المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ملف لإ مام الحسين في عاشوراء


البتار
03-19-2005, 02:32 PM
أخلاق الجبهتين في عاشوراء

الإمام الحسين (عليه السلام) ويوم عاشوراء

السهم يعانق النحر الصغير





الحياة البشرية قائمة على أسس ونواميس وسنن ثابتة لا تتغير ولا تتبدل منذ أن خلق الله تعالى الإنسان الأول ومنذ أن كان المجتمع الإنساني أسرة واحدة، ومن هذه السنن استمرار الصراع بكل مقوماته بين الإيمان وأتباعه والكفر وأتباعه، وكذا الحال في استمرار الصراع داخل مجتمع الإيمان بين الحق والباطل وبين الاستقامة والانحراف وبين الوضوح والزيغ، ولكل منهما منهجه وتصوره ومواقفه والصراع بجميع أبعاده مستمر مادام هنالك منهجان وتصوران في الكون والحياة، ولا ينتهي الصراع إلا بزوال أحد المنهجين، بحيث لا يبقى له وجود أو أتباع وأنصار، والحركة التاريخية تتجه نحو بقاء الإيمان والحق والفضيلة وانتصارها في نهاية الصراع، وانكماش وزوال الكفر والباطل والرذيلة، والتضاد في سلوك وأخلاق أتباع المتبنى في الحياة، وفي حركة المسلمين التاريخية ظهر هنالك منهجان متنافيان وخصوصاً بعد مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان حيث برز للوجود هذا التنافي بأبعاده الواسعة وبأساليبه المتنوعة، منهج الاستقامة الذي يمثله أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وأتباعه منج الاعوجاج والالتواء الذي يمثله البغاة عليه وخصوصا في معركة صفين ومنهم معاوية وعمر بن العاص، وبرز هذا التنافي واضحاً في أخلاق المنهجين ومواقفهم العملية في كل مجالات الحياة، بين من اتبع المنهج الرباني الإسلامي الأصيل ومن أتبع الشيطاني الجاهلي كان السبب الأساسي يمكن في الابتعاد عن تعاليم الرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) الذي حدد الموقف العملي في حالة الاختلاف واللبس والخلط، واستمر الصراع بعد استشهاد أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وبعد وفاة معاوية الذي عين ابنه يزيد خليفة المسلمين من بعده دون سابق أو فضل ودون استشارة الصحابة من المهاجرين والأنصار، وتجلى ذلك الصراع بكل أبعاده في معركة كربلاء وبرز في الساحة الإسلامية منهاجان متنافيان تمام التنافي في كل مجالات الحياة الفكرية والعاطفية والأخلاقية، وأفصح منهج الانحراف عن حقيقة بإقدامه على قتل ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) الحسين بن علي (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه وذلك بسبب رفض الحسين (عليه السلام) البيعة للحاكم الظالم الفاسق يزيد بن معاوية، وكان قتل الإمام تلك القتلة المأساوية مصداقاً من مصاديق الأخلاق الجاهلية التي عادت من جديد بلباس إسلامي.

والذين قاتلوا الحسين (عليه السلام) وقتلوه لم يكونوا من الذين اشتبهت عليهم الأمور أو اختلطت عليهم المفاهيم لأنهم يعلمون أنه على الحق وغيره على الباطل، لأن الرسول قد ألقى الحجة على المسلمين حينما أوضح حقيقة المعارك القادمة وشخص قادتها.


إلقاء الحجة في تعاليم الرسول (صلى الله عليه وآله)

من أجل أن لا تشتبه الأمور على المسلمين، ومن أجل أن لا تختلط المفاهيم عليهم، ومن أجل إبعادهم عن الغموض واللبس والافتتان وضح الرسول (صلى الله عليه وآله) حقيقة الصراع القادم وخصوصا في المعارك المصيرية التي تغير مجرى التاريخ الإسلامي، لكي تكون حجة لمن يبحث عن الإمام الحق والموقف الحق، فيتخذ المسلم موقفاً فيه صلاحه وصلاح المجتمع الإسلامي، وقد تجلت الحجة بأقوال الرسول (صلى الله عليه وآله)، وأفعاله اتجاه الحسين (عليه السلام)، ومن ذلك ما روي عن أم المؤمنين عائشة أنها قالت:

خرج النبي غذاة وعليه مرط مرحل، من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها،ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)(1) وقوله (صلى الله عليه وآله) بحق الحسين (عليه السلام): حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسيناً، حسين سبط من الأسباط(2). وقوله بحق الحسن والحسين (هما ريحانتاي من الدنيا)(3).

(الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، من أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني)(4).

وحول قتل الحسين (عليه السلام) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (أخبرني جبريل أن ابني الحسين يقتل بعدي بأرض الطف وجاءني بهذه التربة وأخبرني أن فيها مضجعه).(5).

وحول السنة التي قتل فيها الحسين قال الرسول (صلى الله عليه وآله): (تعوذوا بالله من رأس الستين ومن إمارة الصبيان)(6).

وحول قاتل الحسين وأهل بيته قال (صلى الله عليه وآله): (ويح الفراخ فراخ آل محمد من خليفة مُستخلف مُترف(7). وقوله (صلى الله عليه وآله): (يزيد لا بارك الله في يزيد الطعّان اللعان(8).

وهذه الأحاديث الشريفة وصلت إلى أسماع المسلمين وخصوصاً أهل الكوفة عن طريق ولاتهم كعمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود، في خلافة عمر بن الخطاب، وقد كررها الإمام علي في خلافته، ففي سفره إلى صفين مر بكربلاء فأخذ من تربتها قليلاً وقال: (واهاً يا تربة ليحشرن منك قوم يدخلون الجنة بغير حساب)(9).

ووصلت الأخبار حد التواتر حتى أن المسلمين كانوا يشيرون إلى عمر بن سعد بأنه قاتل الحسين.

ومن خلال هذه الأحاديث الشريفة نقطع بإلقاء الحجة على قتلة الحسين ولم تنفعهم التبريرات التي وضعوها بأن الحسين قد خرج على إمام زمانه وشق عصا المسلمين وجماعتهم، لأن أغلب قادة الجيش الأموي في كربلاء هم الذين راسلوا الحسين وواعدوه في البيعة وكانوا قاطعين بعدم صلاحية يزيد للخلافة، ولكن الخوف والطمع دفعهم للانقلاب باتجاه الولاء ليزيد واتباع أوامره، وقد ألقى الحسين (عليه السلام) الحجة عليهم ثانية ولكنهم أصروا على قتله، فقتلوه قتلة لم يقتل بمثله أحد في الإسلام، وهي مصداق للأخلاق الرذيلة التي تخلق بها الجيش الذي قتل الحسين (عليه السلام) بعد أن صدرت إليهم الأوامر المعبرة عن أخلاق مصدريها الذين أعادوا للجاهلية من جديد.


تأثير الإيمان في أخلاقية الجبهتين

الإيمان بالله والاستسلام لربوبيته وأداء حق الطاعة له وترويض النفس بالعبادات والأدعية تهدي الإنسان إلى اليقين فينعكس في سلوكه وأخلاقه لتكون منسجمة مع المنهاج الرباني في الحياة، والإسلام جاء لإتمام مكارم الأخلاق ولذا فأخلاق الإنسان تتناسب تناسباً طردياً مع الإيمان بالله وتوحيده، وبحسب درجات الإيمان تتفاوت الأخلاق، إلى أن تصل إلى مهاوي الرذيلة في حالة الشك والإلحاد حيث لا رقيب ولا عاصم من الانحراف والرذيلة، وهذا ما حصل في أخلاق الجبهتين في عاشوراء. فجبهة الحسين باستسلامها لله ولمناهجه في الحياة سطرت لنا أروع درجات التكامل الأخلاقي والسمو الروحي، وجبهة يزيد حيث أبرزت ما كان كامنا في أعماقها من بعد من الله تعالى وتعاليمه انعكس على الواقع من قتل ونهب واعتداء وغدر وخيانة.

فقائد الجبهة وهو يزيد بن معاوية نشأ منشأة نصرانية عند أخواله وقد أفصح عن انعدام إيمانه وتمسكه بالجاهلية حينما تمثل ببعض الأبيات لشاعر جاهلي أنشدها في أحد معارك المشركين نختار منها:

ليت أشيخاخي ببدر شهـدوا*** جزع الخزرج من وقع الأسل

لعبـت هاشــــم بالملك فــــلا*** خبـــر جــاء ولا وحـي نــــزل(10).

أما القائد الميداني للجبهة العسكرية عمر بن سعد فإنه يشكك بوجود يوم القيامة، حيث يقول:

يقولــون! إن الله خالــق جنـــــــــــة*** ونــار وتعذيــب وغــل يديـــن

فإن صدقــــــوا فيما يقولــــون إنني*** أتوب إلى الرحمن من سنتيــن

وإن كذبوا فزنا بدنيا عظيمــة(11).*** وملك عقيــــم دائم الحجليــــن(12).

أما قادة الألوية والجنود فكان جوابهم للحسين: (بل نقاتلك بغضاً منا لأبيك وما فعل بأشياخنا يوم بدر وحنين)(13).

فأخلاقهم في عاشوراء لم تمت إلى الإسلام بصلة، وإن ما ارتكبوه من أعمال وأفعال يرفضها الإسلام في معركته مع المشركين والمرتدين والبغاة فكيف والمعركة كانت ضد أهل البيت (عليهم السلام). وبعد هذه المقدمة نتطرق إلى أخلاق الجبهتين وما تركته للأجيال من قيم وممارسات تعبر عن منهج الخطين في كل المجالات.


الموقف من الكعبة الشريفة

الكعبة رمز الإسلام وقبلة المسلمين وهي محل اعتزاز المسلمين وعزهم ولها حرمة عظيمة في قلوبهم وضمائرهم، وقد جسد الحسين (عليه السلام) حرمتها وكرامتها في مواقفه الشريفة التي عبر عنها في مواضع عديدة حيث يقول لمن طلب منه الالتجاء إليها والمكوث بالقرب منها قال لأخيه محمد بن الحنفية: (يا أخي خفت أن يغتالني يزيد بن معاوية بالحرم فأكون الذي يستباح به حرمة هذا البيت)(14).

وقال (عليه السلام): (يا ابن الزبير لأن ادفن بشاطئ الفرات أحب إليّ من أن أدفن بفناء الكعبة)(15) وقال (عليه السلام): (إن أبي حدثني أن لها كبشاً به تستحل حرمتها فما أحب أن أكون أنا ذلك الكبش، والله لئن أقتل خارجاً منها بشبر أحب إليّ من أن أقتل فيها ولئن أُقتل خارجاً منها بشبرين أحب ألي من أن أقتل خارجاً منها بشبر)(16).

