المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قال تعالى :(سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ي


خديجة الكبرى
12-27-2007, 12:00 PM
قال الله تعالى(وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها. وما ربك بغافل عمّا تعملون). وقال أيضا:(هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء).
من الذي يصوّر الجنين في الأرحام؟ سؤال حيّر أرسطو وتلامذته ومن قبلهم ومن بعدهم كثيرون. وقف الكل حيارى أمام هذا اللغز الكبير... من الذي يصوّر الأجنّة في الأرحام؟
ويدور الجدل... فتعقد مؤتمرات تطرح فيها آراء وتجري مناظرات ومحاورات فيها مغالطات ومهاترات...الكل يبحث عن الحقيقة. ويطول الانتظار...
وفجأة تشرق الشمس في يوم كثير السحاب، ويتنزّل الوحي من السماء: يا محمد: قل لهؤلاء وأولئك - أنا الذي أصوّرهم في الأرحام كيف أشاء. يا محمد: قل لهؤلاء وأولئك (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا، إنّا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه، فجعلناه سميعا بصيرا). صدق الله العظيم
إذن ليست الطبيعة بجبروتها ولا النطفة بجوهرها ولا الطمث بأوساخه ولا تغيّر أحوال كل ذلك هو الذي يصوّر الأجنة في الأرحام، بل هو، هو، الذي يصوّرها في الأرحام كيف يشاء.
لم تكن البشريّة تعرف شيئا عن كيفيّة تصوّر الجنين في الرحم. فقد كان الاعتقاد السائد لدى الفلاسفة والأطباء أن الجنين الإنساني إنما يتخلّق من ماء الرجل وأن رحم المرأة ليس إلا بستانا لذلك الجنين. بينما أوضح القرآن قبل أربعة عشر قرنا بأنّ الجنين يتكوّن من اختلاط النطفة الذكريّة (الحيوان المنوي) بالنطفة الأنثويّة (البويضة). ولم تكن الكيفيّة التي يتكوّن فيها الجنين واضحة المعالم لدى أهل البحث والاكتشاف وحتى أواخر القرن الثامن عشر. قال البعض إن الجنين يكون جاهزا بصورة مصغّرة في ماء الرجل ثم ينمو ويتغذّى في رحم المرأة كما تنمو البذرة في الأرض وتتغذّى. وقال آخرون بل الجنين يتخلّق من دم الحيض وأن ليس للمني دور سوى دور الوسيط. وظلّت هاتان الأطروحتان تتصارعان حتى أواخر القرن الثامن عشر عندما أظهرت التجارب أن اختلاط والتحام أنويه النطف من الرجل والمرأة هو الأساس في تكوين الجنين... أي التقاء الحيوان المنوي بالبويضة.
وحتى هذا الاكتشاف لم يتأكد لديهم إلا في أواخر القرن التاسع عشر عندما تمكّن أكثر من عالم من إثبات أنّ كلاّ من البويضة والحيوان المنوي يشتركان في تكوين الجنين. وصدق الله العظيم في قوله تعالى(إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه). وطبعا فجوهر النطفة الذكريّة نواتها وجوهر البويضة أيضا نواتها، وكلاهما نطفة، ومن التحام النطفتين يتكوّن الجنين. وسيأتي الحديث عن النطفة الأمشاج ومعانيها لاحقا، وكذلك عن الاستنساخ.
حورات جعفر الصادق:
وهذه مقتطفات من حوارات أجراها الإمام جعفر الصادق مع بعض الملحدين والدهرين ممّن زعم أنّ هذا من صنع الطبيعة، وأنّ الأشياء الكونيّة والدنيويّة وخلق الإنسان والحيوان والنبات..الخ، كل ذلك حدث بالعرض والاتفاق والصدفة لا باتصال التدبير وتمام الصنع.
