المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مجالس الحسين... البكاء أولاً‏


نورالهادي
02-08-2008, 04:33 PM
امرر على جدث الحسين وقــل لأعظـمـه الـزكـيـه
يــا أعظـمـا لازلــت مــن وطـفـاء سـاكـبـة رويـــه
***
فــــإذا مــــررت بـقــبــره فأطـل بـه وقـف المطـيـه
وابـك المطـهـر للمطـهـر والـمـطــهــرة الــزكــيــه
كـبـكـاء مـعـولـة غــــدت يـومـا بواحـدهـا المـنـيـه
***
يا عين فابكـي مـا حييـت على ذوي الذمـم الوفيـه
لا عـذر فـي تـرك البكـاء دمـا أنـت بـه حـريـه (1)


السلام عليك يا أبا عبد الله وعلى الأرواح التي حلت بفنائك، بأبي أنت وأمي يا أبا عبد الله، لقد عظمت الرزية وجلت وعظمت المصيبة بك علينا وعلى جميع أهل السماوات والأرض.

لقد عرف الإمام الصادق بحبه لسماع قصيدة السيد الحميري والتي استهللنا ببعض مقاطعها، فحين كان يستنشد المنشدين كانوا يقرؤونها عليه لمعرفتهم بحبه لسماعها.

ظاهرة المنشدين «الملالي» برزت من القرن الأول

وظاهرة المنشدين أو ما نسميهم اليوم بالخطباء «الملالي» كانت ظاهرة موجودة منذ تلك الحقبة، حيث عرف في زمن الإمام الصادق بعض الأشخاص بالمنشدين كأبي عمارة المنشد، وفضيل الرسان، وأبو هارون المكفوف وأمثالهم، وكان هؤلاء المنشدين ينتدبون من قبل الشيعة لرثاء الحسين في بيوتاتهم حتى في ظروف تلك الحقبة الصعبة على شيعة أهل البيت حيث السجن والتنكيل والقتل.

يقول أبو هارون المكفوف وهو من المنشدين المعروفين آنذاك: دخلت على أبي عبد الله الأمام الصادق فقال لي: أنشدني أي ارث الحسين واقرأ لنا تعزية في الحسين ، يقول أبو هارون فأنشدته فبدأت القي عليه قصيدة في رثاء الحسين بالطريقة العادية فقال الإمام : لا ليس بهذه الطريقة وإنما كما تنشدون وتنعون عليه - يعني بالرقة - وكما ترثيه عند قبره أي بالطريقة الشجية المبكية، يقول أبو هارون فأنشدته بالطريقة الشجية وبدأت بالقصيدة التي تهيج قلب الإمام وتؤثر فيه والتي يحب سماعها فصرت أقول:


امرر على جدث الحسين وقــل لأعظـمـه الـزكـيـة



فبكى، فما إن بدأ أبو هارون بتلك الأبيات حتى بدأت تنهمر الدموع على عيني الإمام وصار يجهش بالبكاء، يقول أبو هارون: فلما بكى أمسكت أنا وتوقفت عن إتمام القصيدة فإذا بالإمام يقول له: مر فمررت وواصلت إنشاد تلك القصيدة للسيد الحميري ولما فرغت منها فإذا بالإمام يطلب مني مواصلة النعي والإنشاد بقصائد أخرى يقول أبو هارون: ثم قال زدني قال "أبو هارون" فأنشدته وقرأت له قصيدة أخرى مطلعها:


يا مريم قومـي فاندبـي مـولاك وعلى الحسين فاسعدي ببكاك



يقول أبو هارون: ما إن قرأت هذه القصيدة حتى تهايج النساء وتعالت الأصوات بالنياحة والعويل قال: فبكى وتهايج النساء، قال: فلما سكتن من البكاء وقد كان ضرب الإمام لهن سترا ليسمعوا الناعي من وراء الستار، فلما هدأت النساء من البكاء بدأ الإمام يحدثني قال لي:

يا أبا هارون من أنشد في الحسين فأبكى عشرة فله الجنة ثم جعل ينقص واحدا واحدا، حتى بلغ الواحد فقال: من انشد في الحسين فأبكى واحدا فله الجنة، ثم قال: من ذكره فبكى فله الجنة. [2]