وفي مقابل هذا الموقف الأخلاقي السامي كان موقف الجبهة المقابلة، فإن يزيد (دس مع الحاج في تلك السنة ثلاثين رجلاً من شياطين بني أمية وأمرهم بقتل الحسين على أي حال اتفق)(17). وبعد استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) استحلت حرمة الكعبة فنصب الجيش (المجانيق والعرادات على مكة والمسجد، وهدم البيت)(18).

وقد (قذفوا البيت بالمجانيق وحرقوه بالنار وأخذوا يرتجزون ويقولون:

فطارة مثل الغنيق المزبد***نرمي بها أعواد هذا المسجد(19)


أخلاقية الإعلام والدعاية

امتاز أعلام جبهة الحسين بالصدق والصراحة والواقعية ولم يمارس الخداع والتضليل وإنما ركز على وقائع معلومة للجميع، ومن الشواهد على ذلك قول الحسين مخاطباً الجيش الأموي: (ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله وأنا أحق من غيّر)(20).

وقد جرت على نفس المنوال خطابات اتباعه في كل مواقع المعركة. وأما الجبهة المقابلة فإنها استخدمت أسلوب البهتان والخداع والتضليل، فعمرو بن الحجاج الذي بايع الإمام الحسين (عليه السلام) وانقلب عليه يخاطب أهل الكوفة قائلاً: (الزموا طاعتكم وجماعتكم لا ترتابوا في قتل من مرق من الدين وخالف الإمام)(21) ونادى عمر بن سعد: (يا خيل الله اركبي وبالجنة أبشري)(22).

وهو يعرف حقيقة القيادتين ولكنه قاتل الحسين رغبة في ذلك واعترف بالحقيقة قائلاً: (ما رجع أحد إلى أهله بشر مما رجعت به أطعت الفاجر الظالم ابن زياد وعصيت الحكم العدل، وقطعت القرابة الشريفة)(23). واتهم عبيد الله بن زياد والي يزيد على العراق مسلم بن عقيل بشرب الخمر حيث يقول له: ( وما أنت وذاك يا فاسق لمَ لم تعمل فيهم بذاك إذ أنت بالمدينة تشرب الخمر) فقال له مسلم بن عقيل: (أنا أشرب الخمر أما والله إن الله يعلم أنك غير صادق وأنك قد قلت بغير علم وأني لست كما ذكرت وأنك أحق بشرب الخمر مني)(24).

وتجسدت الأخلاق الكريمة والأخلاق الرذيلة في الحوار الذي دار بين السبايا من جهة وبينهم وبين ابن زياد من جهة أخرى، بين الصدق والبهتان وبين الصراحة والخداع والتضليل، وقد لعب الإعلام الصادق دوراً في إجبار يزيد على التنصل من قتل الحسين وإلقاء اللوم على ابن زياد.


العهود والمواثيق

من أخلاق الإسلام هي الوفاء بالعهود والمواثيق وهي من الأخلاق الفاضلة لدى كل المجتمعات وإن لم تكن تتخذ الإسلام منهاجاً إنها في الحياة، وقد وفى الحسين (عليه السلام) بكل عهد وميثاق قطعه مع الجبهة المقابلة.

فبعد اتفاق الحسين مع الحر على أن يسايره فلا يعود إلى المدينة ولا يدخل الكوفة طلب منه الطرماح بن عدي أن ينزل قبيلة طي ليلتحق به عشرون ألف طائي فقال له الحسين: (إنه قد كان بيننا وبين هؤلاء القوم قول لسنا نقدر معه على الانصراف)(25).

أما قادة الجيش الأموي وهم شبث بن ربعي، وحجار بن أبجر، وقيس بن الأشعث، وزيد بن الحارث ومعهم آلاف الجنود فإنهم دعوا الحسين إلى الكوفة ومن ثم غدروا به وقاتلوه وهذا قمة الغدر وعدم الوفاء، أما قائد المعركة وهو عمر بن سعد فإنه لم يف بما اتفق معه مسلم بن عقيل قبل مقتله حيث قال له بصورة سرية: (... وابعث إلى الحسين من يردّه، فقال عمر لإبن زياد: أتدري أيها الأمير ما قال لي أنه ذكر كذا وكذا فقال له ابن زياد: إنه لا يخونك الأمين ولكن قد يؤتمن الخائن(26).

وحينما عجز مسلم بن عقيل عن القتال أعطاه الجيش الأمان ولكنهم غدروا به وقتلوه بعد تسليمه لابن زياد.


الذمام والاستجارة

اتصف العرب بحفظ الذمام وإجارة المستجير، وأنهم يضحون بأرواحهم من أجل الحفاظ على ذلك وبعد ظهور الإسلام تنامت هذه الصفة الأخلاقية لدى المسلمين، وقد التزم أتباع الجبهة الحسينية بذلك. قال بن زياد لهاني بن عروة حول مسلم بن عقيل وكان ضيفاً عنده: (ائتني به، قال: (والله لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه)(27). وفي رواية أخرى: (في ذلك الخزي أن أدفع جاري وضيفي وأنا حي صحيح)(28). وقد أجار علي بن الحسين عائلة مروان بن الحكم حينما هجم الناس على الأمويين في المدينة بعد استشهاد الحسين (عليه السلام) كما جاء في رواية الدينوري: (فكلم مروان علي بن الحسين حول عائلته فقال نعم، فضمهم علي إليه، وبعث بهم مع عياله)(29).

ورفض مسلم بن عقيل قتل ابن زياد في دار هاني لأنه حل ضيفاً عليه وإن كان قتله جائزاً.

وفي الجبهة المقابلة نرى العكس تماماً..، ورد في مقتل أبي مخنف، أن ابن طوعة أخبر ابن زياد بوجود مسلم في بيته بعد أن عاهد الله وأمه أن لا يبيح بالسر. والمنذر بن الجارود سلم رسول الحسين (عليه السلام) إلى ابن زياد، وكانت الرسل لا تقتل لا في الجاهلية ولا في الإسلام.

وقتل أحدهم طفلين من أطفال أهل البيت بعد أن استجاروا به بعد فرارهم من كربلاء حينما أحرق الجيش خيامهم.


العلاقة بين القيادة والاتباع

في كل جبهة هنالك قيادة وطليعة وقاعدة ترتبط بروابط مشتركة من أهداف وبرامج ومواقف، والقيادة دائماً هي القدوة التي تعكس أخلاقها على أتباعها وتتجسد وحدة الأخلاق في المعارك المصيرية كمعركة عاشوراء، ففي جبهة الحسين تجسدت الأخلاق الفاضلة في العلاقات والروابط حيث الإخاء والمحبة والتعاون والود والاحترام بين القائد وأتباعه وبين الأتباع أنفسهم فالأتباع ارتبطوا بالقيم والمثل ثم ارتبطوا بالقائد الذي جسدها في فكره وعاطفته وسلوكه، فالاتباع يتلقون الأوامر بقبول ورضى وطمأنينة ويقين ويرون للطاعة ذوقاً وطعماً جميلاً.

فالحسين يخاطب حامل لوائه وهو أخاه العباس: (يا عباس اركب بنفسي أنت)(30).

ويخاطب أتباعهم قائلاًُ: (قوموا يا كرام فهذه رسل القوم إليكم)(31). ويخاطبهم في وسط الحشود الكبيرة وهم قلة قليلة: (صبراً بني الكرام فما الموت إلا قنطرة تعبر بكم عن البؤس والضراء إلى الجنان الواسعة)(32).

ونتيجة للترابط الروحي بين الحسين وأتباعه، رفضوا أن يتركوه بعد أن سمح لهم بالتفرق عنه، فهذا مسلم بن عوسجة يخاطب الحسين قائلاً: (أما والله لو علمت أني أقتل ثم أحيى ثم أحرق ثم أحيى ثم أذرى يفعل ذلك بي سبعين مرة ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك)(33).

أما الجبهة المقابلة فإن العلاقة قائمة على أساس القهر، والتطميع، والإذلال والتهديد.

أرسل ابن الأشدق كتاباً لابن زياد: (أما بعد: فقد توجه إليك الحسين، وفي مثلها تعتق أو تكون عبداً تسترق كما تسترق العبيد(34).

وحينما وصل الخبر إلى ابن زياد من أن الحسين وعمر بن سعد يتحادثان عامة الليل بين العسكرين، أرسل الشمر إلى ابن سعد يأمره بقتل الحسين وأتباعه وقال له: (اضرب عنقه إن أبى)(35).

وقد أصدر ابن زياد بياناً جاء فيه: (فلا يبقى رجل من العرفاء والمناكب والتجار والسكان إلا خرج فعسكر معي، وأيما رجل وجدناه بعد يومنا هذا متخلفاً عن المعسكر إلا برئت الذمة منه)(36).

كما أن جنود وأمراء الجبهة المقابلة يقاتلون خوفاً وطمعاً خوفاً من سيف ابن زياد وجيش الشام الوهمي وطمعاً في المناصب والأموال، ولم يف عبيد الله بن زياد لهم بما أوعدهم، وتنصل يزيد عن قتل الحسين وألقى باللوم على ابن زياد.


حب الذات

أنكر اتباع حسين ذواتهم وذابوا في العقيدة التي جسدت المنهج الإلهي في واقعها المعاش فلم يبقوا لذواتهم أي شيء سوى الفوز بالسعادة الأبدية فكان الإيثار والتفاني أهم خصائصهم. فتنافسوا على التضحية: (فلما رؤوا أنهم لا يقدرون يمنعون الحسين ولا أنفسهم تنافسوا أن يُقتلوا بين يديه)(37).

وفي شدة العطش رفضوا شرب الماء قبل الحسين وقد وصلوا إليه. يقول العباس بن علي:

(يا نفس من بعد الحسين هوني*** وبعده لا كنت أو تكوني

هذا حســــين وارد المنــــــــــون*** وتشربين بارد المعيـــن)(38)

وقبل المعركة وصل بريد ومعه جماعة إلى النهر، فقال لهم حماة النهر بعد أن عجزوا عن قتالهم اشربوا هنيئاً بشرط أن لا يحمل أحد منكم قطرة من الماء للحسين لكان جوابهم: (ويلكم نشرب الماء هنيئاً والحسين وبنات رسول الله يموتون عطشاً لا كان ذلك أبداً(39).

وفي الجانب المقابل نجدهم يتنافسون على الدنيا طلب العافية والسلامة لكي يكونوا موضع تكريم من قبل ابن زياد.

