المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الامام علي في مناظر الاسلام


عاشق ال البيت
03-23-2005, 05:01 AM
لم يحظ رجل في الاسلام ما حظي به علي بن أبي طالب (ع) من ثناء و اجلال من لدن الرساله الاسلاميه،‌ وحثها المتزايد لاتباعها لا علي تقديره فحسب، و انما علي التزامه، و انتهاج سبيله.

و قد انطوي القرآن الكريم و السنه الشريفه و التاريخ الصحيح علي نصوص و روايات تنطق كلها بالثناء علي علي (ع) و وجوب سلوك سبيله و خطه.

فمره تأتي صور الثناء كأوسمه يضعها الاسلام علي صدره فيميزه عن سواه من صحابه و اتباع و مره علي شكل أحكام و اوامر تلزم المسلمين علي التزام علي (ع) اماماً و منهجا.

فمن أوسمه التقدير التي نالها علي(ع) من الله تعالي و من رسول (ص)‌مايلي:

1 - «انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا».

ذهب المفسرون لهذه الآيه أنها نزلت في رسول الله (ص) و علي و فاطمه الزهراء و الحسن و الحسين (ع) حين دعا الرسول (ص) بعباءه و جللهم بها،‌و لما نزلت الآيه قالت أم سلمه زوجه الرسول (ص) :‌هل أنا من أهل بيتك؟

لم يحظ رجل في الاسلام ما حظي به علي بن أبي طالب (ع) من ثناء و اجلال من لدن الرساله الاسلاميه،‌ وحثها المتزايد لاتباعها لا علي تقديره فحسب، و انما علي التزامه، و انتهاج سبيله.

قال :‌لا و لكنك علي خير،‌رغم جلاله أم سلمه و علوشأنها بين نساء النبي (ص).

2 – فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع ابناءنا و ابناءكم و نساءنا و نساءكم و انفسنا و انفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله علي الكاذبين).

ذكر أهل التفسير من جميع المسلمين أنها نزلت حين خرج رسول الله (ص) بعلي و فاطمه و الحسن و الحسين عليهم السلام لمباهله نصاري نجران،‌فلما رآه النصاري قد خرج بأهل بيته خافوا العاقبه و اعتذروا عن مباهلته،‌ فدفعوا الجزيه خضوعاً منهم لسلطان دولته.

3 – (و يطعمون الطعام علي حبه مسكينا و يتيما و اسيراً انما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء و لا شكوراً‌ انا نخاف من ربنا يوماً‌ عبوسا قمطريرا فوقيهم الله شر ذلك اليوم و لقيهم نضره و سروراً.

و هذه باجماع أهل التفسير نزلت في علي و فاطمه و الحسن و الحسين(ع).

و كان ذلك عندمامرض الحسنان فنذر علي (ع) و فاطمه و فضه – خادمه أهل البيت – ان شفي الحسنان، فان علياً و الزهراء و فضه يصومون لله تعالي ثلاثه أيام.

و بعد شفاء الحسنين صام أهل البيت (ع)…

و عند غروب شمس اليوم الاول طرق الباب عليهم مسكين يشكو جوعه،‌فأعطوه ما عندهم من خبز الشعير.

و في اليوم الثاني استطعمهم يتيم فأطعموه…

و في ثالث أيام النذر سألهم أسير فقدموا له طعامهم و هكذا بقي أهل البيت (ع) ثلاثه أيام لم يذوقوا فيها غير الماء، فأنزل الله فيهم هذه الآيات الكريمه اعظاماً لشأنهم و اكباراً لعملهم ليكونوا القدوه لغيرهم و ليكونوا المثال.

4 – اجعلتم سقايه الحاج و عماره المسجد الحرام كمن امن بالله و اليوم الاخر و جاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله و الله لا يهدي القوم الظالمين).

نزلت هذه الآيه عندما تفاخر طلحه بن شيبه و العباس بن عبدالمطلب: اذقال طلحه: أنا أولي الناس بالبيت لأن المفتاح بيدي!

و قال العباس:‌أنا أولي، أنا صاحب السقايه و القائم عليها.

و في هذه الاثناء مر علي بهما و سألهما : بم يفتخران. فذكرا له ما قالا.

فقال علي (ع) : أنا أوتيت منذ صغري ما لم تؤتيا.

فقالا و ما ذاك؟

فقال (ع) : لقد صليت قبل الناس و أنا صاحب الجهاد. فأنزل الله تعالي الآيه المذكوره في الثناء علي ما افتخر به علي (ع).

و اذا كان القرآن الكريم يثني هذا الثناء الجميل علي علي (ع) فتعال معي الي السنه الشريفه لنقرأ شيئاً منها في هذا الصدد:

1 – قال رسول الله (ص)‌ : أنا مدينه العلم و علي بابها.

2 – و قال (ص) : «أنت مني بمنزله هارون من موسي الا أنه لا نبي بعدي».

3 – و قال (ص) مخاطباً علياً (ع) :«لا يحبك الا مؤمن و لا يبغضك الا منافق».

4 – و قال (ص) يوم المؤاخاه – بين المهاجرين و الانصار مخاطباً علياً – ع - : «أنت أخي و أنا أخوك فان ذكرك أحد فقل أنا عبدالله و أخو رسوله لا يدعيهما بعدك الا كذاب».

هذه طائفه من النصوص الخاصه بالثناء علي علي (ع)، و الاشاده بمقامه في اطار الاسلام و من شاء المزيد فليراجع فضائل الخمسه من الصحاح السته و ينابيع الموده و مسند أحمد بن حنبل و فضائل اميرالمؤمنين و امامته من دلائل الصدق و غيرها.

امام المسلمين و قائدهم:



أما النصوص القاضيه بوجوب التزام علي (ع) اماماً و قائداً‌ في دنيا المسلمين فنذكر منها ما يلي:
ا(أنما وليكم الله و رسوله و الذين آمنوا الذين يقيمون الصلوه و يؤتون الزكوه و هم راكعون).

اقال المفسرون ان الآيه الكريمه نزلت في علي بن أبي طالب (ع).

فأكدت وجوب الالتزام به اماماً‌ و مرجعاً فكرياً و اجتماعياً و سياسياً للامه، و قد كان سبب نزولها حين تصدق علي (ع) علي مسكين بخاتمه أثناء ركوع، فالايه انما نزلت بهذا الصدد و هي تؤكد في ذات الوقت امامه علي (ع).

ب – خطبه الغدير :‌

و هي البيان الذي وجهه الرسول (ص) الي المسلمين في غدير خم في آخر حجه له لبيت الله الحرام فعن البراء بن عازب قال : «أقبلنا مع رسول الله صلي الله عليه (وآله) و سلم في السنه التي حج، فنزل في بعض الطريق، فأمر: الصلاه جامعه، فأخذ بيد علي فقال:‌ ألست أولي بالمؤمنين من أنفسهم؟».

قالوا :‌بلي.

قال (ص)‌: ألست أولي بكل مؤمن من نفسه؟

قالوا : بلي.

قال (ص) :« فهذا ولي من أنا مولاه، اللهم وال من والاه، اللهم عاد من عاداه». و في لفظ أحمد بن حنبل أن رسول الله (ص) قال «من كنت مولاه فعلي مولاه،‌اللهم و ال من والاه و عاد من عاداه».

ج : قال رسول الله (ص)‌«علي مع الحق و الحق مع علي لن يفترقا حتي يردا علي الحوض».

وفي حديث آخر لرسول الله (ص) يخاطب به عمار بن ياسر (ره) جاء فيه «… و ان سلك الناس كلهم و ادياً و سلك علي وادياً فاسلك و ادياً‌ سلكه علي وخل الناس طراً …».

د – و قال (ص) :

ا«لكل نبي وصي و وارث و أن علياً وصيي و وارثي»

هذا غيض من فيض من النصوص الاسلاميه الموثوقه المجمع علي صحتها، و وثاقتها من جميع المسلمين.

علي في عهد الخلافاء

الف ) في خلافه أبي بكر:

1 – فكر أبوبكر بغزوا الروم فاستشار جماعه من الصحابه فقدموا و أخروا، و لم يقطعوا برأي، فاستشار علياً(ع) في الامر فقال (ع) ان فعلت ظفرت.

فقال أبوبكر:‌بشرت بخير.

و امر الناس بالخروج بعد أن امر عليهم خالد بن سعيد.

2 – و أراد أبوبكر أن يقيم الحد علي شارب خمر…

فقال الرجل:‌اني شربتها و لا علم لي بتحريمها، فأرسل الي الامام يساله عن ذلك فقال (ع) : «مرنقيبين من رجال المسلمين يطوفان به علي المهاجرين و الانصار و ينشدانهم هل فيهم أحد تلا عليه آيه التحريم أو أخبره بذلك عن رسول الله(ص)، فان شهد بذلك رجلان منهم فاقم الحد عليه، و ان لم يشهد أحد بذلك،‌ فاستتبه و خل سبيله».