فاجعة لا تحتملها القلوب العارفة

إن إقامة مجالس العزاء أو ما يسمى في اللغة بالندب - حيث البكاء على الميت وتعداد محاسنه - ليس بأمر جديد في تاريخ العرب إذ كانوا يقيمون مجالس نياحة على موتاهم، فقد ورد أن أم المؤمنين "أم سلمه" رضي الله عنها حين مات ابن عمها "الوليد بن المغيرة" رضي الله عنه استأذنت الرسول لحضور مجلس النياحة الذي أقامه أهله عليه فأذن لها وندبته بأبيات. [3]

فأئمتنا لم يدعو إلى شيء جديد، نعم الجديد هو دعوتهم شيعتهم إلى المداومة على مجالس ندب الحسين والاستمرار عليها إلى قيام يوم الدين، لأن مصاب الحسين مصاب جلل اعتصرت السماء لأجله دما ولا يسكن ألمه لو بكته الدنيا بأسرها من أول الدهر إلى آخره صباح مساء، بل لفظاعة وفداحة هذا المصاب أباح الله لنا الجزع على مصاب أبي عبدا لله الحسين ، هذا الجزع الذي حرمه الله علينا عند موت أحد من أهلينا وأحبابنا، إلا أنه أحله لنا على الحسين ففي الحديث «كل الجزع والبكاء مكروه، سوى الجزع والبكاء على الحسين» وفي رواية «فانه فيه مأجور» [4] ولكن هل تعلم لماذا أباح الله لنا الجزع على الحسين ؟

لأن الله يعلم حال قلوب العارفين بالحسين والعاشقين لأبي عبدا لله بأنها لا تطيق الصبر على هذا المصاب ولا تقدر على تحمل أوجاعه فان «لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لن تبرد أبدا» [5] ويكفي لبيان هول الفاجعة أن الحجر صار يرشح دما ألما وحزنا على الحسين لذا نجد إمامنا الباقر يدعونا لإظهار جزعنا على أبي عبد الله قائلا «ثم ليندب الحسين ويبكيه، ويأمر من في داره ممن لا يتقيه بالبكاء عليه، ويقيم في داره المصيبة بإظهار الجزع عليه» [6] والجزع نقيض الصبر فكل قول وفعل من آثار غلبة الحزن فهو من مصاديق الجزع [7] ، كما وللجزع صور أشدها ما عن الباقر «أشد الجزع الصراخ والعويل ولطم الوجه والصدر، و...» [8]

وهنا لابد من وقفة تأمل أمام هاتين الروايتين رواية الندب ورواية أبي هارون.

أولا: مجلس الحسين يحيل بيتك مهبطا للملائكة وبقعة مباركة

علينا بإحياء هذه المجالس في بيوتنا فبالرغم من وجود الحسينيات إلا أنه لا ينبغي أن تخلو بيوتنا من إقامة مجلس على الإمام الحسين ، فان لم تستطع كل أسبوع أو كل شهر فلا يخلون بيتك ولو من مجلس واحد في كل عام.

فان لإقامة مأتم الندب والعزاء على الحسين آثار وبركات عظيمة سواء على الدار نفسها أو على أهل الدار، فهنيئا لأولئك الذين جعلوا من بيوتهم مجالس للحسين ولأهل البيت في كل أسبوع أو كما عليه بعضهم في كل مناسبة لأن هذه البيوت تصبح بذلك بقاع مباركة ومحلا لهبوط الملائكة وحضورها، بل قد ينال صاحب تلك الدار شرف زيارة الزهراء أو إمامنا صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه كما ورد في بعض الروايات، فان لحضور هذه الأنوار العظيمة آثار ومعاني عالية لا نقدر على إدراكها وإحاطتها، فهنيئا لمن يحيوا مجالس الحسين في بيوتهم فالإمام الباقر يدعونا إلى ذلك كما قرأنا في الرواية السابقة بقوله «ويقيم في داره المصيبة بإظهار الجزع عليه».

