهابية بوليسية، وقمعاً شرساً ومستمراً، وتجويعاً وإذلالاً، فاشترى من يمكن شراؤه من الوجهاء، وكبار القوم والأشراف، وحاول من خلالهم شراء الآخرين وهو ما تكشفه وصيته لهم: أشرفوا على الناس فمنّوا أهل الطاعة بالزيادة والكرامة، وخوّفوا أهل المعصية بالحرمان والعقوبة، وأعلموهم وصول الجنود من الشام[o1] .

وقد اصطف معه كثيرون من الفئات الأخرى الناقمة على الشيعة، ثم أشاع بأن جيوشاً شامية كثيفة تقترب من الكوفة مما أثرّ على معنويات الناس، حيث وجدوا أنفسهم على وشك الاصطدام وجهاً لوجه مع جيوش الشام، وقبل أن يعدّوا للأمر عدّته، خاصة وأنهم قد عانوا الكثير من جيوش الشام التي تنتهك كل المقدسات من قتل وسبي واغتصاب وسرقة وإذلال، وتضرب بكل قيم وأصول الحرب في الإسلام عرض الحائط.

وهذا المعنى قد أثبتـته الأحداث فيما بعد عندما استباح هذا الجيش المدينة المنورة، فضلاً عن ذلك فقد قام ابن زياد باعتقال أعداد كبيرة من شيعة الكوفة وأطرافها قبل وصول الإمام الحسين(ع)، وهو ما يعبر عنه اليوم بالقيادات والكوادر المفصلية المهمة ووجوه القوم، واستعمل القسوة والإرهاب لإخافة الناس، فأصبحوا كالجسد المشلول بلا رأس ولا أطراف.

الخامس: أن طول فترة المعاناة وكثرة ما قدم الناس من التضحيات وضعف الوعي الرسالي عند الكثير منهم، كل هذا ولد في نفوسهم الإحباط، فأصبحوا في حالة من اليأس من إمكانية نجاح أي حركة أو ثورة، وهكذا وجدنا بعضهم يثبط البعض الآخر، ويثنيه عن الزج بنفسه في معركة خاسرة ليس وراءها إلا الفشل والندم والتضحيات.

نعم كل هذا قد تغير بعد استشهاد الإمام الحسين(ع) لأن هول الصدمة قلب كل الموازين رأساً على عقب، وجعل الناس يسترخصون أرواحهم في سبيل هدم أركان هذه الدولة الباغية.

السادس: لقد حيل بين أهل الكوفة وبين الإمام الحسين(ع) بمختلف الأساليب، ومن ضمنها محاصرة الكوفة وقطع كل الطرق والمسالك منها وإليها، وذلك لمنع أي تسلل ولقطع الطريق على كل من يفكر بنصرة الإمام الحسين(ع).
--------------------------------------------------------------------------------

[o1]مقاتل الطالبيـين ص 67.

منقول من هذا الرابط (
http://www.obaidan.org/muharam.htm

عاشق طيبة
01-30-2005, 06:52 PM
براءة الشيعة من قتل الحسين(2)

من خلال ما تقدم منا استعراضه أتضح لنا عدة جوانب جديرة بالملاحظة والمتابعة، وأن المجتمع الكوفي عبارة عن خليط سكاني، فلا يمكن أن ينسب القتل لخصوص الشيعة، والمجتمع يتركب من خلال الفئات التي أشرنا لها، مضافاً إلى وجود عدة عوامل أدت إلى الحيلولة بين المجتمع الكوفي الشيعي وبين نصرة الإمام الحسين(ع).

ولا زال حديثنا مستمراً حول هذه المعطيات، وقد قدمنا ستة اعتبارات، وبقية اعتبارات أخرى.

السابع: إن ما وصلنا من روايات لا يعطينا صورة واضحة عما حدث في الكوفة خلال الفترة الزمنية التي سبقت وصول الإمام الحسين(ع)، كما أن هذه الروايات بحاجة إلى تمحيص ودقيق.

خصوصاً وأن هناك كثيراً من الحلقات المفقودة التي ما لم نجدها لا نستطيع أن نفهم حقيقة ما جرى في الكوفة آنذاك من مثل: عدم قيام مسلم بن عقيل بالقضاء على ابن زياد قبل أن يثّبت نفسه، وقد مكنه الله منه في بيت هاني بن عروة، فإن لم يكن يرى مشروعية قتله، فلماذا لم يـبادر إلى وضع القيد في يده وحبسه إلى حين الانتهاء من تنفيذ خطة الثورة؟...