فهذا القائد الميداني للمعركة عمر بن سعد يرمي أول سهم ويقول: (اشهدوا لي أني أول رام)(40). وكان جوابه لبرير: (إني والله أعلم يا برير أن قاتلهم إلى النار، ولكن تشير عليّ أن أترك ولاية الري فتصير إلى غيري، وما أجد نفسي تجيبني إلى ذلك أبداً)(41).

وتسابق الجيش بعد قتل الحسين على نهب خيام النساء والأطفال حتى جعلوا ينزعون ملحفة المرأة عن ظهرها، وعلى سبيل المثال، جاء رجل إلى فاطمة بنت الحسين فانتزع خلخالها وهو يبكي قالت له: مالك: (فقال: كيف لا أبكي وأنا أسلب ابنة رسول الله قالت له: دعني، قال: أخاف أن يأخذه غيري)(42).

وحينما قتلوا العابس الشاكري جعلوا يتخاصمون فيما بينهم كل واحد منهم يدعي أنه قتله ليحظى بالجائزة(43).


الإنسانية والرحمة

اتباع الحق يقاتلون من أجل الحق ومن أجل هداية الأعداء إلى المنهج الرباني لتحكيمه في التصور وفي السلوك وفي واقع الحياة وهم لا يقاتلون لمجد شخصي أو حمية قبلية ولا انتقاماً لذواتهم، وإنما حباً للخير ونصراً للحق، ولذا نجدهم رحماء رؤفاء على أعدائهم لعلهم يعودون إلى رشدهم ويلتحقوا بركب الحق والخير، وقد جسد الحسين وأصحابه أروع ملاحم الإنسانية والرحمة والعطف، ففي طريقه إلى كربلاء التقى بأحد ألوية جيش ابن زياد وكانوا ألف مقاتل مع خيولهم وكانوا عطاشى، فأمر أتبعاه بسقي الجيش وقال لهم: (اسقوا القوم وارووهم من الماء ورشفوا الخيل ترشيفاً، والإمام سقى ابن الطعان المحاربي الماء بنفسه)(44).

فالجبهة الحسينية تسقي الجبهة المعادية لها بالماء الذي حملوه معهم لوقت الحاجة وهذه المعركة وأثنائها. أما الجبهة المقابلة فكانت على النقيض من هذه المواقف النبيلة، وتجلت مواقفها بأوامر قيادتها وطاعة الجنود لها بمنع الماء عن الحسين ومن معه من أطفال ونساء، فأبن زياد يكتب كتاباً لطليعة جيشه قائلاً: (أما بعد فجعجع بالحسين حتى يبلغك كتابي ويقدم عليك رسولي ولا تنزله إلا بالعراء في غير خضر وعلى غير ماء)(45).

وفي كربلاء حالوا بينه وبين الماء وحينما عرفهم الحسين بنفسه وبأهدافه أجابوه: (قد علمنا ذلك كله ونحن غير تاركيك حتى تذوق الموت عطشاً)(46).

ومنعوه حتى من حفر الآبار بعد أن صدرت لهم الأوامر، وهذه رسالة ابن زياد لقائد جيشه تعبر عن هذه الطباع القاسية: (بلغني أن الحسين يحفر الآبار ويصيب الماء فيشرب هو وأصحابه فانظر إذا ورد عليك كتابي فامنعهم من حفر الآبار ما استطعت، وضيق عليهم غاية التضييق)(47).

وهذا إفراز من إفرازات أخلاق الجبهة المقابلة لأنها لا تقاتل من أجل هدف مشروع أو قيم إنسانية، وإنما تقاتل لذاتها ومنافعها وحبها للسيطرة والتسلط فلا غرابة إن منعت الماء عن أطفال ونساء لا ذنب لهم وإن كانوا غير مسلمين فكيف وهم أحفاد صاحب الرسالة محمد (صلى الله عليه وآله).


الأخلاق في ميدان القتال

شرع الإسلام القتال من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا، ومن أجل دفع العدوان، ويأتي كمرحلة نهائية بعد أن تعجز جميع الوسائل السليمة لصد العدوان والطغيان والانحراف، والقتال وسيلة لهدف سامي، فهو لله وفي سبيل الله، وهو مقيد بقيود شرعية مبدءاً ومنتهى، وهو قائم مادام العدوان قائماً فإن انتهى فالقتال ينتهي معه، والإسلام حريص على الدماء، لذا يحرم كل قتل وقتال إن لم يكن في سبيل الله، ويحرم استخدام أساليب القتال اللاأخلاقية لأنه دين الرحمة وطريق الهداية. والقتال في معركة الطف في عاشوراء استبان فيه منهجان وجبهتان متنافيان من حيث الأهداف والوسائل ومن حيث القيم والمثل ومن حيث التقيد بالقيود الإسلامية والأعراف الإنسانية.


أولاً: الهدف من القتال

لم يكن لجبهة الحسين هدف إلا إعلاء كلمة الله والدفاع عن الاستقامة ورفض الذل والدفاع عن النفس كما ورد في تصريحات قائد الجبهة الحسين (عليه السلام) في أكثر من موقع وموقف ومن هذه التصريحات قائد الجبهة الحسين (عليه السلام) في أكثر من موقع وموقف ومن هذه التصريحات قوله: وإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر(48).

وقد عبرت زينب عن ذلك الهدف قائلة: (اللهم تقبل منا هذا القربان)(49).

أما الجبهة المقابلة فإنها تقاتل إما خوفا من سيف ابن زياد وإما طمعاً في الأموال والمناصب، وهذا يظهر من جواب ابن سعد للحر حينما سأله عن قتال الحسين فقال: (لو كان الأمر لي لفعلت، ولكن أميرك قد أبى)(50).

فأين سعد كان مكرهاً على قتال الحسين وكذا الحال مع الآخرين ولكنهم قاتلوه طمعاً وخوفاً وهم يعلمون أنه الحق، ولكن الطمع غلب عليهم فها هو سنان يطلب جائزته قائلاً:

(أملئ ركابي فضة وذهبا*** إني قتلت الملك المحجبــا

قتلت خير الناس إماً وأبـا***ً وخيرهم إذ ينسبون نسبا)(51)

وكانت الازدواجية معبرة عن نفوسهم المريضة حيث أن قلوبهم مع الحسين وسيوفهم عليه، استجابة لأهداف قادتهم وعلى رأسهم ابن زياد ويزيد الذين أمروهم بالقتال.


ثانياً: البدء في القتال

القتال نهاية المطاف بعد أن تعجز الوسائل السلمية وبعد أن يصل المسلمون إلى طريق مسدود فإما الذل وإما العز بالدفاع عن القيم والمبادئ الإسلامية.

فالحسين (عليه السلام) رفض الابتداء بالقتال وحذر الجبهة المقابلة من أقدامهم على القتال وألقى تمام الحجة عليهم وعلى عدم شرعية قتالهم وحينما أغلقت منافذ السلام اضطر للدفاع عن نفسه وعن المبادئ التي أراد طمسها قادة الجبهة المقابلة.

فالحسين (عليه السلام) قابل أول طلائع الجيش قبل وصوله إلى كربلاء وكان الجيشان متكافئان من حيث العدة والعدد، قبل أن يأمرهم الحسين بالتفرق عنه، فلو دخل معركة مع طلائع الجيش لهزمهم ولكنه رفض البدء بالقتال وكان جوابه لزهير حينما طلب منه مقاتلة اللواء المتقدم قال الإمام: (ما كنت لأبدأهم بالقتال)(52).

وقبل بدء القتال وقف شمر بن ذي الجوشن أمام معسكر الحسين وبدأ يكيل السباب والشتم للإمام رام مسلم بن عوسجة أن يرمي شمر بسهم فقال الحسين: (لا ترمه فإني أكره أن أبدأهم)(53).

أما الجبهة المقابلة فكانت جميع الأوامر الصادرة إليها من قياداتها متركزة على القتل والقتال، وظهرت في رسائل يزيد لولاته في المدينة ومكة والكوفة، وزحف الجيش على معسكر الإمام الحسين (عليه السلام)، ولم يمهلوهم حتى بمقدار أداء صلاة الظهر حيث أمطروهم بوابل السهام.


ثالثاً: أساليب القتل

استخدمت جبهة الحسين أسلوبا واحداً للدفاع عن نفسها ينسجم مع روح الشريعة وروح المعركة الشريفة أما الجبهة المقابلة فإنها تجاوزت الحدود فلم يضرب أحد في الإسلام كما ضرب الحسين فقد وجد به مائة وعشرون جراحة ما بين ضربة سيف وطعنة رمح وعشرون سهم، وقد قطعوا علي الأكبر إرباً إربا حينما حملته فرسه إلى معسكرهم وهو فاقد الوعي، وبعد القتل داسوا بحوافر خيلهم صدر الحسين، وقطع أحدهم أصبعه من أجل أخذ خاتمه ومثلوا بجثة القتلى، وتركوهم بدون دفن في رمال كربلاء، والواجب هو دفنهم لأنهم مسلمون أولاً وأحفاد الرسول (صلى الله عليه وآله) ثانياً.


الأخلاق الخاصة للجبهة المقابلة

فيما تقدم كان مقارنة بين أخلاق الجبهتين وهنا نتطرق إلى ما انفردت به الجبهة المقابلة من أخلاق رفضها الإسلام، ولم يستخدمها حتى الجيش الإسلامي بقيادة الأمويين في حروبهم مع الكفار والمشركين، ولعل السبب في ذلك هو اختيار ابن زياد أسوء الناس لزجهم في المعركة، فأوامر يزيد كانت مخالفة لا بسط تعاليم الإسلام والأعراف الإنسانية، ومن أوامره إلى ابن زياد: (احبس على الظنة واقتل على التهمة)(54).

وفرض ابن زياد الأحكام العرفية وبدأ أتباعه بقتل كل من وجدوه خارجاً من منزله. وقد ألقت الشرطة القبض على رجل من همدان قدم إلى الكوفة يطلب ميراثاً له، فأتي به إلى ابن زياد فأمر بقتله(55).

وأمر ابن زياد بالتمثيل بالقتلى ووطئ صدر الحسين بحوافر الخيل.

وقد خالفوا حتى الأعراف الجاهلية فقتلوا الأطفال والنساء ومنهم طفل رضيع الحسين، وأمر الشمر بقتل غلامه بقتل امرأة عبد الله الكلبي فضرب رأسها بعمود حتى شدخه فماتت مكانها. وقد سلبوا جثث القتلى ثم تمادوا في إجرامهم فهجموا على مخيم النساء وأحرقوه وسرقوا كل ما وجدوه من مال ومتاع، وكما يصفها الإمام علي بن الحسين: (والله ما نظرت إلى عماتي وأخواتي إلا وخنقتني العبرة وتذكرت فرارهن يوم الطف من خيمة إلى خيمة ومن خباء إلى خباء، ومنادي القوم ينادي أحرقوا بيوت الظالمين)(56).