ففعل الخليفه ذلك، فعلم صدق الرجل فخلي سبيله.

3 – عن محمد المنكدر أن خالد بن الوليد كتب الي الخليفه أبي بكر أنه وجد رجلاً في بعض ضواحي العرب، ينكح كما تنكح المرأه، و أن أبابكر جمع لذلك ناساً‌من أصحاب رسول الله صلي الله عليه (و آله) و سلم و كان فيهم علي بن أبي طالب أشدهم يومئذ قولاً، فقال:

ان هذا ذنب لم تعمل به أمه من الامم الا امه واحده – يعني قوم لوط – فصنع الله بها ما قد علمتم،‌ اري ان تحرقوه بالنار. فكتب ابوبكر بذلك الي ابن الوليد.

4 – قدم جاثليق النصاري يصحبه مائه من قومه، فسال ابابكر اسئله، فدعا علياً (ع) فاجابه عنها، و نكتفي منها - كنموذج – بسوال واحد من أسئله الجاثليق:‌- أخبرني عن وجه الرب تبارك و تعالي!

فدعا علي (ع) بنار و حطب،‌ و اضرمه،‌ فلما اشتعلت قال:‌ أين وجه هذه النار؟.

قال الجاثليق: هي وجه من جميع حدودها.

فقال علي (ع)‌: هذه النار مدبره مصنوعه،‌لا يعرف وجهها و خالقها لا يشبهها،‌و لله المشرق و المغرب فاينما تولوا فثم وجه الله لا تخفي علي ربنا خافيه.

5 – و ارسل ملك الروم رسولا الي ابي بكر يساله عن رجل لا يرجو الجنه و لا يخاف النار،‌و لا يخاف الله، و لا يركع و لا يسجد و ياكل الميته و الدم، و يشهد بما لم ير و يحب الفتنه و يبغض الحق، فاخبر بذلك عليا (ع)‌فقال:‌

هذا رجل من أولياء الله:‌ لا يرجوا الجنه و لا يخاف النار، و لكن يخاف الله و لا يخاف من ظلمه،‌و انما يخاف من عدله، و لا يركع و لا يسجد في صلاه الجنازه، و ياكل الجراد و السمك،‌و ياكل الكبد، و يحب المال و الولد «انما اموالكم و اولادكم فتنه» و يشهد بالجنه و النار و هو لم يرهما،‌ و يكره الموت و هو حق.

هذه بعض مصاديق اهتماماته بمسيره الاسلام التاريخيه في عهد ابي بكر.

ب) في خلافه عمر بن الخطاب:‌

1 – حين اراد عمر بن الخطاب ان يغزو الروم راجع الامام (ع) في الامر، فنصحه الامام بالا يقود الجيش بنفسه مبينا عله ذلك قائلا: «… فابعث اليهم رجلاً مجرباً و احفز معه اهل البلاء‌و النصيحه،‌فان اظهره الله فذالك ما تحب،‌و ان تكن الاخري كنت ردءا للناس، و مثابه للمسلمين».

2 – ورد الي بيت مال المسلمين مال كثير – من البحرين – فقسمه عمر بين المسلمين، ففضل منه شيء، فجمع عمر المهاجرين و الانصار و استفتاهم بامره قائلاً:‌ ما ترون في فضل، فضل عندنا من هذا المال؟

قالوا:‌ يا اميرالمؤمنين انا شغلناك بولايه امورنا من اهلك و تجارتك، و ضيعتك، فهولك.

فالتفت عمر الي علي قائلاً : ما تقول انت؟

قال الامام (ع) : قد اشاروا عليك.

قال الخليفه: فقل انت؟

قال (ع) : لم تجعل يقينك ظنا، ثم حدثه بواقعه مشابهة في عهد رسول الله. (ص).

و اخيراً اشار عليه الامام) 9‌( بتوزيعه علي الفقراء، قائلا: «اشير عليك ان لا تاخذ من هذا الفضل و ان تفضه علي فقراء المسلمين».

فقال عمر : صدقت والله.

3 – عن ابن عباس قال :‌سمعت عمر بن الخطاب يقول ان ترك هذا المال في جوف الكعبه لاخذه و اقسمه في سبيل الله و في سبيل الخير و علي بن ابي طالب يسمع ما يقول،‌فقال عمر، ما تقول يا ابن ابي طالب بالله لئن شجعتني عليه لافعلن؟‌ فقال علي:‌اتجعله فينا، و صاحبه رجل ياتي في آخر الزمان. فاقتنع عمر بضروره عدم التصرف بحلي الكعبه.

4 – بعث ابوعبيده بن الجراح و بره بن رومان الكلبي الي عمر بن الخطاب : ان الناس قد تتابعوا في شرب الخمر بالشام، و قد ضربت اربعين، و لا اراها تغني عنهم شيئاً، فاستشار عمر الناس…

فقال علي )ع( : اري ان تجعلها بمنزله حد الفريه «ثمانون جلده».

ان الرجل اذا شرب هذي، و اذا هذي، افتري. فجلدها عمر بالمدينه،‌و كتب الي ابي عبيده… فجلدها بالشام.

5 – وقد ورد ان عمر بن الخطاب راي ليله رجلا و امراه علي فاحشه، فلما اصبح قال للناس:‌ارايتم ان اماما راي رجلاً و امراه علي فاحشه. فاقام عليهما الحد ما كنتم فاعلين؟

قالوا : انما انت امام.

فقال علي بن ابي طالب :‌«ليس ذلك لك،‌اذن يقام عليك الحد،‌ان الله لم يامن علي هذا الامر اقل من اربعه شهداء» ثم ان عمر ترك الناس ما شاء‌الله، ثم سالهم: فقال القوم مثل مقالتهم الاولي… و قال علي (ع) مثل مقالته.

فاخذ عمر بقول الامام.

6 – عن ابن سيرين ان عمر بن الخطاب سال الناس قائلا:‌ كم يتزوج المملوك؟ و قال لعلي: اياك اعني يا صاحب المعافري – رداء‌ كان عليه. –

فقال الامام (ع) : اثنتين.

7 – بعد آن فتح المسلمون الشام جمع ابوعبيده بن الجراح المسلمين و استشارهم بالمسير الي بيت المقدس او الي قيساريه،‌فقال له معاذ بن جبل:‌اكتب الي اميرالمومنين عمر،‌فحيث امرك فامتثله،‌ فكتب ابن الجراح الي عمر بالامر،‌فلما قرا الكتاب،‌استشار المسلمين بالامر.

فقال علي (ع) :‌مرصاحبك ينزل بجيوش المسلمين الي بيت المقدس، ‌فاذا فتح الله بيت المقدس،‌صرف وجهه الي قيساريه،‌فانها تفتح بعدها ان شاء الله تعالي، كذا اخبرنا رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم.

قال عمر: صدق المصطفي (صلي الله عليه و آله) و سلم،‌ و صدقت انت يا ابا الحسن … ثم كتب الي ابي عبيده بالذي اشار به علي (ع).

8 – بعد انتصار المسلمين علي الفرس في خلافه عمر، شاور ابن الخطاب اصحاب رسول الله (ص) في سواد الكوفه …

فقال بعضهم : تقسمها بيننا، ثم شاور علياً (ع) في الامر.

فقال (ع) : ان قسمتها اليوم لم يكن لمن يجيء بعدنا شيء‌،‌و لكن تقرها في ايديهم يعملونها، فتكون لنا و لمن بعدنا.

فقال عمر لعلي:‌ وفقك الله… هذا الراي.

9 – عن الطبري في تاريخه عن سعيد بن المسيب.

قال : جمع عمر بن الخطاب الناس فسالهم،‌من اي يوم نكتب التاريخ؟

فقال علي (ع) : من يوم هاجر رسول الله صلي الله علي و آله، و ترك ارض الشرك،‌ففعله عمر، و هكذا وجد التاريخ الهجري ليؤرخ به المسلمون.

هذه بعض ملامح دور الامام علي (ع) الرسالي في خلافه عمر بن الخطاب.

ج) في عهد عثمان :

1 – تزوج شيخ كبير بكراً فحملت، فادعي الرجل انه لم يصل اليها، فسال عثمان المراه:‌ هل افتضك الشيخ؟

قالت : لا. فامر باقامه الحد عليها.

فقال الامام (ع) : ان للمراه سمين : سم الحيض و سم البول، فلعل الشيخ كان ينال منها فسال ماؤه في سم الحيض، فحملت منه.