ثم ما هو سر بقاء أربعة آلاف مقاتل يحيطون بقصر الأمارة من الصباح حتى المساء؟...فما الذي منعهم من دخوله في أول ساعة، وماذا كانوا ينـتظرون وليس في القصر سوى خمسين نفراً كما تنص على ذلك النصوص؟...

ومن هم الرجال الثلاثون الذين بقوا معهم، ولماذا تفرقوا عنه؟...هل كان تفرقهم عنه بأمره بعد أن تبين له فشل الحركة وخشية تعرض الجميع للإبادة، أو أن ذلك كان جبناً وخوفاً من الانتقام؟...

ثم أيعقل أنه لا يوجد في الكوفة رجل واحد يملك الشجاعة للبقاء مع مسلم؟...وما سرّ انفضاض الناس من حوله(ع) وبمثل هذه الصورة؟...وما سر عدم تحرك عشيرة هاني بن عروة لاستنقاذه من يدي ابن زياد؟...وغير ذلك من الحلقات المفقودة.

إن المؤرخين دأبوا وبصورة لا يـبعد أنها مدروسة ومحسوبة وموجهة على الغمز من أهل الكوفة لغايات وغايات، إذ نراهم دائماً يتحدثون عن الألوف المؤلفة، التي بايعت مسلماً، والألوف المؤلفة التي حاصرت دار الأمارة، والألوف المؤلفة من عشيرة هاني بن عروة(رض) الذين أحاطوا بقصر الأمارة، وآلاف الأشخاص الذين أرسلوا الرسائل، وهذا التضخيم والمبالغة أسلوب ماكر وخبيث يقصد منه الإيحاء للآخرين بأن عناصر القوة كانت كاملة وكافية، وأن أهل الكوفة ورغم كل ما يملكونه من هذه العناصر فإنهم قد خانوا وغدروا وجبنوا عن نصرة الحق وهم قادرون.

ولعل السر في هذا التهويل السعي إلى محاولة النيل من هذا المذهب الشريف، وهو مذهب أهل البيت(ع) من خلال تشويه صورة المنـتسبين إليه، وتصويرهم بأنهم مرتزقة، أو أصحاب مصالح خاصة، وهذا المعنى غير بعيد بملاحظة أن أغلب كتبة التأريخ إنما هم من الأُجراء الممثلون للخط الحاكم وسلطة الدولة، فلا يـبعد أن يكون ذلك من مصاديق الإعلام المضاد الذي اتخذ في مقابل مذهب أهل البيت(ع)، فضلاً عن النهضة الحسينية المباركة.

ولا يتصور بأن ما احتملناه بعيد، بل إن أدنى ملاحظة للأسلوب الإعلامي الرخيص الذي عمد له الأمويون وغيرهم من السلطات في الوقوف أمام المذهب الحق، يؤكد ما ذكرناه، فلاحظ كيف غمز في أمير المؤمنين علي(ع) ومن خلال عدة زوايا، حتى قيل بأن أباه وهو الحامي الأول للرسول الأكرم(ص) والمحتضن لرسالته المباركة، وهو مؤمن قريش بكونه كافراً.

حقيقة ما جرى على مسلم:

والآن ما هي حقيقة ما جرى على مسلم(ع) وحركته قبل وصول الإمام الحسين(ع)، هل كان هناك خلل في أسلوب قيادة سيدنا مسلم بن عقيل(ع) للناس في هذه المواجهة المصيرية والفاصلة؟...هل يمكننا أن نحمل مسلم(ع) بعض المسؤولية فيما حصل؟...

فمع تبدل المعطيات وانقلاب المواقف، يتساءل الباحث فيما لو كان لموفد الإمام الحسين(ع) دور في الإخفاق الذي انتهت إليه مهمته على مدى ذلك النحو المأساوي المدمر للثورة الشيعية بالكوفة، وعلى المدى البعد من ارتباطها بالإمام الحسين(ع).

وإذا كنا لا نملك من الأخبار لمناقشة هذا الأمر فإنه من مسلمات القول أن الدور الذي تولاه الموفد الحسيني وهو سيدنا مسلم بن عقيل(ع) كان من أخطر أدوار الثورة وأكثرها دقة، ولو لا أهليته لهذا المنصب لما أختاره الإمام(ع) لذلك.

وأيضاً هل كانت رغبات الناس، وهم يدعون لنصرة الإمام(ع) لينصروه أكبر من حجم إرادتهم وأكبر من إمكانياتهم، وهم يواجهون القمع الأموي؟...هل كانت أساليب القمع والإرهاب أكبر وأقوى من حنكة القيادة ومن امكانيات الناس؟...هل هذا كله كان مجتمعاً؟...هل هناك أسباب أخرى غير منظورة؟...كل هذا لم يتعرض له المؤرخون إلا بصورة مشوهة ومبتورة.