وحمل القوم بنات رسول الله (صلى الله عليه وآله) اسارى وجعلوا الناس ينظرون إليهن وهن في طريقهن إلى الكوفة وإلى الشام، وقد وقفت زينب في وجه يزيد وقفة الثورة والجهاد قائلة له: (أمن العدل يا ابن الطلقاء، تخديرك حرائرك وإماءك وسوقك بنات رسول الله سبايا، قد هتكت ستورهن وأبديت وجوههن تحدو بهن الأعداء من بلد إلى بلد)(57).

ومن أخلاقهم شرب الخمر كما ذكر ذلك الشيخ القرشي في كتابه (حياة الحسين) ولا غرابة في ذلك وقدوتهم يزيد الفاجر الفاسق، وكما تحدث عنه الحسين (عليه السلام): (يزيد رجل فاسق شارب الخمور، قاتل النفس المحرمة معلن بالفسق)(58). وانحرافه قد كان معلوماً لبطانته ولولاته ولأتباعه ومن مصاديق انحرافه: (شربه المسكر جهاراً، ولعبه بالنرد، ونومه بين القيان المغنيات واصطحابه معهن ولعبه بالطنبور بينهن، وتطريقه بني أمية للوثوب على مقام رسول الله وخلافته)(59).

وهذه السلوكية امتدت من القيادة إلى الأتباع، المتهيئة نفوسهم للتطبع بهذه الأخلاق وانتقالها إلى الفعل الذي أفصح عن سريرتهم في عاشوراء التي كانت فيصلاً لجبهتين متنافيتين تصوراً وسلوكاً وخلقاً، هذا الفيصل كشف عن استبانته وظهر في ارجوزات جبهة الحسين الذين عبروا عن أخلاقهم بهذه الإراجيز، على عكس الجبهة المقابلة الذين لم يرتجزوا أي أرجوزة تدل على خلقهم وسلوكهم إلا الافتخار بقتل الحسين والمطالبة بالمكافأة جراء ذلك.

هكذا أعاد الإمام الحسين (عليه السلام) الأمة إلى إرادتها وشخصيتها، فتعالت الصيحات لإصلاح الأوضاع ورفض الانحراف والانحدار، فانفجرت الثورات بعد أن شعر القائمون بها بالمسؤولية في النهوض، خاصة بعد أن بات واضحاً جلياً طريق الحق والصالحين، وكان الموقف العملي والأخلاق السائدة هي الفيصل في هذا الوضوح وهذه الاستبانة بين المنهجين منهج الحسين وأتباعه ويزيد وأتباعه، فكانت أخلاق الجبهتين تجسيداً للمثل والقيم المتبناة من قبل قادة وأتباع كلا الجبهتين، وانتصرت مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال وبقيت جبهة الحسين خالدة في سلوكها ومواقفها وأخلاقها الفاضلة.


** الهوامش **

1- صحيح مسلم ج 4 ص 1883 دار الحياء التراث العربي ط 2 لسنة 1972م.

2- سنن الترمذي حديث 3775 ج 5 ص 617 دار الفكر 1981م.

3- صحيح البخاري ج 5 ص 93 تحقيق الكمال يوسف الحوت جار القلم ط 1 1987م.

4- كنز العمال ج 12 ص 119 حسام الدين الهندي مؤسسة الرسالة ط 5 1985م.

5- نفس المصدر ج 12 ص 123.

6- نفس المصدر ج 11 ص 119.

7- نفس المصدر ج 12 ص 116.

8- نفس المصدر ج 12 ص 128.

9- شرح نهج البلاغة ج 3 ص 169 ابن أبي الحديد.

10- مقتل الحسين لأبي مخنف ص 199 منشورات الرضي ط 2.

11- شرح نهج البلاغة ج 4 ص 72.

12- مقتل أبي مخنف ص 79.

13- نفس المصدر ص 132.

14- بحار الأنوار ج 44 ص 364 المجلسي بيروت ط 2 1403هـ.

15- نفس المصدر ج 45 ص 86.

16- الكامل في التاريخ ج 4 ص 38 ابن الأثير بيروت دار صادر 1965م.

17- بحار الأنوار ج 45 ص 99.

18- مروج الذهب ج 3 ص 81 المسعودي دار المعرفة 1404هـ.

19- تاريخ الطبري د 383 مؤسسة الأعلمي بيروت.

20- الكامل في التاريخ ج 4 ص 48.

21- نفس المصدر ج 4 ص 48.

22- بحار الأنوار ج 44 ص 391.

23- أنساب الأشراف ج 3 ص 211 البلاذري دار التعارف ط 1397هـ.

24- الإرشاد ص 216 الشيخ المفيد منشورات بصيرتي قم 1413هـ.

25- الكامل في التاريخ ج 4 ص 50.

26- الإرشاد ص 215.

27- تاريخ الطبري ج 4 ص 259.

28- الإرشاد ص 209.

29- الإمامة والسياسة ج 1 ص 208 ابن قتيبة الدينوري ط الأخيرة 1388هـ.

30- أبصار العين في أنصار الحسين ص 28 محمد السماوي منشورات بصيرتي قم 1408.

31- حياة الإمام الحسين ج 3 ص 199 باقر شريف القرشي ط 1 1976.

32- نفس المصدر ج 3 ص 238 نقلاً عن كتاب الفتوح ج 5 ص 194.

33- بحار الأنوار ج 44 ص 393.

34- حياة الإمام الحسين ج 3 ص 58 عن تاريخ ابن عساكر ج 13 ص 17.

35- الكامل في حياة الحسين ج 4 ص 55.

36- حياة الإمام الحسين ج 3 ص 117.

37- الكامل في التاريخ ج 4 ص 72.

38- مقتل الحسين ص 336 المقرم منشورات بصيرتي 1394هـ.

39- معالي السبطين ج 1 ص 320 محمد مهدي الحائري مؤسسة النعمان بيروت.

40- الكامل في التاريخ ج 4 ص 65.

41- حياة الإمام الحسين ج 3 ص 139.

42- أمالي الصدوق رقم المجلس 31 ص99.

43- حياة الإمام الحسين ج 3 ص 228.

44- الإرشاد ص 224.

45- الإرشاد ص 226.

46- بحار الأنوار ج 44 ص 318.

47- مقتل الخوارزمي ج 1 ص 244.

48- بحار الأنوار ج 44 ص 330.

49- مقتل الحسين للمقرم ص 379.

50- الكامل في التاريخ ج 4 ص 64.

51- أنساب الأشراف ج 3 ص 205.

52- الكامل في التاريخ ج 4 ص 52.

53- الإرشاد ص 234.

54- بحار الأنوار ج 44 ص 359.

55- حياة الإمام الحسين ج 3 ص 117.

56- نفس المصدر ص 299.

57- شرح نهج البلاغة ج 5 ص 131.

58- بحار الأنوار ج 44 ص 325.

59- شرح نهج البلاغة ج 5 ص131.






كانَ الوقتُ مساءً والشمسُ قد أرهقها المشهدُ الكئيبُ، وأثقلَ خُطاها مسيرُ ذلك اليوم الثّقيل، فراحت تتوارى خلف أُفق الصحراء، وتبتعدُ عن رحابِ الأرض لئلاّ تشهد الكارثة والمأساة، ولتتركَ الأرض للقمر في ليلته العاشرة يرافق الحسين (عليه السلام) ويشهد دعاءه، ومناجاته . وقُبيل المغيب وقف الحسين (عليه السلام) في أصحابه وأهل بيته (عليهم السلام) خطيباً لِيُخْبِرَهُم أنّ القوم لا يُريدونَ قتل غيره، وبوسع كل واحد أن ينسحب تحت جنح الظّلام، وينجو مِنَ القتل، فرفض الجميع ذلك وأصرّوا على القتال والفداء.

جنّ اللّيلُ، وأرخَى الصّمتُ سدولَهُ، وهدأَ الطّير والهوام، ونامَت جفون الخلائق كلّها، إلاّ آل محمّد (صلى الله عليه وآله) وأنصارهم باتوا ليلتهم بينَ داعٍ ومصلٍّ وتالٍ للقرآن ومُستَغْفِر في الأسْحار، وبينَ مُودِّع ومُوصٍ بأهلِهِ وأبنائِهِ ونسائِه، فكانَ لهم دويّ كدويّ النّحل، وحركة واستعداد للقاء الله سبحانه. يُصلحِون سيوفَهُم، ويُهَيِّئونَ رماحَهُم، فباتوا تلك اللّيلة ضيوفاً في أحضان كربلاء، وباتَ التاريخ أرِقاً ينتظر الحدثَ الكبيرَ، وما يتمخّض عنه ميلادِ الصّباح، وباتَت سيوفهم ورماحهم أقلاماً تتهيّأ لتخطّ في صفحات التاريخ بمدادِ الدم المقدّس أروعَ فصل كُتِبَ في عمرِ الإنسان.

الحسين (عليه السلام) يودِّع أهله وأحبابه، ويزور السجّادَ وزينبَ وسُكينةَ وليلى والرّبابَ والباقرَ (عليه السلام) ويوصي آخر وصاياه، ويعهد بآخر عهد له، وقد استسلم للقدر، وباع نفسه لله، وقرّر أن يسقيَ شجرةَ الهدى والإيمان بغزير دمه، وفيض معاناته.

ليلة ليلاء وَغَد موحش على آلِ محمّد (صلى الله عليه وآله)، وقد أحاطت بهم الخيلُ واللّيلُ والغـربةُ والجـيشُ الّذي راحَ يتكاثف ويتجـمّع الألف بعد الألف، والمائة بعد المائة، والعشرات بعد العشرات بعد العشرات، حتّى أمسى جيشاً عرمرماً، وقد غاب عنهم وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، ونأى بالغريّ(1) أبوهم أمير المؤمنـين عليّ (عليه السلام)، وقد باعد بينهم وبين المدينة المنوّرة حيث يرقد جدّهم الرسول (صلى الله عليه وآله) والحسن السبط وأُمّهم الزّهراء مسير شهر(2) للإبل والرُّكبان، وهاهم قد باتوا ليلتهم غُرباء، يتهدّدهم جيش العدوّ بالقتل والأسر والسّبي.

