المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحكمه من تعدد زوجات النبي صلى الله عليه واله


رياض
01-31-2005, 05:17 AM
اللهم صل على محمد واله
يقف الباحث على أن زواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يحكمه البلاغ والإنذار والدعوة إلى الله عز وجل . فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم تزوج ببعض هؤلاء الأزواج اكتسابا " للقوة وازديادا " للعضد والعشيرة ، وببعض هؤلاء استمالة للقلوب وتوقيا " من بعض الشرور ، وببعض هؤلاء ليقوم على أمرها بالإنفاق وإدارة المعاش وليكون سنة جارية بين المؤمنين في حفظ الأرامل والعجائز من المسكنة والضيعة ، وببعضها لتثبيت حكم مشروع وإجراء عملا " لكسر السنن المنحطة والبدع الباطلة الجارية بين الناس . كما في تزوجه بزينب بنت جحش . وقد كانت زوجة لزيد بن حارثة ثم طلقها زيد وقد كان يدعي زيد بن محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على نحو التبني . وكانت زوجة المدعو ابنا عندهم كزوجة الابن الصلبي لا يتزوج بها الأب . فأبطل الإسلام ذلك . وبالنظر في ازدواج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالنساء . نجد إنه تزوج أول ما تزوج بخديجة رضي الله عنها . وعاش معها مقتصرا " عليها نيفا " وعشرين سنة ، وبعد وفاتها تزوج بسودة بنت زمعة وقد توفي عنها زوجها بعد الرجوع من هجرة الحبشة . وكانت سودة مؤمنة مهاجرة . ولو رجعت إلى أهلها وهم يومئذ كفار لفتنوها كما فتنوا غيرها من المؤمنين والمؤمنات بالزجر والقتل والإكراه على الكفر . وتزوج بزينب بنت خزيمة بعد قتل زوجها عبيدة بن الحارث يوم بدر شهيدا " .
وكانت من السيدات الفاضلات في الجاهلية تدعى أم المساكين لكثرة برها للفقراء والمساكين . فصان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بازدواجها ماء وجهها . وتزوج بأم سلمة . واسمها هند . وكانت من قبل زوجة عبد الله بن عبد الأسد أبي سلمة . أول من هاجر إلى الحبشة . توفي من أثر جرح أصابه يوم أحد . وكانت أم سلمة زاهدة فاضلة ذات دين ورأي . فلما توفي عنها زوجها وكانت ذات أيتام تزوج بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم . وتزوج بجويرية . واسمها برة بنت الحارث سيد بني المصطلق بعد وقعة بني المصطلق . وقد كان المسلمون أسروا منهم مثني بيت بالنساء والذراري . فتزوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بها . فقال المسلمون : هؤلاء أصهار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا ينبغي أسرهم وأعتقوهم . جميعا " . فأسلم بنو المصطلق بذلك ولحقوا عن آخرهم بالمسلمين وكانوا جما غفيرا " . وأثر ذلك أثرا " حسنا " في سائر العرب . وكان هذا العمل من الأسباب الرئيسية لتصدع جبهة المشركين . وذلك أن أبا سفيان بن حرب كان يرتكز في حربه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم على هذا البطن من خزاعة بني المصطلق . فلما أسلموا تصدعت جبهة أبو سفيان . وفتح الطريق أمام الدعوة بعد ذلك وأرسلت الرسائل إلى القادة والملوك . وتزوج بصفية بنت حيي بن أخطب من نسل هارون عليه السلام . وكانت في سبي خيبر . فاصطفاها وأعتقها وتزوج بها . وأقيمت بهذا الازدواج حجة دامغة على اليهود كما سيأتي . وتزوج أم حبيبة . واسمها رملة بنت أبي سفيان . وكانت زوجة عبيد الله بن جحش . وهاجر معها إلى الحبشة الهجرة الثانية فتنصر عبيد الله هناك . وثبتت هي على الإسلام . وكان أبوها أبو سفيان في مكة يجمع الجموع على الإسلام يومئذ . فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأحصنها . وتزوج بحفصة بنت عمر . وقد مات زوجها بعد الهجرة مقدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بدر . وتزوج عائشة بنت أبي بكر وهي بكر . لقد قالوا : إن تعدد الزوجات لا يخلو من الانقياد لداعي الشهوة . فأين هذا الانقياد وهذا الداعي ؟ لقد تزوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أول ما تزوج بخديجة وعاش معها مقتصرا " عليها نيفا " وعشرين سنة وهذه المدة هي ثلثا عمره الشريف بعد الازدواج ، ومن هذه المدة ثلاث عشرة سنة بعد نبوته قبل الهجرة من مكة ، ثم هاجر إلى المدينة وشرع في نشر الدعوة وإعلاء كلمة الدين . وتزوج بعدها من النساء منهن البكر ومنهن الثيب ومنهن الشابة ومنهن العجوز والمكتهلة ، وكان ذلك ما يقرب من عشرة سنين ، ثم حرم عليه النساء بعد ذلك إلا من هي في حبالة نكاحه ، ومن المعلوم أن هذه الفعال على هذه الخصوصيات ، لا يقبل التوجيه بمجرد حب النساء والولوع بهن . والوله بالقرب منهن . فأول هذه السيرة وآخرها يناقضان ذلك ( 1 ) . ووفقا " لما نشاهده من العادة الجارية بين الناس . إن الرجل المتولع بالنساء المغرم بحبهن والخلاء بهن والصبوة إليهن . هذا الرجل تراه مجذوب إلى الزينة عشيق للجمال . حنين إلى الشباب ونضارة السن وطراوة الخلقة . فإذا نظرنا إلى هذه الخواص التي تتوفر في الرجل المتولع بالنساء . نجد أنها لا تنطبق على سيرة النبي الأعظم صاحب الخلق العظيم صلى الله عليه وآله وسلم ، فإنه بني بالثيب بعد البكر . وبالعجوز بعد الفتاة الشابة . فقد بنى بسودة بنت زمعة وهي مسنة . وبنى بزينب بنت جحش وسنها يومئذ يقرب على الخمسين بعدما تزوج بمثل عائشة وأم حبيبة . وهكذا .
* ( هامش ) * ( 1 ) تفسير الميزان 195 / 4 . ( * )
فإذا أضفنا إلى هذه الحركة في الازدواج أنه صلى الله عليه وآله وسلم خير نساءه بين التمتيع والسراح الجميل وهو الطلاق إن كن يردن الدنيا وزينتها ، وبين الزهد في الدنيا وترك التزين والتجمل إن كن يردن الله ورسوله والدار الآخرة . على ما يشهد به قوله تعالى ( يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا " جميلا " . وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا " عظيما " ) ( 1 ) . فهذا المعنى أيضا " أمام الباحث المتدبر لا ينطبق على حال رجل مغرم بجمال النساء صاب إلى وصالهن ، فلا يبقى حينئذ للباحث المتعمق إذا أنصف إلا أن يوجه كثرة ازدواجه صلى الله عليه وآله وسلم ، فيما بين أول أمره وآخر أمره ، بعوامل أخرى غير عامل الانقياد لداعي الشهوة حيث الشره والشبق والتلهي . في ظلال الأوامر الإلهية لنساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم : سار النبي بالدعوة في طريق الزهد وترك الزينة وندب نساءه إلى ذلك . قال تعالى ( يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا " جميلا " . وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا " عظيما " . يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا " . ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا " نؤتها أجرها مرتين واعتدنا لها رزقا " كريما " . يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا " معروفا " . وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى . وأقمن الصلاة وآتين
( هامش ) * ( 1 ) سورة الأحزاب آية 29 . ( * )
الزكاة وأطعن الله ورسوله ) ( 1 ) . قال صاحب تفسير الميزان : آيات راجعة إلى أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم تأمره أولا " : أن ينبئهن أن ليس لهن من الدنيا وزينتها إلا العفاف والكفاف إن اخترن زوجية النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم تخاطبهن ثانيا " : إنهن واقفات في موقف صعب على ما فيه من العلو والشرف ، فإن اتقين الله يؤتين أجرهن مرتين . وإن أتين بفاحشة مبينة يضاعف لهن العذاب ضعفين ، ويأمرهن بالعفة ولزوم بيوتهن من غير تبرج ، والصلاة والزكاة وذكر ما يتلى في بيوتهن من الآيات والحكمة . ثم يعد مطلق الصالحين من الرجال والنساء وعدا بالمغفرة والأجر العظيم فقوله تعالى ( يا أيها النبي قل لأزواجك ) إلى تمام الآيتين . أمر من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يخيرهن بين أن يفارقنه ولهن ما يردن ، وبين أن يبقين عنده ولهن ما هن عليه من الوضع الموجود . وقد ردد أمرهن بين أن يردن الحياة الدنيا وزينتها ، وبين أن يردن الله ورسوله والدار الآخرة . وهذا الترديد يدل : أن الجمع بين سعة العيش وصفائها بالتمتع مع الحياة وزينتها وزوجية النبي صلى الله عليه وآله وسلم والعيشة في بيته مما لا يجتمعان . ونتبين من الآيات أن ليس لزوجية النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حيث هي زوجية كرامة عند الله تعالى ، وإنما الكرامة المقارنة لزوجيته المقارنة للإحسان والتقوى . ولذلك لما ذكر سبحانه ثانيا " علو منزلتهن ، قيده أيضا " بالتقوى فقال تعالى ( لستن كأحد من النساء إن اتقتين ) وهذا كقوله في النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ( محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا " سجدا " ) . إلى أن قال عز وجل ( وعد الله الذين آمنوا منهم وعملوا الصالحات أجرا " عظيما " )
* ( هامش ) * ( 1 ) سورة الأحزاب آيات 28 - 33 . ( * )
حيث مدحهم عامة بظاهر أعمالهم أولا " ، ثم قيد وعدهم الأجر العظيم بالإيمان والعمل الصالح ( 1 ) . وقال ابن كثير لدى تفسيره الآية : هذا أمر من الله تبارك وتعالى لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم بأن يخير نساءه بين أن يفارقهن فيذهبن إلى غيره ممن يحصل لهن عنده الحياة الدنيا وزينتها ، وبين الصبر على ما عنده من ضيق الحال . ولهن عند الله تعالى في ذلك الثواب الجزيل ( 2 ) . وقال في الميزان في قوله تعالى ( فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا " جميلا " ) التمتيع إعطاؤهن عند التطليق ما لا يتمتعن به ، والتسريح هو التطليق ، والسراح الجميل : هو الطلاق من غير خصومة ومشاجرة بين الزوجين ( 3 ) . وقوله تعالى ( يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ) الآية ، عدلي سبحانه عن مخاطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيهن ، إلى مخاطبتهن أنفسهن لتسجيل ما لهن من التكليف وزيادة التوكيد . وقوله ( من يأت منكن بفاحشة مبينة ) الفاحشة : الفعلة المبالغة في الشناعة والقبح وهي الكبيرة . كإيذاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والافتراء والغيبة وغير ذلك ، والمبينة : هي الظاهرة . وقوله تعالى ( ومن يقنت منكن لله ورسوله ويعمل صالحا " نؤتها أجرها مرتين ) الآية . القنوت : الخضوع ، وقيل : الطاعة ، وقيل : لزوم الطاعة مع الخضوع ، والاعتداد . التهيئة ، والرزق الكريم مصداقه الجنة . والمعنى : ومن يخضع منكن لله ورسوله . أو لزم طاعة الله ورسوله مع الخضوع ، ويعمل عملا " صالحا " نعطها أجرها مرتين . وهيأنا لها رزقا " كريما "
( * ) ( 1 ) تفسير الميزان 306 / 16 . ( 2 ) تفسير ابن كثير 480 / 3 . ( 3 ) تفسير الميزان 306 / 16 ، ابن كثير 481 / 3 . ( * )