فقال الرجل : قد كنت انزل الماء ‌في قبلها من غير وصول اليها بالافتضاض.

قال الامام علي (ع) :‌ الحمل له، و الولد له، و اري عقوبته علي الانكار له.

2 – عن موطا مالك عن بعجه بن بدر الجهني:‌انه اتي – عثمان – بامراه قد ولدت لسته اشهر،‌فهم برجمها فقال علي (ع) : ان خاصمتك بكتاب الله خصمتك، ان الله تعالي يقول‌‌ :‌ «و حمله و فصاله ثلاثون شهرا» ثم قال «و الوالدات يرضعن اولادهن حولين كاملين لمن اراد ان يتم الرضاعه ».

فحولان مده الرضاعه و سته اشهر مده الحمل.

فحولان مده الرضاعه و سته اشهر مده الحمل.

فقال عثمان : ردوها.

الامام الخليفة:

بعد مقتل الخليفه الثالث عثمان بن عفان اجمعت الامه علي بيعه الامام علي (ع) خليفه لها،‌و قد اجتاحت النفوس موجه من العاطفه نحوه، و لكنه رد علي موقف الناس بقوله : «… دعوني و التمسوا غيري…»

فان عليا ابي ان يكون اسير للعاطفه،‌فلعل نقمه بعض الناس علي عثمان هي التي اججت نحوه العاطفه و شدت اليه التيار، و هو يريد من الامه اقرارا اراديا لامامته، ليس محكوما بالانفعال الاني.

ثم ان عليا ليس ممن تغريه المناصب و تستهويه الكراسي حتي يستجيب فور اقبال الناس عليه،‌فان الامره كلها لا تساوي لديه جناح بعوضه. بل الدنيا كلها عنده كعفطه عنز – علي حد تعبير له (ع) – ثم ان القياده لا تساوي عنده شيئاً مذكورا، ان لم يقم من خلالها الحق و يبطل الباطل…

و لهذا لم يستجب لضغط الجمهور في بادي الامر،‌ قبل وضعهم امام اختيار ليتاكد من مدي قدره الناس علي تلقي مناهجه و الاستجابه لخططه اذا تسلم زمام الامر.

فبالرغم من ان العاصمه المقدسه «المدينه المنوره» قد اصرت علي اختياره علي شكل تظاهرات حقيقيه و تجمعات مكثفه حتي صارت المطالبه بقيادته اجماعيه لاجماعيه، فانه (ع) بقي عند موقفه المتريث،‌بيد ان اصرار الامه علي بيعته جعله يطرح عليها شروطه لقبول الخلافه،‌ فان بايعته الامه وفقا لما يملي من شروط استجاب هو لمطلبها في استخلافه…

و حين اذاع بيانه المتضمن لشروطه «… و اعلموا اني ان اجبتكم ركبت بكم ما اعلم، و لم اصغ الي قول القائل و عتب العاتب…».

و سارعت الامه مذعنه لشروطه، و مدت يد البيعه علي الطاعه اليه؛‌و لبي هو مطلبها ليواجه مسؤولياته القياديه في الامه الاسلاميه علي الصعيد الفكري و العملي…

و قد كانت من اولي مهامه (ع) ان يزيل صور الانحراف التي طرات علي الحياه الاسلاميه،‌و ان يعود بالامة الي اصاله المنهج الالهي.

و من اجل ذلك كان لابد ان يسير وفق منهاج محدد و شامل يلزم ولاته بتطبيقه… و قد انصب منهاج حكومته علي مواجهه المشاكل في الميادين الاتيه:

1 – الميدان السياسي:

لقد حدد الامام القائد (ع) مواصفات ولاه الامر و موظفي الدوله الذين يرشحهم الاسلام لاداره شؤون الامه الاسلاميه ببيان اصدره (ع) جاء فيه:‌

«… انه لا ينبغي ان يكون الوالي علي الفروج و الدماء‌ و المغانم و الاحكام و امامه المسلمين البخيل، فتكون في اوالهم نهمته، و لا الجاهل فيضلهم بجهله، ‌و لا الجافي فيقطعهم بجفائه، و لا الحائف للدول فيتخذ قوما دون قوم،‌و لا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق، و يقف بها دون المقاطع و لا المعطل للسنه فيهلك الامه…»

ففي ضوء هذا التحديد الموضوعي لصفات المسؤولين و الموظفين الذين يقرهم الاسلام عمد الامام علي (ع) الي الاستغناء عن خدمات قسم من الولاه الذين كانوا يتولون اقاليم الدوله الاسلاميه… لان عليا (ع) لو ساوم – كما يريد بعض المؤرخين – لتعذر علي الاجيال المسلمه التماس الصوره الحقيقيه للشريعه التي ابتعث الله بها رسوله العظيم صلي الله عليه و آله و سلم.

2 – الميدان الاقتصادي:‌

كما عمد الامام علي (ع) الي اصلاح الوضع السياسي و الاداري كذلك فعل بالنسبه للوضع الاقتصادي، فقد بادر فور تسلمه زمام الامور مباشره الي الغاء طريقه توزيع المال التي اعتمدت فيما سبق.

فقد استبدل الامام طريقه التمييز في العطاء بطريقه المساواه في التوزيع التي انتهجها رسول الله (ص).

فالغي الامام (ع) كل اشكال التمييز في توزيع المال علي الناس، مؤكدا ان التقوي و السابقيه في الاسلام و الجهاد، و الصحبه للرسول (ص) امور لا تمنح اصحابها مراتب او مميزات في الدنيا، و انما لتلك المزايا ثوابها عند الله في الاخره، و من كان له قدم في ذلك، فالله تعالي يتولي جزاءه، اما في هذه الدنيا فان الناس سواسيه في الحقوق الماليه و امام القضاء الاسلامي و في الواجبات و التكاليف.

و قد تضمن بيانه التالي هذه الافكار الجليله العادله:‌«الا و ايما رجل من المهاجرين و الانصار من اصحاب رسول الله صلي الله عليه و اله يري ان الفضل له علي سواه لصحبته فان الفضل النير عذا عند الله و ثوابه و اجره علي الله….

و ايما رجل استجاب لله و الرسول فصدق ملتنا و دخل في ديننا و استقبل قبلتنا فقد استوجب حقوق الاسلام و حدوده. فانتم عبادالله، و المال مال الله يقسم بينكم بالسويه لا فضل فيه لاحد علي احد، و للمتقين عند الله غدا احسن الجزاء و افضل الثواب، لم يجعل الله الدنيا للمتقين اجرا و لا ثوابا، و ما عندالله خير للابرار…».

و هكذا جسد الامام (ع) مفهوم التسويه في العطاء بين جميع الناس الذين يتمتعون بحق المواطنه الاسلاميه دون تمييز لاي سبب من الاسباب.

و هذه بعض ملامح العمليه الاصلاحيه التي قادها الامام علي(ع) في شتي مرافق الحياه الاسلاميه، في المال و الحكم و الاداره و سواها:‌-

منهاج الاصلاح:

وضع الامام (ع) خطته الاصلاحيه الشامله، و قد انصب جل اهتمام الامام (ع) علي اصلاح شؤون الاداره و الاقتصاد و الحكم كما قدمنا.

و من خلال ذلك العمل الاصلاحي الكبير حظيت الامه عبر مسيرتها الجديده التي اختطها لها اميرالمومنين (ع)، بمعطيات جمه ذات مردودات عظيمه لصالح الامه و المسيره بشكل عام، نذكر منها ما يلي:

اولا – استعانه الامام (ع) بجهاز من الولاه و الموظفين لاداره دفه الحياه الاسلاميه يعد افراده نموذجا في مستواهم الروحي و الفكري و الالتزامي: كعثمان بن حنيف، و محمد بن ابي بكر،‌و مالك الاشتر و سواهم.

علي ان تلك النماذج الخيره من الرجال، و ان كانوا في مستوي لاثق في الفكر و العمل و القدره الاداريه و القياديه، فان الامام (ع) قد زودهم بخطط هاديه و مناهج راشده، يهتدون بها في حياتهم العمليه، و في علاقاتهم مع مختلف قطاعات الامه التي يباشرون قيادتها.

فهو يلزم و لا ته بالنصح لعبادالله، و اشاعه العدل بينهم و معاملتهم باللين و الحب، ‌و التجاوز عن كل مظاهر الاستعلاء التي يغري بها المنصب غالبا،‌ و الحيلوله دون تاثير ذوي النفوذ الاجتماعي في مسيره العداله الاسلاميه علي حساب القطاعات الاجتماعيه الاخري، و نحو ذلك من مستلزمات اشاعه العدل و اقامه الحق بين الناس.