انقضت ليلة الهدنة، وطلع ذلك اليوم الرهيب، يوم الجمعة، يوم عاشوراء، يوم الدم والجهاد والشهادة، وطلعت معه رؤوس الأسنّة والرِّماح والأحقاد وهي مُشرعةٌ لِتَلْتَهِمَ جسدَ الحسين (عليه السلام)، وتفتكَ بدُعاةِ الحقّ والثوّار من أجل الرِّسالة والمبدأ.

عبّأ عمر بن سعد رجاله وفرسانه، فوضع على ميمنة الجيش عمرو بن الحجّاج، وعلى ميسرته شمر بن ذي الجوشن، وعلى الخيل عروة (3) بن قيس، وعلى الرجّالة شبث بن ربعي، وأعطى الرّاية دُريداً (4) مولاه.

نظر الحسين (عليه السلام) إلى الجيش الزاحف، وتأمّل به طويلاً، وهو لم يزل كالطـود الشامخ، قد اطمأنّت نفسه، وهانت دنيا الباطل في عينه، وتصاغر الجيش أمامه، فكان وأصحابه كما قال الشاعر فيهم:

لَبَسوا القلوبَ على الدّروعِ وأقبَلوا *** يَتهافَـتونَ على ذهـابِ الأنفُس

فلم تُرهِبْهُ كثرةُ الجيوش، ولم توهنْ عزيمتَهُ كثافةُ الصِّفاح والأسنّة، بل استشرق من عليائه الرّوحي المتعال، ورفع يدي الضّراعة والابتهال إلى الله سبحانه، وراحَ يُناجي:

(اللّهمَّ ! أَنتَ ثِقَتي في كُلِّ كَرْب، وَأَنتَ رَجائي في كُلِّ شِدَّة، وَأَنتَ لي في كُلِّ أمر نَزَلَ بِي ثِقَةٌ وَعُدَّةٌ، كَمْ مِن همٍّ يَضْعُفُ فِيهِ الفُؤادُ، وَتَقلُّ فِيهِ الحِيلَةُ، وَيَخْذِلُ فِيهِ الصَّدِيقُ، وَيشمتُ فِيهِ العَدُوُّ، أَنزَلتُهُ بِكَ وَشَكوتُهُ إِليكَ، رَغْبَةً مِنِّي إِليكَ عَمَّن سِوَاكَ، فَفَرَّجْتَهُ عَنِّي وَكَشَـفْتَهُ، فَأنْتَ وَليُّ كُلِّ نِعْمَـة، وَصَاحِبُ كُلِّ حَسـنَة، وَمُنتَهى كُلِّ رَغْبَة)(5).


المعركة الخالدة

وهكذا استغرق الحسين (عليه السلام) في لحظة مناجاة، وموقف روحي أخّاذ، والجيوش تقترب، والجند تجول في الميدان، والحسين (عليه السلام) قد حصّن مخيّمه وأحاط ظهره بخندق أوقد فيه النار ليمنع المباغتة والالتفـاف من الخلف، وليحمي النِّساء والأطفال من العدوان المحقّق.

نظر الشمر إلى النار وهي تلتهب في الخندق فصاح: (أتعجّلتَ النّارَ قبل يوم القيامة يا حسين، فردّ عليه: أنتَ أولى بها صليّا). حاول أصحاب الحسين (عليه السلام) مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهم، فاعترضه الحسين (عليه السلام) ومنعه قائلاً: (لا تَرمِه، فإنِّي أكره أن أبدأهم).

تلك أخلاقية الحرب في الإسلام، وهذه قيم أبي الشُّهداء الحسين السبط (عليه السلام)، لا يمكنه أن يحيد عنها، حتّى وهو في أشدّ الظروف قساوة وحراجة، ومع ذلك فكان هذا الشقي الشمر بن ذي الجوشن هو الّذي قتل الحسين (عليه السلام) بعد ساعات في ذلك اليوم.

وإتماماً للحجّة على أعدائه من جيش يزيد بن معاوية، طلب الحسين إليهم أنْ ينصتوا لكي يكلّمهم بكلمة، إلاّ أنّهم أَبَوْا ذلك، وعلا ضجيجهم ولغطهم، إلاّ أنّهم سكتوا في النهاية، فخطبَ فيهم الحسين مُعاتِباً لهم على دعوتهم له وتخاذلهم، كما حدّثهم بما سيقع لهم بعد قتله على أيدي الظالمين من ولاة بني أُميّة ممّا عُهِدَ إليه من جدِّه (صلى الله عليه وآله) وأبيه (عليه السلام)، وهو ما تحقّق فعلاً، وخصّ قائد الجيش وهو عمر بن سعد الّذي كان يزيد يُمنِّيه بجعله والياً على الريّ وجرجان بأنّ حلمه ذاك لن يتحقّق وأنّه سوف يُقتَل ويُرفَع رأسه على الرّمح ، قال الإمام الحسين (عليه السلام):

(تباً لكم أيّتها الجماعةُ وتَرَحاً، أفحينَ اسْتَصْرختُمونا وَلِهين مُتَحيِّرينَ، فأصْرَخْناكُم مُؤدِّين مُستعدِّين، سَلَلْتُم علينا سَيفاً لَنا في أَيْمانِكُم، وحَشَشْتُم علينا ناراً اقْتَدَحْناها على عَدوِّكُم وعَدوِّنا ، فأصبحتُم أَلْباً على أوليائِكُم، ويداً عليهم لأعدائِكُم، بغـيرِ عدل أَفشَوْهُ فيكم، ولا أمل أصبحَ لكُم فيهم، إلاّ الحرامَ مِنَ الدُّنيا أنالوكم، وخسيسَ عَيْش طَمعتُم فيه، من غيرِ حَدَث كانَ منّا، ولا رأي تَفيَّلَ لَنا، فهلاّ ـ لكم الويلات ـ إذ كرهتُمونا تركتمونا؟ فتجهّزْتُموها والسّيفُ لم يُشْهَرْ، والجأشُ طامِنٌ، والرّأيُ لم يُستَحْصَفْ، ولكنْ أسرَعْتُم علينا كطـيرةِ الدّبا، وتداعيـتُم إليها كتداعي الفَراش، فَقُبحاً لكم، فإنّما أنتم مِن طواغيتِ الاُمّةِ، وشُذّاذِ الأحْزابِ، وَنَبَذَةِ الكتابِ، وَنَفَثَةِ الشّيطانِ، وعُصبةِ الآثامِ، ومُحَرِّفي الكِتابِ، ومُطْفئي السُّنَنِ، وقَتَلَةِ أولادِ الأنبياء، ومُبيدي عترةِ الاوصياءِ، ومُلْحِقي العُهّارَ بالنّسب(6)، ومؤذِّي المؤمنين، وصرّاخ أئمّة المستهزئين، الّذين جعلوا القرآن عِضين، وأنتم ابنَ حرب وأشياعَه تعتمدون، وإيّانا تخذلون، أجل واللهِ الخَذْلُ فيكُم معروفٌ، وَشِجَتْ عليهِ عروقُكُم، وتوارَثَتْهُ أُصولُكُم وفروعُكُم ونَبَتَتْ عليهِ قُلوبُكُم، وغَشيتْ بهِ صُدورُكُم، فكُنتم أخبثَ شيء سنخاً للناصِبِ، وأَكَلَةً لِلْغاصِب.

ألا لعنةُ اللهِ على الناكثينَ الّذين يَنقضونَ الأيْمانَ بعدَ توكيدها، وقد جعلتُمُ اللهَ عليكم كَفيلاً، فأنتم والله هم، ألا وإنّ الدّعيّ ابن الدّعيّ(7) قد رَكَزَ بينَ اثنتين: بين السِّلَّةِ والذِّلَّةِ، وهيهات مِنّا الذِّلّةُ، يأبى اللهُ لنا ذلك ورسولُهُ والمؤمنونَ، وحُجورٌ طابَت وطَهُرَتْ، وأنوفٌ حميّةٌ ونفوسٌ أبيّةٌ، مِن أن نُؤْثِرَ طاعةَ اللِّئامِ على مصارِعَ الكِرامِ، ألا وإنِّي زاحِفٌ بهذي الاُسرة على قِلّةِ العَدَدِ وخُذلانِ النّاصِرِ، ثمّ أنشدَ أبيات فروة بن مسيك المرادي:

فإنْ نَهــْزِم فَهزّامــونَ قُدْمـاً *** وإنْ نُهْزَم فَغيرُ مُهزَّمينــــا

ومـا إنْ طِبُّنـا جُبــْنٌ ولكـــن *** منايانا ودولـةُ آخرينــــــــا

فَقُـلْ للشّامتيــنَ بنـا أفيقـــوا *** سَيَلْقى الشّامِتون كما لَقينا

إذا ما الموتُ رُفِّعَ عَن أُناس *** بِكَلْكَلــِهِ أناخَ بآخرينــــــــا)(8)

وحاول بعض من أصحاب الحسين (عليه السلام) أمثال زهير بن القين وبُرير(9) بن خضير أن يستعملوا لغة العقل والمنطق، وأن يشرحوا الأحداث ومبرّرات تحرّك الحسين (عليه السلام)، فلم يستجب لهما أحد.

وعاد الحسين (عليه السلام) على ظهر فرسه ووقف أمام الجيش وخاطبهم:

(أمّا بعد، فانسبوني فانظروا مَنْ أنا، ثمّ ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها فانظروا هل يَحلُّ لكم قتلي وانتهاك حُرْمَتي؟ ألَستُ ابن بنتِ نبيِّكم (صلّى الله عليه وسلّم) وابن وصيّه وابن عمّه، وأوّل المؤمنين بالله، والمصدِّق لرسولهِ بما جاءَ به من عند ربِّه؟ أوَلَيس حمزة سيِّد الشهداء عمّ أبي؟ أوَلَيس جعفر الشهيد الطيار ذو الجناحين عمّي؟ أوَلَم يبلغْكُم قولٌ مستفيضٌ فيكم إنّ رسـول الله (صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم) قال لي ولأخي: هذان سيِّدا شبابِ أهلِ الجنّة ؟ فإنْ صدّقتموني بما أقول ـ وهو الحقّ ـ والله ما تعمّدت كذباً مذ علمتُ أنّ الله يمقت عليه أهله ويضرّ به مَن اختلقه، وإن كذبتموني فانّ فيكم مَنْ إنْ سألتُموه عن ذلك أخْبَرَكُم، سَلُوا جابِرَ بن عبد الله الأنصاري، أو أبا سعيد الخدري، أو سهلَ بن سعد الساعدي، أو زيدَ بن أرقم أو أنسَ بن مالك، يُخبروكم أنّهم سمعوا هذه المقالة من رسـول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لي ولأخي، أفما في هذا حاجز لكم عن سَفك دمّي؟

فقال له شمر بن ذي الجوشن: هو ـ أي الشمر ـ هو يعبد الله على حرف إنْ كانَ يدري ما تقول.