ومن هنا أوصي أبناءنا وشبابنا أولئك الذين يبتعثون إلى الخارج للدراسة بأن يحيوا مجالس الحسين في مساكنهم ولو مره في السنة إن لم يقدروا على ذلك كل أسبوع أو كل شهر ليسعوا ويحاولوا أن يتجمعوا ويدعون بعضهم بعضا، للقاء على مائدة الحسين ، خاصة من لم يستطيعوا أن يحضروا عاشوراء في بلدانهم.. بل حتى لو لم يكن أحدا إلا أنت في تلك البلاد أو الولاية فلا تحرم نفسك من حضور مجلس الإمام الحسين ، إما من خلال أن تنشد أنت قصيدة في الحسين على نفسك أو تستمع وتتابع إحدى القنوات أو المواقع الالكترونية التي تبث إحدى تلك المجالس الحسينية على الهواء مباشرة أو مسجلة، فلا يفوتنكم أيها الأخوة المبتعثون الحضور والاستفادة من إقامة مجالس الحسين في مساكنكم حيث بلاد المهجر.

ثانيا: مجالس الحسين عقدت للبكاء أولاً

فإذا ما تأملنا تلك الروايات التي تحثنا على إقامة مجالس عزاء على الحسين لوجدناها تركز على مسألة البكاء والإبكاء كموضوع أساسي لهذه المجالس ولهذه الشعيرة، فبالإضافة إلى رواية أبي هارون السابقة والتي تقول «من انشد في الحسين فأبكى» و«من انشد في الحسين فبكى»، فقد جاء عن الرضا «يا بن شبيب إن كنت باكيا فابك الحسين » [9] ، وعن الصادق «من ذكر الحسين عنده فخرج من عينيه من الدموع مقدار جناح ذباب كان ثوابه على الله، ولم يرض له بدون الجنة» [10] وأيضا عن الصادق «قال الحسين بن علي: أنا قتيل العبرة، لا يذكرني مؤمن إلا بكى» [11] .

فكلها روايات تؤكد أن موضوع مجالس الحسين هو الندب والبكاء والحزن والجزع على مصابه ، لذا يشتبه ويخطأ من يبرر لنفسه عدم حضور مجالس الحسين بتبرير أن المواضيع مكرره أو أنها لا ترقى لمستواه الثقافي أو ما شابه، كما ويخطأ من يدعو إلى استبدال مجالس البكاء بمحاضرات وندوات ثقافية وفكرية لا رثاء ولا إبكاء فيها، وكأنه يستنكف من البكاء ويعتبره أمر وسلوك غير حضاري.

أيها المؤمنون، أيها الشباب المؤمن والمحب لأهل البيت إننا لا نستحي أن نبكي ونعلن بكاءنا على الحسين وأننا لا ينبغي أن نبرر عدم حضورنا ومشاركتنا في مجالس الحسين بتبرير أنني لن استفيد شيئا جديدا وبأنها فقط مجالس بكاء، لا ينبغي أن يصدر ذلك من أبنائنا وشبابنا المؤمن خاصة من ينتقدون مجالس النساء الحسينية لا لشيء سوى لكونها لا تحتوي على مواضيع إرشادية وتوجيهية.

نعم من الأفضل ومن المكمل لهذه المجالس أن يعقبها أو يسبقها بحثا يفيد الناس ويرشدهم للخير والفضيلة، لكن ذلك بعد أن نقر ونعرف بأن أساس إقامة مجالس الحسين هو للبكاء وإظهار الحزن والجزع عليه.

ففي مسألة المجالس الحسينية هناك موضوع وهناك آثار لهذا الموضوع فالموضوع هو مجلس بكاء وحزن على الحسين أما الآثار فمنها إرشاد الناس وترسيخ ولائهم وحبهم لأهل البيت وغيرها.. وغيرها، من هنا فانه يتحقق الاستحباب بأدنى تحقق لموضوعه وهو كونه مجلس بكاء وإبكاء، فلا يفوتنك أيها المحب ذلك الأجر والثواب الذي ينتظرك عند حضور مثل هذه المجالس ولو كانت بدون موضوع أو بموضوع مكرر أو ما شابه من الملاحظات والمبررات التي يسولها الشيطان لنا ليثنينا عن مجالس الحسين ونيل فيوضاته المباركة ، ولنعلم بأن إمامنا صاحب العصر والزمان يدعونا لهذه المآتم الباكية بقوله «فعلى الأطايب من أهل بيت محمد وعلي صلى الله عليهما وآلهما فليبك الباكون وإياهم فليندب النادبون ولمثلهم فلتذرف الدموع» [12] بل ويدعونا لأشد من ذلك بقوله «وليصرخ الصارخون ويضج الضاجون» [13] .