و هذه نماذج من خططه في هذا المضمار : -

«… فاخفض لهم جناحك و الن لهم جانبك و ابسط لهم وجهك و آس بينهم في اللحظه و النظره، حتي لا يطمع العظماء في حيفك لهم، و لا ييأس الضعفاء من عدلك عليهم، فان الله تعالي يسائلكم معشر عباده عن الصغيره من اعمالكم و الكبيره،‌و الظاهره و المستوره، فان يعذب فانتهم اظلم، و ان يعف فهو اكرم…»

«سع الناس بوجهك و مجلسك و حكمك، و اياك و الغضب فانه طيره من الشيطان، و اعلم آن ما قبلك من الله يباعدك من النار، و ما باعدك من الله يقربك من النار».

هذه مقاطع من توجيهات الامام (ع) التي الزم ولاته بالعمل علي ضوئها في حياتهم العمليه.

و من نافله القول ان نشير الي ان الامام (ع) بالرغم من اهتمامه بانتقاء‌العناصر الكفوءه و الورعه فان كان يحرص علي الاحاطه باساليبهم في معامله الامه من خلال مراكز هم القياديه باستعانته بجهاز من الرقباء و العيون ليري مدي طاعه الولاه و تنفيذهم لقواعد العداله الاسلاميه، فاذا بدا من احدهم خطا او تقصير، بادر الامام الي تقويم سلوكه بالوسائل التربويه تاره و بالتهديد او بالعزل اذا لزم الامر، و هذه نماذج من وسائله تلك:‌ -

فقد بلغه ان عثمان بن حنيف (رض) و اليه علي البصره دعاه بعض شخصيات اهل البصره الي مادبه، فخشي الامام (ع) ان تستميله تلك الوسائل او سواها فينحرف عن خط العداله الاسلاميه المرسوم فيميل في احكامه او يجور في قضائه و معاملته للامه، فكتب اليه كتاباً جاء فيه: « اما بعد،‌يا ابن حنيف فقد بلغني ان رجلاً من فتيه اهل البصره دعاك الي مادبه، ‌فاسرعت اليها، تستطاب لك الالوان، و تنقل اليك الجفان،‌و ما ظننت انك تجيب الي طعام قوم؛ عائلهم مجفو،‌و غنيهم مدعو،‌فانظر الي ما تقضمه من هذا المقضم،‌فما اشتبه عليك علمه فالفظه، و ما ايقنت بطيب وجوهه فنل منه…الا و ان لكل ماموم اماماً يقتدي به، و يستضيء بنور علمه، الا و ان امامكم قد اكتفي من دنياه بطمريه، و من طعمه بقرصيه، الا و انكم لا تقدرون علي ذلك،‌و لكن اعينوني بورع و اجتهاد و عفه و سداد…»

و قد كتب الي مصقله الشيباني عامله علي (اردشير خره) مهدداً و متوعداً « بلغني عنك امر ان كنت فعلته، فقدأسخطت الهك و عصيت امامك: انك تقسم فيء المسلمين الذي حازته رماحهم و خيولهم،‌و اريقت عليه دماؤهم، فيمن اعتامك من اعراب قومك، فوالذي فلق الحبه و برا النسمه، لئن كان ذلك حقا لتجدن لك علي هوانا، و لتخفن عندي ميزانا،‌فلا تستهن بحق ربك، و لا تصلح دنياك بمحق دينك، فتكون من الاخسرين اعمالا».

و كتب الي احد عماله يقول:‌«اما بعد فقد بلغني عنك امر، ان كنت فعلته فقد اسخطت ربك، و عصيت امامك،‌و اخزيت امانتك:‌بلغني انك جردت الارض فاخذت ما تحت قدميك، و اكلت ما تحت يديك، ‌فارفع الي حسابك،‌و اعلم ان حساب الله اعظم من حساب الناس…».

و كما كان الامام (ع) يخطط للولاه و يزودهم بنصائحه الهاديه، كان يرسم الخطط كذلك لقاده جيوشه، و يوضح لهم معالم الطريق، و ما ينبغي عليهم فعله عند مواجهه العدو.

فكان (ع) ينهاهم عن البغي،‌و يامرهم بعدم اثاره الحرب من جانبهم، و انما ينبغي التسلح بالصبر و ضبط النفس، و ان يكونوا في بدايه المواجهه كما لو كانوا مدافعين فحسب، فاذا اعتدي عليهم فقد قامت الحجه لصد العدوان؛‌فاذا قدر و انتصروا علي عدوهم فلا يباح ان تحملهم نشوه الظفر علي عدوهم الي ملاحقه جنوده الهاربين من القتال،‌ او الذي لا يملك منهم سلاحا يدافع به عن نفسه، كما لا يجوز قتل الجرحي،‌او الاساءه الي النساء‌،‌ و ان بد أن الاساءة بسب او شتم او نحوه.

و هذه بعض وصاياه (ع)‌لجيوشه: «… لا تقاتلوهم حتي يبدووكم فانكم بحمدالله علي حجه، و ترككم اياهم حتي يبدؤوكم حجه اخري لكم عليهم،‌ فاذا كانت الهزيمه باذن الله، قلا تقتلوا مدبرا و لا تصيبوا معورا و ال تجهزوا علي جريح، و لا تهيجوا النساء باذي،‌ و ان شتمن اعراضكم و سببن امراءكم…».

«… الا و ان لكم عندي الا احتجز دونكم سرا الا في حرب،‌و لا اطوي دونكم امرا الا في حكم،‌ و لا اوخر لكم حقا عن محله، و لا اقف به دون مقطعه،‌ و ان تكونوا عندي في الحق سواء، فاذا فعلت ذلك وجبت لله عليكم النعمه ولي عليكم الطاعه، و الا تنكصوا عن دعوه و لا تفرطوا في صلاح و ان تخوضوا الغمرات الي الحق…».

و بالنظر للاهميه البالغه التي يحتلها جهاز جبايه الاموال في الدوله الاسلاميه حيث تشكل الحقوق العامه في ملكيه الافراد عنصرا هاما من عناصر الاقتصاد الاسلامي، فان حق الجماعه في الملكيات الخاصه يوفر ضمانه كبري لمساعده الدوله الاسلاميه علي تغطيه نفقاتها الكبري علي الصعيد الاجتماعي و العسكري و غيرهما من جوانب الحياه العامه… اقول بالنظر لاهميه جهاز الجبايه هذه فقد اولاه الامام (ع) عنايه فائقه لا من اجل ان يجمع اكبر نصيب من المال ابداء و انما من اجل ان ينخرط – ذلك الجهاز – في مسيره العداله الاسلاميه المثلي التي جسدها الامام (ع)‌في حياه الناس. فكان الامام حريصا علي ان يلتزم موظفو ذلك الجهاز باقصي درجات العدل و الفضيله و النبل، و الشعور بالمسؤوليه، فليست مهمتهم في نظر الامام (ع) ان يجمعوا المال من اجل المال، و انما ينبغي عليهم ان يلتزموا الحق في تعاملهم مع الامه و ان يعكسوا عداله الاسلام لمن يلتقون بهم من الناس؛‌ فلا ينبغي ان يغضبوا احدا من الناس، و لا يسيؤوا معامله احد، و لا يضربوا انسانا من اجل درهم مثلا، و لا يجوز ان يعتدوا علي مال امري من المسلمين او من غيرهم ممن يتمتع بحق التابعيه للدوله الاسلاميه.

كما لا يجوز ابدا ان يبيعوا كسوه انسان او دابته من اجل استيفاء المال، و لا يحق لاحد الجباه ان يردع احدا او يستوفي اكثر من حق الله في ماله، و لا ينبغي ان يستعلي علي الناس او يبخل عليهم بالتحيه او اللطف و المرونه في معاملتهم الي غير ذلك من وصاياه و برامجه العظيمه البناءه.

و هذه صور من مناهجه في هذا المضمار:‌ «… فانكم خزان الرعيه و وكلاء الامه، و سفراء الائمه و لا تحشموا احداً عن حاجته و لا تحبسوه عن طلبته، و لا تبيعن للناس في الخراج كسوه شتاء و لا صيف و لا دابه يعتملون عليها و لا عبدا،‌و لا تضربن احداً سوطاً لمكان درهم و لا تمسن مال احد من الناس مصل و لا معاهد..».