فقال حبيب بن مظاهر للشمر: والله، إنِّي لأراك تعبدُ اللهَ على سبعين حرفاً، وأنا أشهد أنّك صادق، ما تدري ما يقولُ، قد طبعَ اللهُ على قلبك.

ثمّ قال لهم الحسين: (فإن كنتم في شك من هذا القول أوَ تشكّون في أنِّي ابنُ بنت نبيِّـكم، فوَ الله ما بين المشرق والمغرب ابنُ بِنتِ نبيّ غيري منـكم ولا مِنْ غـيرِكم، أنا ابن بنت نبيِّـكم خاصّة، أخبروني أتطلبـوني بقتـيل منكم قتلتُـهُ؟ أو مال لكم استهلكتُهُ؟ أو بِقَصاص مِن جُراحة؟)(10).

فلم يستجب له أحد، ثمّ خاطبهم: (أما تَرونَ سَيفَ رَسُولِ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولامَةَ حَربِهِ وعِمامَتَـهُ عَلَيَّ، قالوا: نعم. فقال: لِمَ تقاتلوني؟ فلم يجيبوا إلاّ بجواب الامّعـة الّذي لا يملكُ رأياً ولا إرادة، ولا يُمَيِّزُ بين التبعيّةِ العمياءِ والطّاعةِ القائمةِ على وعي وفهم سليم، أجابوا: طاعة للأمير عُبيد الله بن زياد)(11).

ثمّ قال (عليه السلام): (أما والله، لا تَلبِثُونَ إلاّ كَرَيْثَما يُركب الفرس، حتّى تدورَ بكم دَوْرَ الرَّحى، وَتَقْلقَ بِكُمْ قَلْقَ المِـحْوَر، عَهْدٌ عَهِدَه إليَّ أبي عن جدِّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فأجمعوا أمركم وشُركاءكم ثمّ لا يَكُن أمركُم عليكُم غُمَّةً، ثمّ اقضوا إليَّ ولاَ تُنْظِرُون، إنِّي توكَّلتُ على اللهِ رَبِّي وربِّكُم، ما مِنْ دابّة إلاّ هو آخِذٌ بناصِيَتِها إنَّ ربِّي على صراط مُستَقيم)(12).

كل ذلك وعمر بن سعد مصرّ على قتال الحسين (عليه السلام)، والحسين (عليه السلام) يحاور وينصح ويدفع القوم بالّتي هي أحسن، ولمّا لم يُجْدِ نصح، ولم ينفع حوار، قال الحسين (عليه السلام) لابن سعد:

(أَيْ عُمَرُ أَتزْعَمُ تَقْتُلني، وَيوَلِّيكَ الدّعِيُّ بلادَ الرَّيّ وجرجان، والله لا تهنأ بذلك، عَهْدُ مَعْهودُ، فاصنع ما أنتَ صانِع، فانّكَ لا تَفْرَحِ بَعـدي بدُنياً ولا آخِرة، وكأنِّي برَأْسِكَ على قَصَبة يَتَراماهُ الصِّبْيانُ بالكوفَةِ وَيتّخِذُونَهُ غَرَضاً بينهُم، فَصَرَفَ بِوَجْهِهِ عَنْهُ مُغْضباً)(13).

أستحوذ الشيطان على ابن سعد، ونادى حامل الرّاية: (يا دُرَيْدُ ! أدْنِ رَايَتَك، فَأَدناها، ثمّ وَضَعَ سَهْمَهُ في كَبِدِ قَوْسِهِ، ثُمّ رَمى، فقال: اشهدوا أنِّي أوّلُ مَنْ رَمَى، ثمّ ارتمى النَّاسُ وتبارَزُوا)(14).

وهكذا أضرمَ ابن سعد نار الحرب، وَوَجَّه سهامه نحو مخيّم آل الرّسول (صلى الله عليه وآله)، فتبعهُ جنده ورماته يمطرون الحسين (عليه السلام) وأصحابه بوابل من السهام، حتّى لم يبق أحد من أصحاب الحسين (عليه السلام) إلاّ وأصابه سهم.

عظم الموقف على الحسين (عليه السلام)، فخاطبَ أصحابه: (قُومُوا رَحِمَكُمُ الله إلى الموتِ الّذي لا بُدَّ منه، فإنَّ هذه السِّهامَ رُسُلُ القَوْمِ إليكُم)(15).

لقد أصبحت هذه الفئة الحسينيّة المجاهدة الّتي لا يتجاوز عددها العشرات أمام جيش، عِدَّتُه تبلغُ الألوفَ، ومع هذا الفارق في العدد والعُدّة، فإنّ أحداً لم يتراجـع من رجال الحسـين (عليه السلام)، ولم يَنْكُص أمامهم شابٌّ ولا غلام، فاسـتجابوا للنفير، ولبّوا النداء وانطلقوا كالأُسود الضّواري يلتحمون مع العدوّ بكلِّ ما أُوتوا مِن قوّة وبأس، فاشتدّ القتال، وحمي الوطيس، ودارت رحى الحرب وغطّى الغبارُ أرجاءَ الميدان، واستمرّ القتال ساعةً من النّهار، فما انجلتِ الغُبْرَةُ ولا إنْجابَ الالتحام إلاّ عن خمسين صريعاً من أصحابِ الحسين (عليه السلام)(16).

ثمّ نادى بعض أصحاب عمر بن سـعد بالبراز، فتواثب أصحاب الحسين (عليه السلام): حبيب ابن مظاهر وبُرير وعبد الله بن عُمير الكلبي يطلبون الإذن من الحسين (عليه السلام) ويتسابقون للشهادة، فانتدب الحسين (عليه السلام) عبد الله بن عمير للبراز ليصول في ميدانِ الشرف والجهاد، وراح عبد الله يُنازِلُ الخصومَ، ويُقارِعُ الأقرانَ، ويصولُ في ميدانِ الجهاد.

نظرت إليه أُمّ وهب زوجته، وجراحات يده اليسرى تسيل وتنزف دماً، فهالها الموقف، واسـتنفر الغضب عزيمتها، فحملت عمود الخيمة واتّجهت نحو الميدان، (وأقبلت نحو زوجها تقول له: فداك أبي وأُمِّي قاتلْ دون الطيِّبين ذريّةِ محمّد، فأقبل إليها يردّها نحو النِّساء فأخذت تجاذب ثوبه، ثمّ قالت: إنِّي لن أَدَعَكَ دونَ أن أموتَ معَك، فناداها الحسين فقال: جُزِيْتُم عْنْ أَهلِ بَيْتِ نَبيِّكم خَيْراً، ارْجِعِي إلى الخَيْمَةِ، فَلَيْسَ عَلى النِّساء قِتالٌ)(17).

استمرّت رحى الحرب تدور في ميدان كربلاء، وشلاّل الدم المقدّس يجري ليتّخذ طريقه عبر نهر الخلود، وأصحاب الحسين (عليه السلام) يتساقطون الواحد تلو الآخر، وقد أرهقوا جيش العدو وأثخنوه بالجراح، فتصايح رجال عمر بن سعد: لو استمرّت الحرب برازاً بيننا وبينهم لأتوا على آخرنا، لنهجم مرّة واحدة، ولِنُرشِقُهم بالنبال والحجارة.

تقدّمت وحدات من الجيش الأموي يقودها عمرو بن الحجّاج، وهاجمت ميمنة الحسين (عليه السلام)، فاستعمل أصحاب الحسين (عليه السلام) أسلوباً عسكرياً رائعاً، جثوا على ركبهم واشرعوا الرماح، فخافت الخيل وتراجعت بفرسانها، استغلّ أصحاب الحسين (عليه السلام) إدبار الخيل ورجوعها فأطلقوا نبالهم يصطادون بها عناصر الحملة الظّالمة.

عاود الجيش الأموي الحملة، فقاد شمر بن ذي الجوشن قطعات من عسـكره، وهاجم ميسرة الحسين (عليه السلام)، ودارت معركة طاحنة، استطاع الرجال الّذين بقوا مع الحسين (عليه السلام) صدّ الهجوم، وَرَدَّ الشمر على أعقابه، وقد أبلى فيها عبد الله بن عمير الكلبي بلاءً حسناً، وأبدى بسالة نادرة، فَقَتَلَ تسعة عشر فارساً واثني عشر راجلاً، فسقط جريحاً ثمّ اُسِرَ وقُتِلَ صبراً.

ولم تحتمل أُمّ وهب قتل زوجها وفراق الرّجل المقدام، فاتّجهت إلى ساحة المعركة وراحت تحنو على الجسد المسجّى بقلبها المثكول، وغُربَتِها المُفجعة، وتَمسحُ الدمَ عن الرّأس الحُرِّ الأبي وهي تقول له: هنيئاً لك الجنّة.

نظر الشمر إلى صلابتها وتحدِّيها، فاستعظم موقفها وأمر غلاماً له بقتلها، نفّذ العبد أمر سيِّده، واتّجه يحمل عموداً من حديد فضرب أُمّ وهب على رأسها، فسقطت شهيدة تسبح بدم الشهادة وتعانِقُ روحَها روحَ الزّوج الحبيب، فاقتطع القتلة رأسها ورموا به نحو مخيّم الحسين (عليه السلام).

استمرّ الهجوم والزّحف نحو من بقي مع الحسين (عليه السلام)، وأحاطوا بهم من جهات متعدِّدة، فتعالت أصوات ابن سعد ونداءاته إلى جيشه وقد دخل المعسكر يقتل وينهب: (أحرِقوا الخيام)، فضجّت النِّساءُ، وتصارخَ الأطفال، وعلا الضّجيجُ، وراحتْ ألسنةُ النار تلتهم المخيّم، وسكّانُهُ يَفرّون فزعين مرعوبين.