قال: سلهم عن هذه الطبيعة أهي شيء له علم وقدرة على مثل هذه الأفعال، (وحكمة في التدبير والصنع) أم ليست كذلك. فإن أوجبوا لها العلم والقدرة، فما يمنعهم من إثبات الخالق، فإنّ هذه صفته. لكنّ هؤلاء لا يؤمنون بوجود شيء إلاّ بما تدركه وتعرّفه وتقرّه الحواس الخمس، فأنكروا فاطر السموات والأرضيين، وما فيهن، وبينهن، مع اعترافهم بإتقان الصنعة، وإحكام الخلقة، وبراعة التركيب، وصواب التدبير!
هكذا حصر الإمام الصادق الطبيعة بين اثنين لا ثالث لهما، وذلك لأنها إما أن تكون ذات علم وحكمة وتقدير (وهدف وغاية وإرادة) أو تكون خالية من ذلك كليّة. فإن كان الأول فهي ما تثبته للخالق ولا فارق إذن بينهم وبيننا إلا التسمية. وإن كان الثاني أي أنكروا الخالق وتمسّكوا بالطبيعة فيلزم أن تكون آثارها مضطربة لا تقدير فيها ولا تدبير شأن من لا يعقل ولا يبصر ويسمع في أفعاله. وهذا غير الذي نراه ونشاهده من حكمة في التدبير والتتابع والقدرة والتقدير، وجمال التكوين، وتناغم الحركات، وعظم الآيات، وتنوّع المخلوقات. وهذا كلّه إذن لا يكون من فعل الطبيعة العمياء الصمّاء والتي هي بالاستنتاج العقلاني غير الله العالم القادر المدبّر.
مناقضات الرازي
وهذه لقطات من مناقضات أبي بكر محمد بن زكريا الرازي الطبيب والفيلسوف، الأديب والعالم، لمزاعم فلاسفة اليونان وأتباعهم من الدهرين فيما يتعلّق بتصوّر الجنين في الرحم.
المناقضة الأولى:
قالوا هي الطبيعة تفعل وتصوّر. وقال إنا وجدناكم تصفون الطبيعة بما تصفون به الحيّ المختار، العالم الحكيم، فتقولون إنها لا تفعل إلا حكمة وصوابا وإنها تقصد غرضا وتفعل شيئا لشيء يكون كفعلها للجنين، العين للنظر واليد للبطش والأضراس للطحن، وأنها تضع جميع الأشياء مواضعها وترتبها على ما يجب أن ترتبها عليه وإنها تصوّر الجنين في الرحم وتدبّره ألطف تدبير حتى يكمل، ثمّ تدبّر الإنسان وتجلب له الصحة وتنفي عنه الأسقام. ثم زعمتم مع ذلك أنها موات غير حيّة ولا حسّاسة ولا قادرة ولا مختارة ولا عالمة.
وهذه مناقضة بيّنة لأن ما وصفتموها به لا يكون إلا من الحي المختار. ويقال لهم أيجوز أن يكون بناء جدار وتأليف مدينة بطبيعة لا من حي قادر؟ فإن قالوا لا قيل لهم وكذلك تركيب بدن الإنسان لا يكون إلا من حيّ قادر. إلى أن قال فإن قالوا إن الطبيعة تدبّر تدبيرا طبيعيّا وتقصد وتفعل قصدا وفعلا طبيعيّا. قيل لهم: انفصلوا ممّن زعم أنها تختار اختيارا طبيعيّا وتؤثر شيئا على شيء إيثارا. وأنّ النار تحرق إحراقا اختياريّا. وليس يجوز أن يفعل ويقصد ويريد ويؤثر إلا المختار الحيّ. والمطبوع الموات (الطبيعة) لا يوصف بذلك. ويقال لمن زعم أنّ الطبيعة تفعل بغير قصد، فكيف زعمتم أنّ تركيب الإنسان من فعلها، وكيف يقع مثل هذا من غير قصد؟
المناقضة الثانية: وقالوا الجنين يتصوّر بطبيعته. وقال تزعمون الجنين يتصوّر بطبيعته، وطبيعته هي صورته التي بها يتكوّن وينمو. فإذا كانت طبيعته هي التي تصوّره، فقد صار المصوّر( بفتح الواو)، هو المصوّر (بكسر الواو). ولو جاز ذلك جاز أن يكون المؤلف(بفتح اللام، هو المؤلف(بكسر اللام).
