المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ألمي اسمه الحسين...


نورالهادي
01-15-2008, 08:45 AM
كنت أحبو بين صفحات الكتب فاذا بالأقدار تسوق الروح مني الى رواية لأبي عبد الله عليه السلام قال: من أنشد في الحسين عليه السلام بيتا من شعر فبكى و أبكى عشرة فله و لهم الجنة، و من أنشد في الحسن بيتا فبكى و أبكى تسعة فله و لهم الجنة، فلم يزل حتى قال : و من أنشد في الحسين عليه السلام شعرا فبكى – و أظنه قال: أو تباكى- فله الجنة.(ثواب الأعمال و عقابها ص 112) للشيخ الجليل الصدوق . فأصبحت أسيرة اللاشعور متنقلة من حدث الى حدث. حتى جمعت من الأحداث مالا تدركه الأيام طولا و لا العقول وهما. و منها أيقنت أن الانسان غامض و تفسيره ليس فيه ، و لا بد له من تفسير والا كان كل شيء عبثا. فنجد أن الوجود كله مفسر للطفل من خلال ذلك التمثيل الصغير المتمثل في حب أمه و حنانها. اذن كيف بحب أزلي سرمدي أسكنه الله ذرات الروح و دقائق الجسد حتى حسبنا أننا أودعنا فيه و أنه لم يودع فينا. الانسان كل مركب لا تتحقق روحانيته الا من خلال اتحاده بالاخر. عله يشعر بما هو أسمى من شعوره الانساني. و أنه امتلاء حياة بحياة مدركا لأسمى درجات الكمال. لأجل هذا و ذاك صار الحب كمالا للوجود الانساني لشخص ما، في وقت ما، و بمعنى ما. و منه علمنا بأن الوجود القلبي لا يتسع الا اثنين من الخلق. لكن الله سبحانه و تعالى وحد الاخر المتعدد الكامل في عالم الذر ليكونوا نورا واحدا لا يتجزأ. ومنها من الله سبحانه و تعالى علينا بأن نراهم و كأن سر الحياة أخذ يتجلى منهم و يعمل أعماله على أعينهم. و تحول حبهم من سلوك و ممارسة الى عادة وسجية. و غدا كل شيء من ال محمد عليهم أفضل الصلاة و أتم التسليم جديدا حتى و ان كان ألما مع أنه هو هو من قبل. اليوم فقط وأنا أكتب هذه الكلمات علمت يقينا بأنني أحببت..بل عشقت .و المعنى أنني استضأت بالقبس الأزلي الذي أضرم الشمس و النجوم. و أصبحت الدماء لا تجري بل تشتعل و تتوهج. و عاد قلبي لا ينبض بل يرتج ارتجاج الأفلاك في مداراتها.و أصبحت لا أحزن و لا أفرح الا بالمقدار الذي يملأ الوجود. فلهم فرحي و عليهم ترحي.

ومن حبهم قايست الامي بالام الطالبيين و عذاباتهم فوجدت أني لم أتألم قط الا بما ألمهم. و أن كل ما يحدث في داخلي سببه تلك المادة المخلوقة من هذه الأرض الثقيلة المستوخمة. مهما تنوعت يبقى أصلها جافا ثقيلا. و استعدت صورا بيني و بين الله كنت قد نسيتها حين أبت جوارحي و حواسي الا أن تهيل عليها أتربة الذنوب . و اختفى نور معانيها فلم يبقى لي من ذلك النور سوى بصيص. صور كانت كالحارس لمعنى الانسان في داخلي. حارس كان هو الموقظ لرفيق دربي الذي انتحل اسم الضمير و هو في غفوات رقاده. حارس كان هو ذاته عابر السبيل الذي زهد في الزاد عله يكتسب شيئا من الخفة و هو يتنقل بين سراديب الجسد المظلمة. و بين لحظة و أخرى وجد ضالته فاذا النفس غير النفس التي عهدها. اقترب منها أكثر فاذا بها ملقاة على شاطيء البحر فخيل اليه أن البحر أعين بكت بها الأرض على قدرها، و تأمل الجبال فما حسبها الا هموم ثقيلة مطبقة على صدر الأرض و موصلة لها الى محطة الاحتضار، و تأمل البراكين قائلا أي لوعة أثارت أحزان هذه الصابرة بعد أن أخمدتها أتربة الزمن. عندها أيقظني فرجعت بذاكرتي الى جسدي . فاذا به يحمل على قدره بحر و جبال و براكين من الألام. فضممت ركبتي الى صدري، و القيت ذلك الرأس المثقل على جسور سواعدي حين تذكرت ألم الحسين عليه السلام، عندها زاد الاحساس بالألم. و سكنت زاوية في بعض جسدي كنت قد نسيت تحديد المسافات بين قضبانها حتى أصبح القطر يلامس القطر. و زاد الألم حتى كأنه لو أتى البعض منه على اللحم و العظم لكان هو الذي يصهر زبر الحديد في موج من لهب النار ، و يحطم الصخر الأصم في زلزلة من ضربات المعاول. فأي فلسفة أستفتي علني أعرف ماهية هذه الالام؟ أيضا في تلك الزاوية الضائقة أقام القدر دواهيه على صدري جدرانا من الحديد و معاقلا من الرصاص. ولا من مجيب!! عندها تأملت المكان واذا بحمرة الشفق خالطت حمرة الدماء. و اذا بالمعان اختفت في غير معان. و الأشياء توارت في غير أشياء . و الممكنات حجبت في المستحيلات . عندها تساءلت عما جرى . فتجلت لي مدينة من العهد البابلي تاويلها( قرب الاله) و رسمها بأحرف العرب كربلاء. تجلت لي بكل مأسيها . عندها مددت يدي و اذا بصدر مكسور كان مستودعا بين جنبات الروح حاكيا أقصوصة كسرين وسهم مثلث كان قاطعا لكبدين. وشبه قلب ببقايا نبض يصطدم بذرات الجسد ليرتد من الروح و اليها. و نزف من دموع يكاد يغرق الأرض و من عليها و السماء و من فيها. و نوح لأطفال يتامى و نساء ثكالى يشكون قلة الزاد و غياب الذاد. و أجساد عارية ساجدة على صفحات التراب. و رؤوس منخورة عالية . و أناس أشهاد في قلوبهم حرقة لا تبرد من فرط الألم على الحسين . الان عرفت مما أتألم. ألمي لوجد الحسين و دوائه الحسين و طبيبه الحسين . فأين أنت ياحسين؟؟؟