ها هو الجيش الأموي يهاجم مخيّم آل الرسول، وقد زالت الشمس وحضر وقت الصلاة، وليس معقولاً أن يغيب الحسين (عليه السلام) عن الوقوف بين يدي الله، يوحِّـده ويُسَبِّحُه ويُناجيه، وها هو يستعين بالصبر والصلاة، وَيشدُّهُ الشّوقُ والحبُّ الإلهي المقدّس، فينادي للصّلاة وقد تحوّلَ الميدان عنده محراباً للجهاد والعبادة، وليس بوسعِ الأسِنَّةِ والسُّيوف أن تحولَ بينه وبين الحضور في ساحة المناجاة، والعروج إلى حظائر القدس، وعوالم الجلال(18)، والحرب لَمّا تَضَعْ أوزارَها، والمعارِك لم يهدأ سعيرها، فراحَ مَن بقي من أصحاب الحسين (عليه السلام) وأهل بيته (عليهم السلام) ينازلون الأعداء، ويستشهدون الواحد تلو الآخر: ولده عليّ الأكبر، إخوته: عبيد الله، عثمان، جعفر، محمّد، أبناء أخيه الحسن: أبو بكر، القاسم، الحسن المثنّى(19)، ابن أُخته زينب: عون بن عبد الله بن جعفر الطيار، آل عقيل: عبد الله بن مسلم بن عقيل، عبد الرّحمن بن عقيل، جعفر بن عقيل، محمّد بن مسلم بن عقيل، عبد الله بن عقيل. أُولئك الأبطال الأشاوس من آل عقيل وآل عليّ بن أبي طالب، مجزّرين كالأضاحي، يتناثرون في أرض المعركة، تناثر النجوم في سماء الخريف، ويسبحون في بُرَكِ الدمِ سبحَ الشّقائق في حوض النهر.

وقف الحسين (عليه السلام) بينهم ينادي، وقد أيقنَ باللّحوق بهم والاجتماع معهم تحتَ سرادق الرّحمة مع الشُّهداء والصِّدِّيقين والنّبيِّين، بعد أن حزّ في نفسه عويلُ النِّساء، وصراخ الأطفال، ولوعةُ اليتامى والأرامل من آل محمّد (صلى الله عليه وآله) ومَن رافقهم في رحلة الشهادة والخلود، وقف ينادي:

(هَلْ مِن ذابٍّ عن حرمِ رسـول الله؟ هل مِن مُوَحِّد يخـافُ اللهَ فينا؟ هَلْ مِن مُغِيثٍ يرجو اللهَ في إغاثَتِنا)(20).

فلم يجبه غير صراخ النسوة، وعويل الأطفال وضجيجُهُم المروِّع، لم يبق أمام الحسين (عليه السلام) إلاّ أن ينازل القوم بنفسه، ويدخل المعركة مبارزاً بفروسيته وشجاعته، وقلبُهُ يَفيضُ حُبّاً وحناناً وخوفاً على أهله وحرمه، وحرم الأنصار وأيتام الشّهداء، وقد أيقنَ أنّه لن يعود بعد هذه الحملة، فحامت عواطف الحب، ولواعج الأبوّة المفجوعة حول ولده الرضيع عبد الله ، فشدّه الشوق إليه وأَجاءَتْهُ ساعةُ الفِراق نحوَهُ، ووقفَ على بابِ الخيمةِ ينادي أُخته زينب، ويطلب منها أن تحمل إليه ولده ليطبع على شفتيه القبلة الأخيرة، ويلقي عليه نظرة الوداع.

فجاءت به عمّته زينب تحمله، فرفعه الحسين (عليه السلام) لِيُعانِقَهُ ويُقَبِّلَ شفتيه الذابلتين، فسبقهُ سهمٌ من معسكرِ الأعداء إلى نحرِ الطِّفل الرّضيع(21) وحالَ بينه وبين الحياة. فراح يفحصُ رغامَ الموتِ بقدميه، ويسبحُ في مَسربِ الدم البريء، ويكتب بذلك الدمِ المقدّسِ أروعَ قصيدة في ديوان المآسي، ويخاطبُ ضميرَ الإنسان عبرَ أجيال التاريخ بتلك الظليمة والفاجعة الّتي رُزِئَ بها آل محمّد (صلى الله عليه وآله) في يوم عاشوراء.

ما عسى أن يفعل الحسين (عليه السلام)؟ وكيف يمكن أن يتصرّف أبٌ مفجوع وقد سالت بينَ يديه دماء طفل رضيع بريء، يناغي السماء، ويملأ أحضان أبيه بالبشر والابتسامة؟ ما عسى أن يصنع الحسين (عليه السلام) وهو يرى وَلَدَهُ الرّضيعَ قد ذُبِحَ بينَ يديه؟

وقف الحسين (عليه السلام) كالطّود الأشمّ، لم يضعف ولم يتزعزع، بل راحَ يجمع الدم بكفّيه ويرفعه شاكياً إلى الله، باعثاً به نحو السماء، مناجياً: (هَوَّنَ عَلَيَّ ما نزلَ بهِ، أنّهُ بِعَينِ الله)(22).

وهكذا بدأ شلاّلُ الدم ينحدر على أرض كربلاء، وسُحُبُ المأساة تتجمّع في آفاقها الكئيبة، وصيحات العطش والرُّعب تتعالى من حول الحسـين (عليه السلام)، وتنبعثُ من حناجر النِّساء والأطفال.

ركب الحسين (عليه السلام) جواده يتقدّمه أخوه العبّاس بن عليّ، وتوجّه نحو الفرات ليحمل الماء إلى القلوب الحرّى، والأكباد الملتهبة من آل محمّد (صلى الله عليه وآله)، فحالت جموع من العسكر دونه، اقتطعوا العبّاس عنه، الفارس والبطل وحامل اللِّواء، فغدا الحسين (عليه السلام) بجانب والعبّاس بجانب آخر، وكانت للبطل الشجاع أبي الفضل العّباس صولة ومعركة حامية طارَتْ فيها رؤوسٌ وتساقطت فرسانُ، وقد بَعُدَ العبّاس عن أخيه الحسين (عليه السلام) يصولُ في ميدان الجهاد، حتّى وقع صريعاً (23) يَسبحُ بدمِ الشّهادةِ ويُثبتُ لواءَ الحسين الّذي حمله يوم عاشوراء في أرض كربلاء، خفّاقاً إلى الأبد، لا تبليه الأيّام، ولا تُطأطِئُ هامتَهُ دولُ الطّغاة، وفي الجانب الآخر كان الحسين (عليه السلام) يقتحم الميدان ويحاول الوصول إلى الفرات، فحالت دونه وحدات عسكرية أُخرى، ووجّه أحد رجال ابن سعد سهمه نحو الحسين (عليه السلام) فأصاب حنكه، فانتزع الحسين (عليه السلام) السّهم وراح يستجمعُ الدمَ بيدِهِ ثمّ يلقي به ويناجي ربّه:

(اللّهمّ ! إنِّي أشكُو إليك ما يُفعَل بابن بِنْتِ نَبِيَّك)(24).

وهكذا امتلأ الميدان بالصّرْعى والشهداء من آل رسول الله (صلى الله عليه وآله) والفئة الثائرة الّتي كتبت بدمائها الزّكيّة ملحمةَ الخلود والكفاح، واختطّت للأجيال طريق الثورة والجهاد.

نظر الحسين (عليه السلام) إلى ما حوله، مدّ ببصره إلى أقصى الميدان فلم يَرَ أحداً من أصحابه وأهل بيته إلاّ وهو يسبح بدم الشهادة، مُقطّع الأوصال يخطّ في مضجع الرمال من حوله الحرف المضيء والشعار الخالد:

سأمضي وما بالموتِ عارٌ على الفتى *** إذا ما نَوى حقّاً وجاهَدَ مُسْلِما

ووَاسى الرِّجالَ الصّالحين بِنَفســــه *** وفارَقَ مَثْبُوراً وخالَفَ مُجْرِما

فإنْ عِشْتُ لَمْ أنْدَمْ وإنْ مِتُّ لَمْ الَــمْ *** كفى بِكَ ذُلاًّ أن تَعيشَ وتُرْغَما

وإذن ها هو الحسين وحده يحمل سيف رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبين جنبيه قلب عليّ، وبيده راية الحق، وعلى لسانه كلمة التقوى.

وقف أمام جموع العسكر الّتي أوغلت في الجريمة واستحوذ عليها الشيطان، ولم تفكِّر إلاّ بقتل الحسين والتمثيل بجسده الطاهر. إذن هذا هو اليوم الموعود الّذي أخبر به رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتلك هي تربَتُهُ الّتي بُشِّر بها من قبل.

حمل الحسينُ (عليه السلام) سيفه، وراح يرفع صوته على عادة الحروب ونظامها بالبراز، وراح ينازلُ فرسانهم، ويواجه ضرباتهم بعنف وشجاعة فذّة، ما برز إليه خصم إلاّ وركع تحت سيفه ركوع الذل والهزيمة.

تعلّق قلبُ الحسين (عليه السلام) بمخيّمه وما خَلّفتِ النّارُ والسيوفُ من صبية ونساء وبقايا رَحْلِه. فراح ينادي وقد هجمت قوّات عمر بن سعد على الحسين (عليه السلام) وطوّقته وحالت بينه وبين أهله وحرمه، فصاح بهم: (أنا الّذي أُقاتِلُكُم والنِّساءُ ليسَ عَلَيهِنّ جُناح، فامنعوا عُتاتَكم عن التّعرُّضِ لِحُرَمي ما دُمتُ حيّاً)(25).

صُمّتْ أسماعُ وقلوبُ أُولئكِ الأجلاف عن قول ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وتقدّم شمر ابن ذي الجوشن وعشرة من رجاله نحو مخيّم الحسين الّذي فيه عياله فصرخ فيهم الحسين:

(ويلكم إنْ لم يكن لكم دينٌ وكنتم لا تخافون يوم المعاد، فكونوا أحراراً ذوي أحساب، امنعوا رحلي وأهلي مِن طُغاتكم وجُهالكم، قال ابن ذي الجوشن: ذلك لك يا ابن فاطمة).

استمرّ الهجوم عنيفاً والحسين (عليه السلام) في بحر الجيش العرمرم، يجالد العسكر، حتّى سدَّد أحد جنود الأعداء سهماً نحو شخصه الشريف، فاستقرّ السهم في نحره، وراحت ضرباتُ الرِّماح والسيوف تمطرُ جسدَ الحسين (عليه السلام) حتّى لم يستطع مقاومة الألم والنزف وقد استحالت صفحاتُ جسدِهِ الطّاهرِ كتاباً قد خَطّتْ عليه الجِراحُ والآلامُ بمدادِ الدم أروعَ ملاحِمِ التاريخ، وكَتَبَتْ أقدسَ مواقف البطولة والشرف، فكان الجُرح في جسده أروع حرف يُكتب في سطر الخلود.

قُرِئَت تلك الحروف الجِراح فكانت سبعاً وستّين(26) حرفاً، تروي بصمتها الناطق قصّةَ الكفاح والجهاد، وتُدَوِّن بعمقها المتأصّل فُصولَ الأسى والظّليمة.