وهي الجنة . وقوله تعالى ( يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض ) الآية . فالآية تنفي مساواتهن لسائر النساء إن اتقين ، وترفع منزلتهن على غيرهن . ثم تذكر أشياء من النهي والأمر ، متفرعة على كونهن لسن كسائر النساء كما يدل عليه قوله تعالى ( فلا تخضعن بالقول ) وقوله ( وقرن ) وقوله ( ولا تبرجن ) الخ ، وهي خصال مشتركة بين نساء النبي صلى الله عليه وآله . وسائر النساء ، فتصدير الكلام بقوله ( لستن كأحد من النساء إن اتقيتن ) ثم تفريع هذه التكاليف المشتركة عليه ، يفيد يأكد هذه التكاليف عليهن . كأنه قيل : لستن كغيركن . فيجب عليكن أن تبالغن في امتثال هذه التكاليف ، وتحتطن في دين الله أكثر من سائر النساء ، وتؤيد بل تدل على تأكد تكاليفهن . مضاعفة جزائهن . خيرا " وشرا " ، كما دلت عليها الآية السابقة ، فإن مضاعفة الجزاء لا تنفك عن تأكد التكليف . وقوله تعالى ( فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض ) بعد ما بين علو منزلتهن ورفعة قدرهن لمكانهن من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وشرط في ذلك التقوى فبين أن فضيلتهن بالتقوى لا بالاتصال بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، نهاهم عن الخضوع في القول ، وهو ترقيق الكلام وتليينه مع الرجال ، بحيث يدعو إلى الريبة وتثير الشهوة ، فيطمع الذي في قلبه مرض . وهو فقدانه قوة الإيمان . التي تردعه عن الميل إلى الفحشاء . وقوله تعالى ( وقلن قولا " معروفا " ) أي كلاما " معمولا " مستقيما " يعرفه الشرع والعرف الإسلامي . وهو القول الذي لا يشير بلحنه إلى أزيد من مدلوله . وقوله تعالى ( وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ) إلى قوله ( وأطعن الله ورسوله ) . قال المفسرون : أي الزمن بيوتكن فلا تخرجن لغير حاجة . لأن المرأة أقرب ما تكون بروحة ربها وهي في قعر بيتها ( 1 ) وقيل : ( قرن ) من قر يقر . إذا أثبت . وأصله : أقررن ، حذفت إحدى الرائين ، أو من قار . يقار : فإذا اجتمع ، كناية عن ثباتهن في بيوتهن ولزومهن لها ، والتبرج : الظهور للناس كظهور البروج لناظريها . وقوله ( الجاهلية الأولى ) قيل : الجاهلية الأولى قبل البعثة ، فالمراد الجاهلية القديمة . وقوله تعالى ( وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله ) أمر بامتثال الأوامر الدينية . وقد أفرد الصلاة والزكاة بالذكر من بينها ، لكونهما ركنين في العبادات والمعاملات ، ثم جمع الجميع في قوله تعالى ( وأطعن الله ورسوله ) وطاعة الله هي امتثال تكاليفه الشرعية ، وطاعة رسوله فيما يأمر به وينهى بالولاية المجعولة له عند الله . كما قال تعالى ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ) ( 2 ) . الألقاب والمعافي : وضعت الشريعة نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم في دائرة الأمومة ، بمعنى : إن كل امرأة تزوجها النبي صلى الله عليه وآله وسلم تحمل لقب ( أم المؤمنين ) فيقال : أم المؤمنين خديجة وأم المؤمنين أم سلمة وأم المؤمنين حفصة وأم المؤمنين صفية وأم المؤمنين مارية . . . إلخ . قال تعالى : ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم ) ( 3 ) . قال صاحب الميزان : فمعنى كون النبي أولى بهم من أنفسهم ، إنه
( هامش ) * ( 1 ) تفسير ابن كثير 482 / 3 . ( 2 ) تفسير الميزان 309 / 16 . ( 3 ) سورة الأحزاب آية 6 . ( * )
أولى بهم منهم . ومعنى الأولوية هو رجحان الجانب إذا دار الأمر بينه وبين ما هو أولى منه ، فالمحصل أن ما يراه المؤمن لنفسه من الحفظ والمحبة والكرامة واستجابة الدعوة ، فالنبي أولى بذلك من نفسه ، ولو دار الأمر بين النبي وبين نفسه في شئ من ذلك ، كان جانب النبي أرجح من جانب نفسه ، ففيما إذا توجه شئ من المخاطر إلى نفس النبي ، فليقه المؤمن بنفسه ويفده نفسه وليكن النبي أحب إليه من نفسه ، وأكرم عنده من نفسه ، ولو دعته نفسه إلى شئ . والنبي إلى خلافة ، أو أرادت نفسه منه شيئا " وأراد النبي خلافه ، كان المتعين استجابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وطاعته وتقديمه على نفسه ( 1 ) . وقال ابن كثير : في الصحيح : قال النبي صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله ووالده والناس أجمعين ( 2 ) ، وروى البخاري عن عبد الله قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب . فقال له عمر : يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شئ إلا نفسي . فقال النبي صلى الله عليه وسلم . لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك . فقال عمر : فإنه الآن يا رسول الله لأنت أحب إلي من نفسي . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : الآن يا عمر ( 3 ) . وقال صاحب الميزان : وقوله تعالى ( وأزواجه أمهاتهم ) جعل تشريعي . أي : أنهن منهم . بمنزلة أمهاتهم في وجوب تعظيمهن وحرمة نكاحهن بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والتنزيل إنما هو في بعض آثار الأمومة ، لا في جميع الآثار كالتوارث بينهن وبين المؤمنين والنظر في وجوههن كالأمهات وحرمة بناتهن على المؤمنين لصيرورتهن أخوات لهم .
( هامش ) * ( 1 ) الميزان 276 / 16 . ( 2 ) تفسير ابن كثير 468 / 3 . ( 3 ) رواه البخاري ك الإيمان ، وأنظر ابن كثير 467 / 3 . ( * )
وكصيرورة آبائهن وأمهاتهن أجدادا " وجدات . وإخوتهن وأخواتهن أخوالا وخالات للمؤمنين ( 1 ) . وقال ابن كثير في تفسير الآية : ( وأزواجه أمهاتهم ) أي في الحرمة والاحترام والتوقير والإكرام والإعظام . ولكن لا تجوز الخلوة بهن . ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن وأخواتهن بالإجماع ( 2 ) . وعلى خلفية ولاية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للمؤمنين ووجوب تعظيم أمهات المؤمنين وحرمة نكاحهم بعد النبي صلى الله عليه وآله . حذر تعالى من التعدي بإيذاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم . ومن حرمة نكاح أزواجه . قال تعالى ( وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا " إن ذلكم كان عند الله عظيما " ) ( 3 ) . قال صاحب الميزان : والمعنى : أي ليس لكم إيذاؤه بمخالفة ما أمرتم به في نسائه وفي غير ذلك . وليس لكم أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا " ( إن ذلكم ) أي نكاحكم أزواجه من بعده كان عند الله عظيما " ، وفي الآية إشعار بأن بعضهم ذكر ما يشير إلى نكاحهم أزواجه بعده . وقوله تعالى ( إن تبدوا شيئا " أو تخفوه فإن الله كان بكل شئ عليما " ) معناه ظاهر . وهو في الحقيقة تنبيه تهديدي لمن كان يؤذي النبي صلى الله عليه وآله وسلم . أو يذكر نكاح أزواجه من بعده ( 4 ) : وقال ابن كثير في تفسيره : عن سفيان عن ابن عباس في قوله تعالى ( وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ) قال : نزلت في رجل هم أن يتزوج بعض نساء النبي صلى الله عليه وسلم بعده . قال رجل لسفيان : أهي
( هامش ) * ( 1 ) تفسير الميزان 277 / 16 . ( 2 ) ابن كثير 468 / 3 . ( 3 ) سورة الأحزاب آية 53 . ( 4 ) الميزان 337 / 4 . ( * )
عائشة ؟ قال : قد ذكروا ذلك . وكذا قال مقاتل بن حيان . وعبد الرحمن بن زيد . وذكر بسنده عن السدي : إن الذي عزم على ذلك طلحة بن عبيد الله حتى نزل التنبيه على تحريم ذلك ( 1 ) . نظرات في دوائر الترغيب والترهيب : كان تعدد الزوجات سنة جارية في غالب الأمم القديمة . وذكرت التوراة الحاضرة أن سليمان الملك تزوج مئات من النساء . ولما كان الدين الخاتم الذي بعث به النبي صلى الله عليه وآله وسلم دين يعتني بتهذيب الأخلاق وتنظيم جميع نواحي الحياة الإنسانية . وإيجاد حلول للأرامل واليتامى والمساكين . ولما كان من مقاصد الشريعة تكثير نسل المسلمين وعمارة الأرض بين مجتمع مسلم عمارة صالحة ترفع الشرك والفساد ، فإن الإسلام أمر بالازدواج فأحل النكاح وحرم الزنا والسفاح . وشرع الإسلام الازدواج بواحدة وأنفذ التكثير إلى أربع ، والإسلام لم يشرع تعدد الزوجات على نحو الواجب والفرض على كل رجل مسلم . بمعنى أنه لم يأمر بأن على كل مسلم أن يتزوج