«… انطلق علي تقوي الله وحده لا شريك له، و لا تروعن مسلما و لا تجتازن عليه كارها، و لا تاخذن منه اكثر من حق الله في ماله، فاذا قدمت علي الحي فانزل بمائهم من غير ان تخالط ابياتهم،‌ثم امض اليهم بالسكينه والوقار حتي تقوم بينهم فتسلم عليهم، و لا تخدج بالتحيه لهم. ثم تقول:‌ عباد الله، ارسلني اليكم ولي الله و خليفته لاخذ منكم حق الله في اموالكم، فهل لله في اموالكم من حق فتؤدوه الي وليه…؟»

ثانيا – تجسيد المخطط الاسلامي للعداله الاجتماعيه باجلي صوره و ادق تفصيلاته:‌

اذا كانت جميع جوانب الجهاز الحكومي في الدوله الاسلاميه قد تناولتها يد الاصلاح، فحققت ارقي النماذج التي يصبو اليها الانسان، فان الامام(ع) قد خطا في سبيل تحقيق افضل صوره للعداله الاجتماعيه وفقا للتصورات الاسلاميه التفصيليه.

فقد شهد المجتمع الاسلامي بجميع قطاعاته و قواه عداله رائده كالتي شهدها ايام رسول الله (ص) في منطلقاتها و ابعادها.

و فيما يلي شواهد من تلك التجربه التاريخيه المشعه التي تفيات الامه ظلالها:

ا – رفق و تعاهد:‌

فقد شهدت قطاعات الامه جميعا صورا من التعاهد لامرها و الرفق بها و رعايه شؤونها، و التسويه في العطاء بين جميع حمله التابعيه للدوله الاسلاميه التي تجسدها هذه النصوص:«المال مال الله يقسم بينكم بالسويه لا فضل لاحد علي احد».

«و ايم الله لا نصفن المظلوم من ظالمه، و لاقودن الظالم بخزامته حتي اورده منهل الحق و ان كان كارها».

اقول الي جانب هذا و ذاك، شهدت الامه التي قادها اميرالمؤمنين (ع) بمختلف قطاعاتها من الوان التدبير لشؤونها، و الرعايه لامورها، و الحدب عليها ما حقق لها الكرامه و السعاده و الحريه و هذه صور منها:

عن الحكم قال:

شهدت عليا، و قد اتي له بزقاق من عسل،‌ فدعا اليتامي و قال :‌ذوقوا و العقوا، حتي تمنيت اني يتيم،‌فقسمه بين الناس و بقي منه زق،‌فامر ان يسقاه اهل المسجد».

و عن هارون بن عنتره عن زاذان قال:‌انطلقت مع قنبر غلام علي (ع) فاذا هو يقول : قم يا اميرالمؤمنين فقد خبات لك خبيئا.

قال (ع) : و ما هو، ‌و يحك!!

قال : قم معي …

فقام فانطلق به الي بيته، و اذا بغراره مملوءه من جامات ذهبا و فضه. فقال : يا اميرالمؤمنين، رايتك لا تترك شيئا الا قسمته فادخرت لك هذا من بيت المال.

فقال علي (ع) : و يحك يا قنبر، لقد احببت ان تدخل بيتي نارا عظيمه، ثم سل سيفه، وضربها ضربات كثيره، فانتثرت.. ثم دعا بالناس، فقال:‌اقسموه بالحصص، ثم قام الي بيت المال،‌ فقسم ما وجد فيه، ثم راي في البيت ابرا و مسال فقال : و لتقسموا هذا…»

و عن الحكم قال :‌ ان عليا قسم فيهم الرمان حتي اصاب مسجدهم سبع رمانات، و قال : ايها الناس انه ياتينا اشياء نستكثرها اذا رايناها،‌و نستقلها اذا قسمناها، و انا قد قسمنا كل شيء اتانا.قال : و اتته صفائح فضه فكسرها،‌و قسمها بيننا.

و عن علي بن ربيعه قال : جاء ابن التياح الي علي بن ابي طالب (ع) فقال : يا امير المؤمنين امتلا بيت المال من صفراء‌و بيضاء.

فقال علي (ع) : الله اكبر،‌ثم قام متوكئا علي يد ابن التياح، فدخل بيت المال و هو يقول:‌ -

هذا جناي و خياره فيه - و كل جان يده الي فيه ثم نودي في الناس، ‌فاعطي – علي - جميع ما في بيت المال و هو يقول:‌«يا بيضاء، ‌و يا صفراء، غري غيري».

حتي لم يبق فيه درهم و لا دينار، ‌ثم أمر بنضحه، فصلي فيه ركعتين (ع).

و كان لشده حرص الامام (ع) علي مصلحه الامه لرفع غائله الفقر و الظلم عنها انه التزم السير – عبر ايام خلافته عليها – وفقا للنهج الاتي : «… و لو شئت لا هتديت الطريق الي مصفي هذا العسل، و لباب هذا القمح، و نسائج هذا القز،‌و لكن هيهات ان يغلبني هواي،‌و يقودني جشعي الي تخير الاطعمه، و لعل بالحجاز او اليمامه من لا طمع له في القرص، و لا عهد له بالشبع، او ابيت مبطانا، و حولي بطون غرثي وأكباد حري.؟

ااقنع من نفسي بان يقال هذا:‌ اميرالمؤمنين، ‌و لا اشاركهم في مكاره الدهر او اكون اسوه لهم في جشوبه العيش؟».

ب – رقابه دقيقه لوضع السوق :

و لقد كان الامام علي (ع) حريصا علي تجسيد العداله الاقتصاديه في مرافق الحياه الانسانيه كافه، و من اجل ذلك فقد التزم خطه لمراقبه السوق من ناحيه البيع و الشراء و طبيعه ما يعرض للبيع، للحيلوله دون التطفيف في المكاييل و التلاعب بالاسعار او الغش،‌فعن الامام الباقر (ع) قال : «كان اميرالمؤمنين (ع) كل بكره يطوف في اسواق الكوفه سوقا سوقا، و معه الدره علي عاتقه، و كان لها طرفان، ‌و كانت تسمي السبيبه، فيقف علي سوق سوق فينادي:‌

يا معشر التجار قدموا الاستخاره، و تبركوا بالسهوله، و اقتربوا من المبتاعين، و تزينوا بالحلم، و تناهوا عن الكذب، و اليمين، و تجافوا عن الظلم، و انصفوا المظلومين، و لا تقربوا الربا و «اوفوا المكيال و الميزان بالقسط،‌و لا تبخسوا الناس أشياءهم، و لا تعثوا في الارض مفسدين».

و عن ابي النوار قال: رايت عليا(ع) وقف علي خياط، ‌فقال له:‌يا خياط صلب الخيط، و دقق الدرز، و قارب الغرز، ‌فاني سمعت رسول الله (ص)‌ يقول «يؤتي يوم القيامه بالخياط الخائن و عليه قميص و رداء‌مما خاطه، و خان فيه، فيفتضح علي رؤوس الاشهاد».

ثم قال : «يا خياط اياك و الفضلات و السقطات فان صاحب الثوب احق بها…».

هكذا جسد الامام اميرالمؤمنين(ع) المخطط الاسلامي للعداله الاجتماعيه بادق صورها،‌و هكذا عامل الامه بالرفق و الحب فعايش آمالها و آلامها حتي قطفت اروع ثمرات العدل في تاريخها كما كانت في عهد رسول الله (ص) سواء‌بسواء.

ج – تبني الامام علي (ع) سياسه نكران الذات لصالح الامه

و ذلك بالزهد الصادق بكل ما يطمع به الطامعون من مال و ملذات و زخرف، فلقد عاش اميرالمؤمنين في بيت متواضع لا يختلف عما يسكنه فقراء الامه،‌و كان ياكل الشعير تطحنه امراته او يطحنه بيده سواء في ذلك قبل خلافته، و بعدها.

و كان يلبس اخشن لباس و ابسطه و كان مبدؤه الثابت في هذا المضمار:‌

«… الا و ان امامكم قد اكتفي من دنياه بطمريه و من طعمه بقرصيه»، «فو الله، ما كنزت من دنياكم تبرا،‌و لا ادخرت من غنائمها و فرا،‌و لا اعددت لبالي ثوبي طمرا،‌و لا حزت من ارضها شبرا،‌و لا اخذت منه كقوت اتان دبره،‌و لهي في عيني اوهن من عفصه مقره».

و بمقدورنا ان نلمس سياسه الامام (ع) هذه مع نفسه من خلال المصاديق التاليه:

عن هارون بن عنتره عن ابيه قال :

«دخلت علي علي بالخورنفق،‌و هو في فصل شتاء، و عليه خلق قطيفه.

فقلت : يا اميرالمومنين ان الله قد جعل لك و لاهلك في هذا المال نصيبا، و انت تفعل هذا بنفسك !!

فقال (ع) : و الله ما ارزوكم – انقصكم – شيئا، و ما هي الا قطيفتي التي اخرجتها من المدينه».