عانقَ الحسينُ (عليه السلام) صعيدَ الطّفوف، واسترسلَ جسدُهُ الطّاهرُ ممتـدّاً على بِطاح كربلاء لينتصبَ مِن حوله مشعلُ الحرِّيّة والكفاح، ويجري من شريان عنقِهِ شلاّلُ الدم المقدّس.

إلاّ أنّ روح الحقد والوحشية الّتي ملأت جوانحَ الجُناة لم تكتف بذلك الصّنيع، ولم تستفرغ أحقادَها في حدودِ هذا الموقف، بل راحَ شمر بن ذي الجوشن يحملُ سيفَ الجريمة والوحشية ويتّجه نحو الحسين (عليه السلام) ليقطعَ غُصناً من شجرةِ النبوّة، وليثكُلَ الزّهراء بأعزِّ أبنائها. لِيَفصلَ الرّأسَ عن جسدِهِ ويحملَهُ هديّةً للطّغاة، الرّأسَ الّذي طالما سجد مُخلِصاً لله، وحَملَ اللِّسانَ الّذي ما فتئ يُردِّد ذكر الله، وينادي:

(لا أُعطِيكُم بِيَدِي إعطاءَ الذَّليلِ، وَلا اُقِرُّ إقرارَ العَبيدِ).

الرّأسَ الّذي حَملَ العِزّ َوالإباءَ، ورفضَ أنْ ينحنيَ للطُّغاةِ، أو يُطأطِئَ جبهتَهُ للظّالمين. فأكبّ الحسينُ (عليه السلام) على وجهِهِ، وراحَ يَحْتزُّ رأسَ الشّرفِ والإباءِ ويحول بينه وبين الجسد الطّاهر.

وهكذا وقعتِ الجريمةُ، وولغَ القَتَلَةُ بدمِ الحسين (عليه السلام) والصّفوةِ الأبرارِ مِن أصحابهِ الميامين، وحُملَ الرّأسُ لينتصبَ وساماً خالداً، وشعاراً مجيداً على رأس رمح يَجُوبُ أرضَ الكوفةِ والشّامِ، ليعودَ مِن جديد فيستقِرَّ في كربلاء، إلى جوار الجسدِ الشّهيد.


** الهوامش **

1 ـ الطبري تاريخ الأُمم والملوك ج 4 ص 316. الشيخ المفيد الإرشاد ص 230.

2 ـ وقعت معركة عاشوراء في أرض كربلاء حيث استُشهِد الحسين (عليه السلام) ودُفِن، وهي تبعد أكثر من (75) كيلومتراً عن قبر الإمام عليّ (عليه السلام) في النجف الاشرف.

3 ـ استغرق طريق رحلة الحسين (عليه السلام) من المدينة إلى مكّة ومن مكّة إلى كربلاء نحو ثلاثين يوماً، وقطع فيها حوالي ألفي كيلومتر.

4 ـ في بعض كتب التاريخ (عزرة).

5 ـ في بعض كتب التاريخ (ذويد).

6 ـ الطبري تاريخ الأُمم والملوك ج 4 ص 321 ، كما رواه الشيخ المفيد الإرشاد ص 233، عن الإمام عليّ بن الحسين السجّاد (عليه السلام)، الّذي كان قد شهد المعركة ولم يشترك فيها لمرضه، كما شهدها ولده محمّد الباقر (عليه السلام) وهو طفل صغير، وعمره نحو أربع سنوات. فقد رُويَ عن السجّاد (عليه السلام): (لمّا أصبحت الخيل تقبل على الحسين (عليه السلام) رفع يديه وقال ... الدُّعاء).

7 ـ يشير بذلك إلى إلحاق معاوية بن أبي سفيان لزياد بن أبيه بنسبه وقوله انّه أخوه، بعد أن شهد شهود بأنّ أبا سفيان قد زنى بأُمّه سميّة وكانت بغياً من ذوات الرايات، وكان ذلك خلاف ما قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أنّ: (الوَلَدُ للفِراشِ وللعاهِرِ الحَجَرُ).

8 ـ يعني بذلك عبيد الله بن زياد بن أبيه.

9 ـ الخوارزمي مقتل الحسين ج 2 ص 6 و 7، وتاريخ ابن عساكر الحديث ص 670.

10 ـ كان برير تابعياً من كبار شيوخ قرّاء القرآن في الكوفة.

11 ـ الطبري تاريخ الأمم والملوك ج 4 ص 322 و 323، وابن الأثير الكامل في التاريخ ج 4 ص 61 و 62.

12 ـ عبد الرزّاق المقرّم مقتل الحسين (عليه السلام) ص 233 و 234.

13 ـ المصدر السّابق ص 235.

14 ـ صدق الحسين (عليه السلام) ولم يربح عمر بن سعد غير الخزي والنار، وقد قتله المختار بن عبيدة الثقفي في الكوفة، ذكر ذلك ابن الأثير في الكامل في التاريخ ج 4 ص 241.

15 ـ الشيخ المفيد الإرشاد ص 236.

16 ـ عبد الرزّاق المقرّم مقتل الحسين (عليه السلام) ص 237.

17 ـ المصدر السّابق.

18 ـ الطبري تاريخ الأُمم والملوك ج 4 ص 327، وابن الأثير الكامل في التاريخ ج 4 ص 65.

19 ـ رُوي انّه صلّى وأصحابه فرادى بالإيماء لعدم توفّر الفرصة لهم، وروي انّه صلّى صلاة الخوف بأصحابه، ذكر هذه الأحداث الطبري تاريخ الأُمم والملوك ج 4 ص 334، وابن الأثير الكامل في التاريخ ج 4 ص 69.

20 ـ جُرِحَ الحسن المثنّى جراحات عديدة، ولم يستشهد بل حُمِلَ وعولج.

21 ـ الشيخ المفيد الإرشاد ص 240. العبّاس بن عليّ (عليه السلام): أخو الإمام الحسين (عليه السلام) لأبيه ، وأُمّه أُمّ البنين فاطمة بنت حزام الكلبي.

22 ـ المصدر السّابق.

23 ـ السيِّد ابن طاووس مقتل الحسين (عليه السلام) ص 49.

24 ـ إنّ الّذي أطلق السهم على الرضيع الشهيد هو حرملة بن كاهل، وذكر المؤرّخون أنّ شهادة عبد الله كانت قبل شهادة عمّه العبّاس.

25 ـ السيِّد ابن طاووس مقتل الحسين (عليه السلام) ص 49، وذكر الحديث الطبري تاريخ الأُمم والملوك ج 4 ص 342، وابن كثير ج 8 ص 187.

26 ـ ابن طاووس مقتل الحسين (عليه السلام) ص 50.










في لحظة لم يسجل التاريخ أكثر رهبة منها، وبينما كان الحسين (عليه السلام) يتهيأ للنزول إلى ساحة الحرب الحمراء، بعد أن قل الناصر وانعدم المجير، تقدمت زينب (عليها السلام) إلى أخيها الحسين (عليه السلام)، بطفل رضيع لم يتعدّ عمره الستة أشهر... لقد جف ثدي أمه من الحليب وتيبست شفتاه والتهب فؤاده بحرارة العطش، فلم يعد له حراك وقد نفدت طاقته حتى على البكاء طلباً للرحمة أو احتجاجاً على ظلم بني الإنسان.

أجلسه الحسين في حجره وأخذ يقبله حانياً راثياً لحاله المفجع، وهو يقول: بعداً لهؤلاء القوم إذا كان جدك المصطفى خصمهم، ثم أتى به نحو قطعات العدو، يخبرهم بأمره ويعرض عليهم حالته التي تعزّ على قلب الوحش الكاسر في الصحراء فكيف الإنسان؟! وأوضح لهم الحسين (عليه السلام) زيادة على ذلك إنه إذا كان للكبار ذنب، فما ذنب هذا الطفل الرضيع لكي يلاقي ما يلاقيه من ألم وعذاب يشقّ على النفس التي تستشعر الإنسانية، أن تنظر إليه للحظة واحدة. نعم كان طلب شربة ماء لا يحتاج إلى كل هذا البلاغ المبين، خاصة وأن الأمر متعلق بإنقاذ طفل كزهرة الربيع التي ما لبثت تتفتح مبتسمة للحياة بكل ما وهبها الله من براءة وحب.

ولكن.. ماذا كان جواب القوم لهذا الطلب؟ لقد ضج المعكسر وارتفعت الأصوات من كل جهة واتخذت المباحثات طابع التعنيف والاحتجاج وكادت تقعقع للأمر السيوف بين مؤيد لقرار منح الماء لعبد الله الرضيع، ومعارض لهذا القرار الذي ربما يشكل خرقاً لخطة الحرب وتوهيناً بمركز القائد الأعلى إذ قد يبدو هذا الأمر بصورة عصيان أو تمرد على أوامر الخليفة التي لا يمكن لجندي مناقشتها فضلاً عن المخالفة لها..

واحتدم النقاش - كما قلنا - وطغى الهرج في صفوف العدو وكادت تقع الفتنة بينهم لولا أن استعمل القائد عمر بن سعد حق (الفيتو) القمعي وصاح بحرملة بن كاهل، أن اقطع نزاع القوم، وهكذا قطع النزاع بقطع نحر الرضيع الذي انقطع معه كل شيء وران الصمت على الوجود كله وليس على ساحة المعركة حسب .. جعل الطفل يرفرف بين يدي والده كالطير المذبوح .. يالله.. أخرج يديه الصغيرتين من القماط وعانق بهما رقبة والده وأسلما لمشيئة الله وإذ ذاك غادرت روحه الجسد لتحلق عالياً في فضاء الجنان.

أما دمه الطاهر فقد لحق بروحه ولكن من دون جناح.. إذ تلقى الحسين ذلك الدم بكفه ورمى به نحو السماء البعيدة، فلم تسقط منه قطرة..

***

اسم المولود: عبد الله

لقبه: علي الأصغر

والده: الحسين بن علي بن أبي طالب

جده الأعلى: محمد بن عبد الله

أمه: الرباب بنت امرئ القيس

تاريخ الولادة: قبل ستة أشهر من تأريخ الآتي

تاريخ الوفاة ومحلها: 10 محرم الحرام سنة 61 هـ، كربلاء

سبب الوفاة: نبلة مسمومة ألقمه بها حرملة بن كاهل بدلاً عن الماء.

قطر الندى
03-19-2005, 03:30 PM
الف شكر لك أخي ا على الموضوع المفيد
الله يعطيك العافيه

وجعله الله في ميزان حسناتك

الفاطمي
03-23-2005, 01:06 AM
اللهم صل على محمد وال محمد ..

أحسنتم اخي الفاضل على مشاركتكم القيمة ..


السلام على الخد التريب ..


تحياتي ..