بأربع زوجات ، وإنما قيد التعدد بوثوق الرجل إنه سيقسط بينهن ويعدل . قال تعالى ( وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى . فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع . فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة . . . ) الآية ( 2 ) قال في الميزان : قوله تعالى ( وإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ) أي : فأنكحوا واحدة لا أزيد . وقد علقه الله تعالى على الخوف . وقال تعالى ( وك تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم ) ( 3 )
* ( هامش ) * ( 1 ) تفسير ابن كثير 506 / 3 . ( 2 ) سورة النساء آية 3 . ( 3 ) سورة النساء آية 129 . ( * )
قال في الميزان : الآية : بيان الحكم العدل بين النساء الذي شرع لهن على الرجال في قوله تعالى في أول السورة ( وإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة ) والعدل هو الوسط بين الافراط والتفريط . ومن الصعب المستصعب تشخيصه . وخاصة من حيث تعلق القلوب تعلق الحب بهن . فإن الحب القلبي مما لا يتطرق إليه الاختيار دائما " ، فبين تعالى إن العدل بين النساء بحقيقة معناه ، وهو اتخاذ الوسط حقيقة . مما لا يستطاع للإنسان ولو حرص عليه . وإنما يجب على الرجل أن لا يميل كل الميل إلى أحد الطرفين . وخاصة طرف التفريط . فيذر المرأة كالمعلقة لا هي ذات زوج فتستفيد من زوجها ، ولا أرملة فتزوج أو تذهب لشأنها فالجواب على الرجل من العدل بين النساء أن يسوي بينهن عملا " بإيتائهن حقوقهن من غير تطرف ، والمندوب عليه أن يحسن إليهن . ولا يظهر الكراهة لمعاشرتهن ولا يسئ إليهن خلقا " . وكذلك كانت سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( 1 ) . ولما كانت الشريعة قد أنفذت التعدد إلى أربع . بمعنى أن الأمة وقفت في تعدد الزوجات عند أربع . وانتقال الرجل من واحدة إلى أكثر مقيد بالعدل والقسط بين النساء ، فإن إزدواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأكثر من أربع نسوة فيه دلائل على نبوته صلى الله عليه وآله وسلم . لأنه ازدواجه بين العدل في جميع نواحي الحياة الزوجية وما يتفرع منها ، وكما هو معروف أن التشريع لا بد له أن يحيط بجميع نواحي الحياة لتقوم به حجة الله على عباده . لهذا كان إزدواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأكثر من أربع من خصوصياته لأنه صلى الله عليه وآله وسلم الداعي إلى الله الذي صانه الله من الخطأ والغفلة في تلقي الوحي من الله وحفظه وتبليغه . وبالجملة : كان في إزدواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأكثر من أربع
* ( هامش ) * ( 1 ) تفسير الميزان 102 / 5 . ( * )
بيان للقسط وللعدل وعلى خلفيته شقت الدعوة طريقها في عهد البعثة وسط القبائل . وعلى هذه الخلفية التقى التشريع والحركة في خطوة واحدة . ولما كان التشريع الذي وراء إزدواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه بيان لإقامة المجتمع الصالح الذي تعتبر الأسرة نواته الأولى ، ولأن هذا التشريع في حقيقته حجة على العباد ليتميز منهم الصالح والطالح ، وعلى هذه الخلفية يكون الثواب والعقاب يوم القيامة ، فإن الدين أمر زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأوامر ونهاهن بنواهي . وبين أن زوجية الأنبياء والرسل من حيث هي زوجية . ليس لها كرامة عند الله ، وإنما الكرامة المقارنة لزوجية الأنبياء والرسل . هي المقارنة للإيمان وللإحسان والتقوى . ولقد أخبر القرآن الكريم بسيرة امرأة نوح وامرأة لوط . وبين أنهما لم يلتزما بخط النبوة والدعوة ، ونتيجة لذلك لم ينفعهما زوجيتهما للنبيين الكريمين شيئا " فهلكتا في ضمن الهالكين من غير أدنى تمييز وكرامة . وبالجملة : فالدعوة لم