الثامن: لقد قام الأمويون وطيلة فترة حكمهم للعراق وعلى مدى عقدين من الزمان، بتجربة مخـتلفة الأساليب لقتل الشخصية الشيعية العراقية المعارضة والمتمسكة بخط أهل البيت(ع)، فأمعنوا في أهل العراق قتلاً وتجويعاً وتشريداً وارهاباً.

وهذا الإمام أبو جعفر الباقر(ع) يتحدث عما جرى على شيعة العراق في تلك الفترة، فيقول: وقتلت شيعتنا بكل بلدة، وقطعت الأيدي والأرجل على الظنة، وكل من يذكر بحبنا والانقطاع إلينا سجن أو نهب ماله أو هدمت داره، ثم لم يزل البلاء يشتد ويزداد إلى زمان عبيد الله بن زياد قاتل الحسين(ع).

وقد كان من أشد الناس بلاء حينـئذٍ هم أهل الكوفة لكثرة ما بها من شيعة علي(ع) فاستعمل معاوية عليهم زياد بن سمية، وضم إليه البصرة، فقتلهم تحت كل حجر ومدر، وأخافهم وقطع الأيدي والأرجل، وسملّ العيون وصلبهم على جذوع النخل، وطردهم وشردهم عن العراق، فلم يـبق بها معروف منهم.

ولم يكتف معاوية بذلك حتى قام بتهجير أكثر من خمسين ألفاً من أهل الكوفة إلى خراسان للقضاء على المعارضة الشيعية المستمرة والمتجددة.

وقد أشار لهذا المعنى بعض الباحثين: وقد أنزل من الكوفيـين وأسرهم، وكانوا أعظم الثوار تشيعاً خمسين ألفاً في خراسان، وبذلك حطم قوة المعارضة في الكوفة[o1] .

ولهذا قيل في بعض الكلمات أنه لقد ظن أن لا يـبقى بعد اليوم في الكوفة شيعياً، وذلك لكثرة ما جرى عليهم، فضلاً عن التـتبع الدقيق لهم والبحث عنهم في كل موطن وإعمال السيف فيهم.

ثم إن هذا الذي جرى على الكوفيـين يـبين لنا مقدار ما بقي من العدد الشيعي في هذه المدينة، وهل أنهم بالمقدار المقرر في الكلمات، وأنهم يمثلون ذلك العدد الهائل في تركيـبة الجيش الذي قاتل الإمام الحسين(ع)، فلاحظ.

ومع هذا كله فإن معاوية كان يتوقع انتفاض الكوفة على خليفته يزيد فيما بعد، فأعد للأمر عدته، وكتب عهداً قبيل وفاته يقضي بتعيـين ابن زياد والياً على الكوفة إضافة إلى ولايته على البصرة، وهو المعروف بقساوته وبطشه وحقده على أهل البيت(ع) وشيعتهم، وقد أودع العهد عند مستشاره سرجون الرومي، على أن يبرزه ليزيد كوصية واجبة التنفيذ في حال تمرد أهل العراق وخروجهم على الحكم الأموي بعد وفاته.

ثم أردف ذلك بوصية ليزيد يحذره فيها من أهل العراق، وينصحه بأن يعين لهم في كل يوم والياً إذا ما طلبوا ذلك تجنباً لثورتهم وتمردهم.

ومع كل هذا:

ومع كل ما جرى على الشعب العراقي والمجتمع الكوفي، نراهم بدلاً من أن يسالموا الحاكم الظالم ويذعنوا له، يراسلون الإمام الحسين(ع) ليقودهم في ثورة لا يمكن وصفها بكل المقايـيس إلا بأنها ثورة استشهادية، علماً بأنها ليست المرة الأولى التي يدعون فيها الإمام الحسين(ع) لقيادتهم، فهم حين ضرب معاوية باتفاقية الصلح مع الإمام أبي محمد الحسن(ع) عرض الجدار هبوا إليه يدعونه لرفع راية الثورة والمواجهة من جديد، لكنه(ع) لم يجبهم إلى ذلك، فذهبوا إلى الإمام الحسين(ع) وطالبوه بنفس الشيء وكان جوابه(ع) لهم: صدق أبو محمد، فليكن مل رجل منكم حلساً من أحلاس بيته ما دام هذا الإنسان حياً، فإن هلك نظرنا ونظرتم ورأينا ورأيتم[o2] .