و قد خاطبه عاصم بن زياد يوما بقوله « يا اميرالمومنين هذا انت في خشونه ملبسك و جشوبه ما كلك!»

فاجابه علي (ع):

«و يحك اني لست كانت. ان الله تعالي فرض علي ائمه العدل ان يقدروا انفسهم بضعفه الناس كيلا يتبيغ بالفقير فقره».

و عن سويد بن غفله قال : دخلت علي علي (ع) يوما و ليس في داره سوي حصير رث و هو جالس عليه.

فقلت :‌يا امير المؤمنين انت ملك المسلمين و الحاكم عليهم و علي بيت المال،‌و تاتيك الوفود و ليس في بيتك سوي هذا الحصير؟ قال (ع) : يا سويد ان البيت لا يتاثث في دار النقله و امامنا دار المقامه، و قد نقلنا اليها متاعنا، و نحن منقلبون اليها عن قريب.و ها هو علي يخرج سيفه ليبيعه في السوق كي يشتري بثمنه ازارا، و هو اميرالمومنين و زعيم الامه الاسلاميه الذي تحببي اليه الاموال من جميع بقاع العالم الاسلامي.

فعن ابي رجاء قال : اخرج علي (ع) سيفا الي السوق فقال‌:«من يشتري مني هذا؟ فو الذي نفس علي بيده لو كان عندي ثمن ازار ما بعته »!!!

فقلت له : انا ابيعك ازارا و انسوك ثمنه الي عطائك،‌ فدفعت اليه ازارا الي عطائه، فلما قبض عطاءه دفع الي ثمن الازار.

انه (ع) لا ياخذ من فيئهم شيئا، و ان قدر له الخروج من الكوفه، فلا يخرج الا بالذي جاء به من المدينه المنوره:‌ راحلته و رحله و غلامه:

فعن بكر بن عيسي قال : كان علي (ع) يقول : «يا اهل الكوفه، اذا انا خرجت من عندكم بغير راحلتي،‌و رحلي و غلامي فلان، فانا خائن».

فكانت نفقته تاتيه من غلته بالمدينه بينبع،‌و كان يطعم الناس منها الخبز و اللحم،‌و ياكل هو الثريد بالزيت.

و لشده حرصه (ع) علي سلوك سبيل رسول الله (ص)‌في عدله و زهده اشار عقبه بن علقمه قال : دخلت علي علي (ع) فاذا بين يديه لبن حامض، آذتني حموضته، و كسر يابس. فقلت:‌يا امير المومنين، اتاكل مثل هذا؟

فقال لي : يا ابا الجنوب، كان رسول الله ياكل ايبس من هذا، و يلبس اخشن من هذا، و اشار الي ثيابه، ‌فان انا لم آخذ بما اخذ به خفت الا الحق به.

و لعظيم ايثاره للامه علي نفسه ما رواه عبدالله بن الحسين بن الحسن (ع) قال : اعتق علي (ع) في حياه رسول الله (ص) الف مملوك مما عملت يداه، ‌و عرق جبينه.

و لقد ولي الخلافه، و اتته الاموال فما كان حلواه الا التمر و لا ثيابه الا الكرابيس.

و عن سفيان الثوري عن عمر بن قيس قال : رؤي علي علي (ع) ازار مرقوع، فعوتب في ذلك،‌فقال:

«يخشع له القلب،‌ ويقتدي به المؤمن».

و لقد بلغ في شده زهده (ع) و نكرانه لذاته ابتغاء‌لوجه الله تعالي ما يتجلي عبر عبارته «… و الله لقد رقعت مدرعتي هذه حتي استحييت من راقعها،‌و لقد قيل لي: الا تستبدل بها غيرها؟‌فقلت للقائل‌ و يحك اعزب، فعند الصباح يحمد القوم السري».

هذه بعض بنود منهاج علي (ع) مع نفسه و هي تمثل احد روافد العداله الاسلاميه العظمي التي جسدها الامام (ع) في دنيا الناس اسوه برسول الله (ص)‌.

د – مساواه اهل بيته بسائر الناس:‌

اما منهاج اميرالمؤمنين (ع) الذي سلكه في اهل بيته و قرابته فلم يكن بعيدا عن منهاجه مع نفسه الا من حيث الدرجه، فقد كان مبنيا علي اساس مساواتهم بالامه في الحقوق و الواجبات، بل ان الذي يتحملونه من مهام من اجل حمايه الرساله و المسيره الاسلاميه اكثر بكثير مما ينالون من حقوق…

فقد كان الامام (ع) حريصا علي معامله ذويه في مساله الحقوق كما لو كانوا من عامه الناس،‌فلا يفضلهم بعطاء، و لا يميزهم بحق، فلقد سلك معهم اسلوب التدريب و الاعداد للعمل بمنهاجه معهم،‌بل كان يبدون شديداً مع بعضهم من اجل ان ينتهج الخط الذي رسمه الامام (ع) لمتعلقيه و اهل قرابته.

و هاك صورا من منهاجه ذلك:

قال مسلم صاحب الحنا:‌

«لما فرغ علي (ع)‌ من اهل الجمل اتي الكوفه، و دخل بيت المال، ثم قال : يا مال غرغيري،‌ثم قسمه بيننا، ثم جاءت ابنه للحسن او للحسين(ع) فتناولت منه شيئا، فسعي وراءها ففك يدها و نزعه منها، فقلنا:‌ يا امير المؤمنين ان لها فيه حقا، قال (ع) : اذا اخذ ابوها حقه فليعطها ما شاء».

و روي هارون بن سعيد قال : قال عبدالله بن جعفر بن ابي طالب لعلي (ع) :‌يا امير المؤمنين، لو امرت لي بمعونه او نفقه؛ فو الله ما لي نفقه الا ان ابيع دابتي !!

فقال الامام (ع) :‌لا والله،‌ما اجد لك شيئا الا ان تامر عمك ان يسرق فيعطيك…

و قد جاءه اخوه عقيل - و كان ضريرا – يوما يطلب صاعا من القمح من بيت مال المسلمين – زياده علي حقه – و ظل يكرر طلبه علي علي (ع)، فما كان من الامام اميرالمؤمنين الا و احمي له حديده علي النار و ادناها منه، ففزع منها عقيل. ثم وعظه: «يا عقيل اتئن من حديده احماها انسانها للعبه و تجرني الي نار سجرها جبارها لغضبه،‌ اتئن من الاذي و لا ائن من لظي…».

و عن ابي صادق عن علي (ع) :‌انه تزوج ليلي،‌فجعلت له حجله،‌فهتكها، ‌و قال:

حسب آل علي ما هم فيه.

و عن الحسن بن صالح بن حي قال :

- بلغني ان عليا (ع) تزوج امراه فنجدت – زينت – له بيتا،‌فابي ان يدخله.

و عن كلاب بن علي العامري قال :

زفت عمتي الي علي (ع) علي حمار باكاف تحتها قطيفه،‌و خلفها قفه معلقه !!

هكذا كان منهاج علي (ع) مع اهل بيته و ذوي قرابته لا يفرط من اجلهم بحق من حقوق السلمين ابداء بل يعمل كل ما من شانه علي رفع مستواهم باتجاه مبادئه في الزهد، و نكران الذات في سبيل الله تعالي، و لصالح مجموع الامه.

و لقد كان منهجه واضحا كل الوضوح لا لبس فيه و لا غموض و لا يخضع لعاطفه او مساومه ابدا «… و الله لئن ابيت علي حسك السعدان مسهدا او اجر في الاغلال مصفدا احب الي من ان القي الله و رسوله يوم القيامه ظالما لبعض العباد،‌و غاصبا لشيء من الحطام، و كيف اظلم احدا لنفس يسرع الي البلي قفولها، و يطول في الثري حلولها…».

و هذا السبيل الذي اختاره الامام (ع) انما يمثل احد مصاديق العدل الاجتماعي الشامل الذي حرص اميرالمومنين (ع) علي تجسيده واقعا حيا في دنيا الناس.

سياسة رد الفعل:

و بسبب ما الفه رجالات قريش من اثره و امتيازات لا حصر لها فقد كبر عليهم ان ينهج الامام (ع) نهج التسويه في الحقوق – كما امر الله سبحانه – و غيره من مباديء العداله الاجتماعيه التي تبناها بقوه و حرص حرصا شديداً‌علي تنفيذها في دنيا الناس.