المناقضة الثالثة
قالوا: في ماء الرجل قوة تصوّر الجنين. فقال: وأما من زعم من أهل الدهر أنّ في ماء الرجل قوّة تصوّر الجنين إما منه وإما من دم الطمث، فإنهم استدلّوا على ذلك بأن ماء الرجل إذا لم يكن في الرحم لم يكن جنينا. فيقال لهم: ولو كان بكون النطفة وحدها يكون الجنين، فقد تكون في الرحم وتتمّ لها الشهور ولا تجد المرأة علة ولا يكون الجنين.
المناقضة الرابعة
قالوا في الرحم قالبا يصوّر الجنين. فيقال لهم: فهل شاهدتم طينة تقذف في قالب فتأتي بعد قذفها مدّة طويلة؟ فإن قالوا نعم يكذّبهم الواقع. في كثير من الكلام إلى أن قال: اعملوا على أنّ في الرحم قالبا فيه يتصوّر الجنين. فهل في البيضة قالب يتصوّر فيه الفرخ؟ فإن قالوا نعم يكذّبهم الواقع وإن قالوا لا فكيف يتصوّر؟. ويقال لهم هبنا لا يمكننا تشريح أرحام النساء لكننا قد نشاهد أرحام الغنم وأجوافها، فلسنا نرى قوالب من جنس ما تدّعون.
المناقضة الخامسة
قالوا الجنين بمنزلة النبات. وقال فيما قال في كلام كثير"الجنين ليس كذلك لأنه يفارق موضعه من غير مزعج أزعجه، ولا بد للنبات من مكان متصل به وكان فيه ومستقى منه. والحيوان أجمعه يكون تام الصورة كامل المعنى وان فارق الجهة التي كان فيها. وأكثر النبات إذا قطعت رؤوسه نما وكمل، ومنه ما تقطع أعضاؤه وأطرافه فينفعه ذلك ولا يضر به، وليس كذلك الإنسان.
المناقضة السادسة
قالوا: كل عضو يتخلّق من مثيله. قال: وأما من زعم أنه يخرج من أعضاء الإنسان أجزاء شبيهة فيها من جنس كل عضو من أعضاء بدن الإنسان، فيقال لهم: لو كان هذا على ما يزعم هؤلاء لوجب أن يكون ولد الأعمى أعمى وولد الأعور أعور، وولد مقطوع اليد لا يد له. وليس الأمر كذلك.
التعليق على المناقضات
أخي المؤمن: يقول تبارك وتعالى (ولقد جئناهم بكتاب فصّلناه على علم... هدى ورحمة لقوم يؤمنون). فالله عز وجل لم يدع شيئا تحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة إلا أنزله فيه أو بيّنه لرسوله.(وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه... تنزيل من حكيم حميد). وها هو الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) أيضا يؤكّد للذي سأله ممّا يتكوّن الجنين" من كلّ يتكوّن. من نطفة الرجل ونطفة المرأة"، كلمات العالم الواثق الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى... علّمه شديد القوى.
وأخيرا، وبعد عناء طويل يهتدي علم الأجنّة والتشريح إلى الحق.. إلى كيفية تكوين الجنين في الرحم. فيكتشف بذلك آية أخرى من آيات الله تناولها القرآن قبل أربعة عشر قرنا. وصدق الله العظيم في قوله تعالى (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبيّن لهم أنه الحق)، وصدق الله العظيم في قوله تعالى( هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء). وصدق ربّنا العظيم في قوله تعالى ( إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج..) (نطفة مختلطة) مشيرا إلى تصوّر الجنين من كلّ من نطفة الرجل ونطفة المرأة. الهم صلي وسلم وبارك وترحم على النبي الامي طه المصطفىوآله الاطهار وعجل فرجهم وارزقنا الثبات على ولايتهم في الدنيا وشفاعتهم في يوم المحشر.

منقـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ول