ولم يقل لهم: إنكم أهل غدر، ولا نستطيع الثقة بكم، بل حتى أنه لم يقل لهم سنرى ونـنظر، بل قال: نظرنا ونظرتم، ورأينا ورأيتم. وهذا هو منتهى الثقة والتقدير، حيث يجعلهم الإمام(ع) شركاء له في اتخاذ القرار المناسب وهو المعصوم المفترض الطاعة.

وقد تكررت هذه الدعوات والوفود على مدى عشرين عاماً، وفي كل مناسبة، وعند كل أزمة.

التاسع: لقد عزز الأمويون قوتهم الذاتية في الكوفة، لا سيما وأن هذه الأخيرة كانت دائماً مركزاً للمعارضة الأكثر خطورة في المشرق الإسلامي، وكان هذا الواقع مصدر قلق للسلطة منذ قيامها، معبرة عن ذلك باختيار شخصيات غير عادية لأهل العراق، ولم تكن تلك الشخصيات قادرة على القيام بمهماتها العسيرة دون قوة رادعة من القبائل العراقية الموالية للنظام.

ولا ننسى في هذا السبيل أن القوة المقاتلة، وهي الجيش في العهد الأموي من الدولة كانت لا تزال منصرفة بثقلها نحو هذا الدور الأمني، بعد انطفاء وهج الدور الجهادي التوسعي الذي كان أيام الخلفاء الثلاثة الأول، أي أنه كان يوجد في الكوفة حامية عسكرية قوية وجهاز أمني عتيد، مضافاً إلى وجود قوات شامية على حدود العراق مستعدة للدخول بسرعة للقضاء على أي محاولة للتمرد.

هذا كله فضلاً عن أنه كان للأمويـين شبكة واسعة من العيون والشرطة والمخبرين والعرفاء والجنود والمرتزقة الذين كانوا يحصون على الناس أنفاسهم.

النـتيجة:

إن من السذاجة أن نتصور أن الأمويـين قد تركوا الكوفة من غير عيون وإرصاد وقوات جاهزة للطوارئ، وهي التي تمثل عاصمة المعارضة، وقاعدة أهل البيت(ع)، كما أن من السذاجة أيضاً أن نتصور أن الحكم الأموي الذي كان يرصد حركة الإمام الحسين(ع) وبكل دقة وتـتبع، أن يـبقى ساكناً ولا يأخذ للأمر أهبته، بل على العكس من ذلك فإن سير الأحداث يؤكد بأن الحكم الأموي كان يخطط لاستدراج الإمام الحسين(ع) إلى العراق للإجهاز عليه باعتباره خارجاً على الخليفة، بدليل الرسالة التي أرسلها يزيد إلى ابن زياد بعد وصول رأسي مسلم وهاني(ع) إلى دمشق، حيث يقول فيها: بلغني أن الحسين بن علي قد فصل عن مكة متوجهاً إلى ما قبلك، فأدرك العيون عليه وضع عليه الإرصاد على الطريق، وقم أفضل القيام، واكتب إلي الخبر كل يوم[o3] .

خلاصة الأمر:

إن النـتيجة التي نصل إليها بعد هذا الاستعراض كله، أن شيعة الكوفة كانوا أبرياء من تهمة الغدر والخذلان والخيانة، وإنهم لم يشاركوا في قتل الإمام الحسين(ع) حتى يقال بأن قتلة الحسين(ع) هم شيعته الذين دعوه، ومن ثمّ خذلوه.

بل إن الذين ساهموا بطريقة وأخرى في حرب الإمام الحسين(ع) هم بقية أهل الكوفة من غير الشيعة، وهم الذين حالوا بينه(ع) وبين شيعته، ولأسباب نفعية وسياسية.

وأما حالة التقلب في المواقف عند بعض أهل الكوفة من الشيعة، فهو نتيجة طبيعية لحالة الظلم والإرهاب الطويلة والسائدة في المجتمع، وما تولده في نفوس بعض الناس من تداعيات وتصدعات وانهيارات تكون حصيلتها وجود شخصيات من هذا النوع المنافق المتلون الساعي وراء مصالحه وغاياته فقط.



--------------------------------------------------------------------------------

[o1]ثورة الحسين ص 74 للشيخ شمس الدين.

[o2]الأخبار الطوال للدينوري ص 221.

الأخبار الطوال للدينوري ص 242 وللمراجعه زيارة الرابط ( http://www.obaidan.org/muharam.htm

قطر الندى
01-30-2005, 08:32 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
ماشاء الله على المشاركات كل وحده احسن من الثانية
تمنياتي لك بالتوفيق دائما الى الامام
تحياتي : قطر الندى