فقد انكر الزبير بن العوام و طلحه بن عبيدالله علي الامام (ع) سياسته تلك و اعتبراها مخالفه للنهج الذي الفه الناس:

فقال لهما الامام (ع) : ما الذي كرهتما من امري حتي رأيتما خلافي؟

قالا:‌انك جعلت حقنا في القسم كحق غيرنا،‌و سويت بيننا و بين من لا يماثلنا فيما افاء الله علينا باسيافنا و رماحنا و او جفنا عليه بخيلنا و لجنا و ظهرت عليه دعوتنا، و اخذناه قسراً قهراً ممن لا يري الاسلام الا كرها.

فقال الامام (ع) لهما:‌«لقد نقمتما يسيرا و ارجاتما كثيرا الا تخبراني اي شيء كان لكما فيه حق دفعتكما عنه؟‌ام اي قسم استاثرت عليكما به؟ ام اي حق رفعه الي احد من المسلمين ضعفت عنه ام جهلته، ام اخطات بابه؟

و الله ما كانت لي في الخلافه رغبه، و لا في الولايه اربه،‌و لكنكم دعوتموني اليها،‌و حملتموني عليها، فلما افضت الي نظرت الي كتاب الله، و ما وضع لنا، و امرنا بالحكم به، فاتبعته، و ما استسن النبي صلي الله عليه و آله و سلم، ‌فاقتديته، فلم احتج في ذلك الي رايكما،‌و لا راي غيركما و لا وقع حكم جهلته فاستشيركما و اخواني من المسلمين،‌و لو كان ذلك لم ارغب عنكما،‌و لا عن غيركما.

و اما ما ذكرتما من امر الاسوه – التسويه في العطاء – فان ذلك امر لم احكم انا فيه برايي، و لا وليته هوي مني، بل وجدت انا و انتما ما جاء به رسول الله – صلي الله عليه و آله و سلم – قد فرغ منه، فلم احتج اليكما فيما قد فرغ الله من قسمه، و امضي فيه حكمه،‌فليس لكما، و الله، عندي و لا لغيركما في هذا عتبي، اخذ لله بقلوبنا و قلوبكم الي الحق، و الهمنا و اياكم الصبر … رحم الله رجلا راي حقا فاعان عليه، او راي جورا فرده،‌و كان عونا بالحق علي صاحبه…».

و هكذا تختلف المنطلقات و المفاهيم،‌ ينطلق علي (ع) مما يامر به الله تعالي ورسوله (ص)‌بينما تنطلق «المعارضه» مما توحي به مصالحها.

موقف معاويه:‌
و ما ان تناقلت الانباء امر استخلاف الامام علي (ع) و نهوضه باعباء قياده الامه الا و فزع معاويه بن ابي سفيان معلنا معارضته و رفضه.

و في الثناء ورد عليه كتاب من ابن العاص يطلعه علي حقيقه الموقف في عاصمه رسول الله (ص):

«من عمرو بن العاص الي معاويه بن ابي سفيان : اما بعد،‌ ما كنت صانعا فاصنع، اذ قشرك ابن ابي طالب من كل ما تملكه كما تقشر عن العصا لحاها…».

و ها هو الامام (ع) يكتب لمعاويه كتابا يستقدمه فيه، بيد انه لم يستجب للامام (ع)‌بل و لم يرد علي كتابه.

و بعد مضي ثلاثه شهور علي مقتل عثمان،‌و قيام الامام علي (ع) بالامر يشهر معاويه سلاح المطالبه بدم عثمان،. متخذا منه ذريعه للخروج علي امام زمانه.

وقد بدات معارضته بنشر ثوب عثمان الدامي في مسجد دمشق و شعيرات من لحيته، و قد جمد عليها الدم،‌و وراح يستشير اهل الشام للنهوض من اجل عثمان و الانتقام ممن قتله، و من ثم ارسل رسولا الي الامام (ع) حتي اذا وصل الرسول الي المدينه المنوره جعل يسير في دروبها،‌و هو يحمل صحيفه مختومه مكتوبا عليها من «معاويه الي علي» و هو عنوان يثير الدهشه لدي الناس فهو خال من كل لياقه و كياسه، كما يشير الي ان مرسله لا يحمل الي زعيم المسلمين اي شعور بالاحترام و التقدير.

و فض الامام (ع) صحيفه معاويه، فوجدها بيضاء‌ لا حرف فيها فسال رسول معاويه : ما وراءك؟

قال بعد ان استامن الامام (ع) : اني تركت ورائي اقواما يقولون لا نرضي الا بالقود.

قال الامام (ع) : ممن؟

قال : يقولون من خيط رقبه علي، و تركت ستين الف شيخ يبكون تحت قميص عثمان،‌و هو منصوب لهم قد البسوه منبر مسجد دمشق، و اصابع زوجته نائله معلقه فيه.

فقال الامام :‌امني طلبون دم عثمان،‌اللهم اني أبرأ اليك من دم عثمان…

ثم امر الامام (ع) رسول الشام ان يغادر بعد آن منحه الامان.

و منذ ذلك التاريخ بادر الامام (ع) بتجهيز جيشه لاخماد حركه البغاه التي قادها معاويه في الشام.

خلفيات المطالبه بدم عثمان:

و لنا ان نتساءل قبل ان نمضي في حديثنا قدما، هل كانت الاطراف في كل من الشام و البصره صادقه في ادعاء المطالبه بدم الخليفه الثالث

و للاجابه عن هذا السوال الذي يفرض نفسه علي الكاتب و القاري معا في هذه المساله: لابد من الرجوع الي مواقف تلك الاطراف جميعا ايام الثوره التي تمخض عنها مقتل عثمان.

فقد كان معاويه يعلم بتفاصيل ما يجري للخليفه في المدينه،‌و قد استغاث به الخليفه ايام الحصار فلم يغثه بشيء حتي ارسل معاويه جيشا الي المدينه بقياده يزيد بن اسد القسري و قال له:‌« اذا اتيت ذا خشب – منطقه خارج المدينه – فاقم بها و لا تتجاوزها،‌و لا تقل الشاهد يري ما لا يري الغائب فانني انا الشاهد و انت الغائب».

فاقام القسري بجيشه في المكان الذي حدده معاويه، فلما قتل عثمان استدعي معاويه الجيش و قائده الي الشام.

هذه بعض مواقف معاويه،‌من عثمان بن عفان ايام حكمه و محنته و من هنا فان شعار المطالبه بدم الخليفه القتيل من قبله كان مجرد وسيله لاستدرار العطف و تجميع الانصار. فدوافعه الحقيقيه انما تكمن في نقمته علي سياسه علي (ع) الاصلاحيه و التي كانت تمس مصالح المترفين علي حساب المجتمع بشكل او باخر.

و قد افصح الامام (ع) عن موقفه ازاء مقتل الخليفه عثمان بقوله:‌ «اللهم اني ابرا اليك من دم عثمان، ما نجا و الله قتله عثمان الا ان يشاء الله، فانه اذا اراد امرا بلغه».

و يتضح موقف الامام (ع) كذلك من كتاب له الي معاويه حيث جاء فيه «و قد اكثرت في قتله عثمان، فادخل فيما دخل فيه الناس ثم حاكم القوم الي احملك و اياه علي كتاب الله، فاما تلك التي تريدها فخدعه..».

موقف الامام علي (ع) ايام الازمه:‌

و من الضروري جدا ان نشير و لو بشكل مقتضب الي موقف الامام (ع) ايام الازمه التي تعرضت لها الخلافه في عهد عثمان : -

فحين هاج الناس في عهد عثمان حاول الامام (ع) ان يقنع الخليفه بضروره الاصلاح، و جرت بينهما احاديث بهذا الشان، و مما نصح به الامام (ع) الخليفه قوله:‌

«… و اني انشدك الله الا تكون امام هذه الامه المقتول فانه كان يقال:‌يقتل في هذه الامامه امام يفتح عليها القتل و القتال الي يوم القيامه، و يلبس امورها عليها، و يبث الفتن فيها، فلا يبصرون الحق من الباطل، يموجون فيها موجا و يمرجون فيها مرجا، فلا تكونن لمروان سيقه يسوقك حيث يشاء بعد جلال السن و تقضي العمر..».

فقال له عثمان: «لكم الناس في ان يؤجلوني حتي اخرج اليهم من مظالمهم».

فقال الامام (ع) : «ما كان بالمدينه، فلا اجل فيه، و ما غاب فاجله وصول امرك اليه».

قال الخليفه: نعم و لكن اجلني فيما بالمدينه ثلاثه ايام.

فخرج الامام الي الناس،‌و اخبرهم بما وعد به الخيلفه،‌و كتب بينهم و بين عثمان كتابا و اشهد عليه قوما من وجوه المهاجرين و الانصار.