تستثني أحدا " من التكاليف الشرعية . فكما أن حجة التكاليف تحيط بالأمة فهي أيضا " تحيط بأزواج النبي صلى الله عليه وآله لأنهن ضمن نسيج الأمة . ولقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالغيب عن ربه جل وعلا . وبين عليه الصلاة والسلام طريق الأمن والأمان فيما يستقبل الناس من فتن ، والباحث المتعمق في أحاديث الأخبار بالغيب لا يسعه إلا أن يقر أن هذه الأحاديث حجة لله على عباده حتى قيام الساعة . وأن هذه الحجة المستمرة من دلائل النبوة الخاتمة . وكما حذر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأمة مما يستقبلها من مهلكات الفتن ، حذر أمهات المؤمنين من الفتن وبين لهن أسباب النجاة منها ، وأخبر أن الله تعالى ينظر إلى عباده كيف يعملون بعد أن أقيمت عليهم الحجة في أنفسهم وعلى امتداد المسيرة في الماضي والحاضر والمستقبل ، ومن الأحاديث التي حذر فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم . ما روي عن أم سلمة رضي الله عنها قالت : إن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ ليلة فقال ( سبحان الله ماذا أنزل الليلة من الفتن ؟ ماذا أنزل من الخزائن ؟ من يوقظ صواحب الحجرات ؟ رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة ( 1 ) قال صاحب تحفة الأحوازي : إن النبي صلى الله عليه وسلم أوحى إليه ما سيقع بعده من الفتن . وقوله ( من يوقظ صواحب الحجرات ) يعني : أزواجه . وإنما خصهم بالإيقاظ لأنهن الحاضرات . وأشار إلى موجب استيقاظ أزواجه . أن لا ينبغي لهن أن لا يتغافلن عن العبادة ويعتمدون على كونهن أزواج النبي وقال الحافظ : واختلف في المراد بقوله ( كاسية وعارية ) ، على أوجه : ( أحدهما ) كاسية في الدنيا بالثياب لوجود الغنى . عارية في الآخرة من الثواب لعدم العمل في الدنيا ( ثانيهما ) كاسية من نعم الله . عارية من الشكل الذي تظهر ثمرته في الآخرة بالثواب . فأراد صلى الله عليه وسلم تحذير أزواجه من ذلك كله . وكذا غيرهن ممن بلغه ذلك ( 2 ) . وبعد أن أحكمت الدعوة حجتها في هذا الباب ، قامت بتنظيم حركة الأمة نحو بيت النبوة . ومن ذلك إنها حذرت من الإفتراء . وبينت أن الإفتراء يكون عظيما " إذا كان متعلقا " بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم . ومن الإفتراء العظيم الطعن في نزاهة بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم . لأن ذلك يؤدي إلى فضحه بين الناس . وعلى هذه الخلفية تلتبس الأمور وتكون سببا " لقلب الدين من رأس . وأخبرت الدعوة الخاتمة . إن المجتمع الصالح من سعادته أن يتميز فيه أهل الزيغ والفساد ليكونوا على بصيرة من أمرهم وينهضوا لإصلاح ما فسد من أعضائهم ، وأمرت الدعوة المؤمنين بها أن يقفوا صفا " واحدا " كنفس واحدة متلبسة بالإيمان ولوازمه وآثاره ، وأن لا يظنوا بأنفسهم إلا خيرا " . فأمام هذا التكاتف وحده يسقط أصحاب البهتان العظيم .

* ( هامش ) * ( 1 ) رواه الإمام أحمد والبخاري والترمذي ( تحفة الأحوازي 440 / 6 ) . ( 2 ) تحفة الأحوازي شرح جامع الترمذي 440 / 6 . ( * )

فاطِمة
01-31-2005, 02:12 PM
اللهم صل على محمد وآل محمد

متابعة



تحياتي
فاطِمة

الفاطمي
01-31-2005, 05:25 PM
اللهم صل على محمد وال محمد ..

احسنتم اخي الفاضل رياض على ماتفضلتم به من مشاركة ..

السلام على رسول الله ومحيي دينه ..

تحياتي ..

قطر الندى
01-31-2005, 07:54 PM
اللهم صل على محمد وال محمد ..

احسنتم اخي الفاضل رياض على ماتفضلتم به من مشاركة ..

السلام على رسول الله ومحيي دينه ..

تحياتي ..

ريم الولاية
02-01-2005, 04:46 AM
اللهم صل على محمد وال محمد ..

احسنتم اخي الفاضل رياض على ماتفضلتم به من مشاركة ..

السلام على رسول الله ومحيي دينه ..

تحياتي ..