عندها وصل صوتي اليه .أسرع مما قدرت ..فعلمت أن للحسين قلبا يتسع لأن يكون قلبا لكل القلوب. و تذكرت الحسين ووقوفي واياه في يوم عرفة. عندما كنا محرمين في شبه الأكفان، معلنين البيعة له و البراءة ممن شايع و بايع على قتله ،عندها خاطبت نفسي قائلة و من مثلي الا القليل القليل..فداخلني فرط من العجب لأني كنت قاب قوسين أو أدنى .ولكنه الحسين!!.و ما أدراك ماالحسين. تقدمت في خجل و قبلت الأعتاب فكانت برودتها كالبرد المتناثر على رمضاء قلبي المحترق. أي عشق هذا الذي يأسر أنفاسي. أي دمع هذا الذي أمطرته عيناي على ذلك الضريح المذهب حتى كسته بريقا على بريقه. ومع أن المسافة ليست بالطويلة من باب القبلة الى ضريح الحسين الا أنني قاربت الخطى و مشيت بفطرتي لمكان المنحر الشريف و كأني كنت هناك عندما قطعوا أوداجه الشريفة. ثم انتقلت الى الضريح الشريف و اذا به روحا بذاته تحتضن ثلاثة أجساد الحسين و العليين. كانت أجزائه تتداخل و أصابعي . و اللحم و الجلد يتنافسان للقبض على زواياه. فياعجبا لضريح يتجسم في قلب لهفان. حتى ما شككت أن سلامي للحسين عليه السلام بكل حروفه ، و دموعه، و نزفه لم يكن سوى خفقات. عندها فضضته فطالعتني منه نسائم باردة كأنه رجة صدر عاشق حينما يقف بين يدي محبوبه. أو استفاقة لنفس ثملة غلبها السكر حتى امتلأت . نظرت القبر الشريف من خلف القضبان فاذا به ترجمة شخص شامخ لايفسر الا بأحرف أربع ح-س-ي ثم ن. بينما كنت أتأمل و أتململ تململ الحزين اذ ابتدرتني منه جملة باسمة أمطرتها لثما. اذ خيل الي أنها ترجمة عن شفتيه الطاهرتين.. فقرأته بفكري كما يقرأ البعض خواطري حين تتساقط في خريف أوهامي متناثرة بين السطور. و نظرته أخرى و أخرى..فبدا لي و كأنه بحر لم يزدد الشارب منه الا ضمأ أو ومضة من نور القدس أحبت أن ترى عبادا و نساكا والهين . أغفالا عند كل شهوة، أرادتهم الدنيا فلم يريدوها . و طلبتهم فأعجزوها...

و بعد صمت طويل تمتمت شفتاي بكلمات الوجد قائلة سيدي يا حسين جئناك نحبو نجرجر أرواحا حملناها على نعوش لأشباه أجساد. فهل لهذه الأرواح من مغتسل بين يديك ؟ سيدي جئناك خشع ركع لا لشيء .و لكنها طقوس الفطرة التي تأسر كل من يلتقي ضريح الحسين..سيدي خذ من رؤوسنا فلا يستحق مد الأعناق سواك. سيدي خذ من دماءنا ان كان كل الماء جفاك. سيدي خذ منا حتى ترضى فالدنيا خلفنا و الاخرة لقياك..سيدي كلما أرهفت هذه الكلمات بلحاظي تفتحت لها جراح قلبي و انصب الدم مكلما اياها ألما و حزنا..سيدي هذه الكلمات احتر لها صدري الهاشم فأقبل يتخطفها بأنفاس متسارعة قاطفا منها الحياة. و كأنها كانت يد البعث بعد الموت من حلم الكتابة الى أناس أحبوك. و أول تباشير البياض الذي ينتهي عند سواد الأسطر. و أخيرا سيدي هل تراني أبلغ من الجرأة أقصاها و أبوح بما يتلاطم بين شعاب الروح؟ الان سيدي عندما بلغت اسمك ارتدت عنه ألحاظي مكرهة من قوة في نفسي..و بهذه القوة أغمضت عيناي الماطرتين و قرأت اسمك الشريف بشفتين مرتجفتين ..و ناديت بصوت يسمعه القاصي و الداني ..اليوم ..و اليوم فقط اعترف بأن

ألمي اسمه الحسين...