إننا هذه الأيام نعيش أيام مصيبة وفاجعة كبرى وهي مصيبة أبي عبد الله الحسين وأهل البيت الأطهار ، هذه الأيام ايام حزن وبكاء بل وجزع، على تلك المصيبة التي أقرحت جفون أهل البيت إذ يقول مولانا الرضا «إن شهر المحرم شهر كان أهل الجاهلية يحرمون فيه القتال، فاستحلت فيه دماؤنا وهتكت فيه حرمتنا وسبي فيه ذرارينا ونساؤنا وأضرمت النيران في مضاربنا وانتهب ما فيها من ثقلنا ولم ترع لرسول الله حرمة في أمرنا، إن يوم الحسين أقرح جفوننا وأسبل دموعنا وأذل عزيزنا بأرض كرب وبلاء وأورثنا الكرب والبلاء إلى يوم الانقضاء فعلى مثل الحسين فليبك الباكون» [14] .

وفي الأخير نبتهل إلى الله بالدعاء: اللهم ارحم تلك الأعين التي جرت دموعها رحمة لأهل بيت نبيك عليه و ، اللهم ارحم تلك القلوب التي جزعت واحترقت لمصاب أهل بيت رسولك عليه و ، اللهم ارحم تلك الصرخة التي كانت لآل محمد عليه و ، اللهم والعن أول ظالم ظلم حق محمد وآل محمد وآخر تابع له على ذلك اللهم العن العصابة التي جاهدت الحسين وشايعت وبايعت وتابعت على قتله، اللهم العنهم جميعا.

[1] ديوان السيد الحميري
[2] نفس المهموم - الشيخ عباس القمي
[3] الكامل في التاريخ لابن الأثير
[4] الشعائر الحسينية المنصوصة - السيد محمد حسن ترحيني العاملي
[5] مستدرك الوسائل ج 10 - باب 49- حديث 13
[6] مستدر الوسائل ج 10 - باب 49 - حديث 8
[7] الشعائر الحسينية المنصوصة - السيد محمد حسن ترحيني العاملي
[8] نفس المصدر
[9] نفس المهموم - الشيخ عباس القمي
[10] نفس المصدر
[11] الشعائر الحسينية المنصوصة - السيد محمد حسن ترحيني العاملي
[12] مفاتيح الجنان - دعاء الندبة
[13] نفس المصدر
[14] نفس المهموم - الشيخ عباس القمي

نور الباقر
02-14-2008, 01:58 AM
شكرا لك اخوي نور الهادي
مواضيعك جدا مميزة

نورالهادي
02-14-2008, 02:56 PM
لا شكرعلى واجب اختي
تحياتي
نورالهادي

بنت الحجاز
02-16-2008, 07:32 AM
الــ صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم ـــلهم

دمعه على الحسين كافيه لتغسل بها قلبك وتمحو بها ذنوبك وتجدد بها بيعه بحرارة عبرتك التي لن تبرد ابدا على مصابه

شاكره لموضوعك أخي نور الهادي ووفقنا واياكم للبكاء على الحسين

"تحياتي"
بنت الحجاز

دمعة الطف
02-16-2008, 09:44 AM
اللهم صل على محمد وآل محمد عجل فرجهم

احسنت أخي "نور الهادي"
موضع رائع

ويكفي أن نقول لمن يقلل من البكاء
بإن إمام زماننا حجة الله على الخلائق يبكى بدل الدموع دما
البكاء هو ثورة البكاء على الحسين هو الذي يطهر روح الإنسان
ونفسه وقلبه الأمر الذي يجعله قريباً من الله ومن آهل البيت "عليهم السلام"


تحياتي
دمعة الطف

نورالهادي
02-16-2008, 04:09 PM
مشكورين خواتي على المرور الطيب والمشاركة
تحياتي
نورالهادي

ضلع الزهراء
02-19-2008, 11:10 AM
السلام عليك يا غريب الغرباء .....

السلام عليك يا شهيد كربلاء.....

يارب الحسين .. بحق الحسين .. اشفي صدر الحسين .. بظهور الحجة

شكرا لك من أعماق قلبي على الموضوع

نورالهادي
02-19-2008, 04:00 PM
مشكورة اخي على المرور والمشاركة
تحياتي
نورالهادي