و حيث لم يتيسر لعثمان ان يبر بوعده للناس تازم الموقف مجددا… و قد زاد في حراجه الموقف عثور المصريين الثوار علي بريد من عثمان الي عامله بمصر يامره بمعاقبه قاده الثائرين بالقتل و معاقبه كل متظلم بالسجن و نحو ذلك…

فحوصر الخليفه من قبل المهاجمين و الطامعين في الخلافه معا حتي قطع عنه الماء – كما قدمنا – فاستنجد بالامام علي (ع) فاسرع لانقاذه و ارغم طلحه و سواه، و ادخل اليه الماء.

و بعد ان طال حصار الخليفه – اربعين يوما – طلب بعض الناس من علي (ع) ان يصلي بهم،‌فابي.

فتولي طلحه امامه الصلاه …!

هذه بعض مواقف الامام (ع) من اجل عثمان … و بالرغم من تلك المواقف النبيلة التي وقفها الامام (ع) من اجل الخليفه فانه لا يعني بحال ان الامام كان راضيا عن سياسه الخليفه في المال و الاداره.

بيد ان الامام (ع) كان يري في قتل عثمان خطرا يتهدد الامه بالنظر لما يعقبه من تمزق في الصف الاسلامي،‌و تجرؤ من قبل المتربصين بالاسلامي و المسلمين.

الامر الذي وقع فعلا بعد مقتل الخليفه المذكور مباشره.

في ذمة الله:



انهي الامام (ع) مقاومه المارقين، فشمّر عن ساعديه لاستئناف قتال القاسطين في الشام بعد ان فشل التحكيم عند اللقاء الثاني بين الحكمين.

و قد امر الامام (ع) بتعبئه جيشه، و اعلن حاله الحرب لتصفيه قوي القاسطين البغاه التي يقودها معاويه،‌و جاء اعلان الحرب من خلال خطبه لاميرالمؤمنين (ع) خطبها في الكوفه – عاصمه الدوله الاسلاميه – فضمنها دعوته للجهاد.

«… الجهاد، الجهاد عباد الله! الا و اني معسكر في يومي هذا… فمن اراد الرواح الي الله،‌فليخرج!».

ثم بادر الامام (ع) الي عقد الويه الحرب،‌ فعقد للحسين رايه و لابي ايوب الانصاري اخري، و لقيس بن سعد ثالثه.

و بينما كان اميرالمؤمنين يواصل تعبئه قواته من اجل ان ينهي حركه البغي التي يقودها معاويه في بلاد الشام كان يجري في الخفاء تخطيط لئيم من اجل اغتيال الامام (ع).

فقد كان جماعه من الخصوم قد عقدوا اجتماعا في مكه المكرمه، و تداولوا في امر حركتهم، التي انتهت الي اوخم العواقب.

فخرجوا بقرارات كان اخطرها قرار اغتيال اميرالمؤمنين (ع) و قد او كل امر تنفيذ للمجرم الاثيم (عبدالرحمن بن ملجم المرادي). و في ساعه من احرج الساعات التي يمربها الاسلام و المسيره الاسلاميه،‌و بينما كانت الامه تتطلع الي النصر علي عناصر البغي و الفرقه التي يقودها معاويه بن ابي سفيان،‌امتدت يد الاثيم المرادي الي علي (ع) فضرب الامام (ع) بسيفه و هو في سجوده عند صلاه الفجر، و في مسجد الكوفه الشريف، و ذلك في صبيحه اليوم التاسع عشر من شهر رمضان المبارك عام 40 هجريه.

لقد اغتيل الامام (ع) و هو في افضل ساعه حيث يقوم بين يدي الله في صلاه خاشعه.

و في اشرف الايام اذ كان يؤدي صوم شهر رمضان. ثم هو (ع) في اعظم تكليف اسلامي حيث كان في طريقه لخوض غمار حرب جهاديه، كما كان في بقعه من اشرف بقاع الله و اطهرها «مسجد الكوفه».

فطوبي لعلي و حسن مأب.

لكن جريمه قتل علي (ع) تبقي اشرس جريمه و اكثرها فظاعه و وحشيه، لانها جريمه لم تستهدف رجلا كباقي الرجال، انما استهدفت القياده الاسلاميه الراشده بعد رسول الله (ص). و استهدفت كذلك اغيتال رساله، و تاريخ، و حضاره، و امه كلها تتمثل في شخص علي اميرالمؤمنين(ع).

و بهذا خسرت الامه الاسلاميه مسيره و حضاره، و اروع فرصه و اطهرها في حياتها بعد رسول الله صلي الله عليه و آله.

و لقد بقي الامام (ع) يعاني من علته ثلاثه ايام، عهد خلالها بالامامه الي ولده الحسن السبط (ع) ليمارس بعده مسؤولياته في قياده الامه الفكريه و الاجتماعيه.

و كان (ع) طوال الايام الثلاثه – كما كان طول حياته – لهجا بذكر الله، و الثناء عليه و الرضا بقضائه،‌و التسليم لامره، كما كان يصدر الوصيه تلو الوصيه، و التوحيه الحكيم اثر التوجيه،‌مرشدا للخير، دالا علي المعروف، محددا سبل الهدي، مبينا طريق النجاه، داعيا لاقامه حدود الله تعالي و حفظها، محذرا من الهوي و النكوص عن حمل الرساله الالهيه.

و هذه واحده من وصاياه بهذا الشان – مخاطبا بها الحسن و الحسين سبطي رسول الله (ص) و اهل بيته و اجيال الامه:‌

«اوصيكما بتقوي الله، و الا تبغيا الدنيا و ان بغتكما، و لا تاسفا علي شيء منها زوي عنكما، و قولا بالحق، و اعملا للاجر و كونا للظالم خصما و للمظلوم عونا.

اوصيكما، و جميع ولدي و اهلي و من بلغه كتابي، بتقوي الله، و نظم امركم، و صلاح ذات بينكم، فاني سمعت جد كما – صلي الله عليه و آله و سلم – يقول : «صلاح ذات البين افضل من عامه الصلاه و الصيام».

الله الله في الايتام،‌فلا تغبوا افواههم، و لا يضيعوا بحضرتكم.

الله الله في جيرانكم، فانهم وصيه نبيكم. ما زال يوصي بهم، حتي ظننا انه سيورتهم.

الله الله في القرآن، لا يسبقكم بالعمل به غيركم.

الله الله في الصلاه، فانها عمود دينكم

الله الله في بيت ربكم، لا تخلوه ما بقيتم، فانه ان ترك لم تناظروا.

الله الله في الجهاد باموالكم و انفسكم و السنتكم في سبيل الله.

و عليكم بالتواصل و التباذل، و اياكم و التدابر و التقاطع، لا تتركوا الامر بالمعروف و النهي عن المنكر فيولي عليكم شراركم، ثم تدعون فلا يستجاب لكم.

ثم قال :

يا بني عبدالمطلب، لا الفينكم تخوضون دماء‌ المسلمين خوضا، تقولون:‌«قتل اميرالمؤمنين» الا لا تقتلن بي الا قاتلي.

انظروا اذا انامت من ضربته هذه، فاضربوه ضربه بضربه، و لا تمثلوا بالرجل، فاني سمعت رسول الله – صلي الله عليه و آله و سلم – يقول : «اياكم و المثله و لو بالكلب العقور».

و هكذا كانت النهايه المؤلمه لهذا الرجل العظيم..

فلقد كانت خساره الرساله و الامه بفقده من افدح الخسائر التي اصيبت بها الامه بعد رسول الله (ص).

فبموت علي (ع) فقدت الامه:‌

بطوله غدت انشوده للزمان …

و شجاعه ما حلم التاريخ بمثلها…

و حكمه لا يعلم بعده الا الله…

و طهرا ما اكتسي به غير الانبياء…

و زهدا في الدنيا ما بلغه الا المقربون.

و بلاغه كانما هي رجع صدي لكتاب الله.

و فقها و علما و تضلعا باحكام الرساله رشحته لان يكون باب مدينه علم الرسول (ص) و مرجعا للامه الاسلاميه في جميع شؤونها.

فسلام علي اميرالمؤمنين علي يوم ولد و يوم قضي شهيدا في محرابه. و يوم يبعث حيا.

و الحمد لله رب العالمين

الزيلعي
03-24-2005, 03:39 AM
فسلام علي اميرالمؤمنين علي يوم ولد و يوم قضي شهيدا في محرابه. و يوم يبعث حيا.


احسنتم


نسالكم الدعاء

محبة الحسين
03-24-2005, 05:03 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليك ياأباالحسنين
مشكور أخي الكريم في ميزان حسناتكم إن شاء الله.
تحياتي
محبة الحسين

ريم الولاية
03-25-2005, 12:57 AM
بارك الله فيكم اخي / عاشق ال البيت


في ميزان حسناتكم


تحيااتي ,,,, ريم الولاية