المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رسالة الشيخ السبحاني ردا على الشيخ القرضاوي


حيات الأرواح
10-27-2008, 03:35 PM
رسالة الشيخ السبحاني ردا على الشيخ القرضاوي

--------------------------------------------------------------------------------

وردتني على الإيميل هذه الرسالة، ولما فيه من فوائد جمة أحببت أن يقرأها الجميع.. مع أنه كان في نيتي كتابة رسالة مفصلة على طريقة رسالتي إلى الدكتور أحمد بحر نائب رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني النائب عن حركة حماس في المجلس.. إلا أنني رأيتُ مناكفات في أحد المواقع وتجاذبات شيعية شيعية على إثر مطالبة الشيخ حسن الصفار التهدئة، والحملة ضده على إثره ليقوم آخرون بعرض موقف الإمام الخامنئي، وقراءته بنفس النسق.. مما أدى إلى تشنجات حزبية جعلتني أتريث في كتابة الرسالة واللغة التي أكتبها بها.. إلا أنني على إثر رسالة الشيخ الفقيه المرجع السبحاني أرى أنني أكتبها.. وفور الانتهاء منها إن شاء الله تعالى سأرسلها إلى الشيخ القرضاوي، ثم سأعرضها في مواقع الانترنت.. لقراءة التعاطي الشيعي مع مستجداتٍ كهذه.. أو على الأقل قراءة طيفٍ شيعيٍ عينه على أمته لا شك سينظم إليه شريحة كبيرة من جميع الطوائف الإسلامية إن بلغها نص الخطاب..

أسأل الله التوفيق والنصرة لهذه الأمة المظلومة..
رسالة الشيخ السبحاني ردا على الشيخ القرضاوي



سماحة الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي دامت بركاته
السلام عليكم ورحمة الله و بركاته

أسأل الله تعالی أن يحفظكم رجل توحيد وتقريب بين المسلمين، ويسدد خطاكم لنشر المعارف الإسلامية الحقّة في أوساط الأمة الإسلامية.

قرأت البيان الصادر عنكم بتاريخ 13رمضان عام 1429الموافق للثالث عشر من الشهر التاسع عام 2008، والذي ترد فيه علی ما جاء في وكالة مهر الإيرانية، وعلی العلمين الجليلين: محمد حسين فضل الله ومحمدعلي التسخيري حفظهما الله تعالی.

لا ريب أنّ البيان المذكور يحتوي علی أمور تستحق الثناء والتقدير حيث ذكرتم وبطريقة استدلالية براءة الشيعة من القول بتحريف القرآن، وموقفكم الداعم لحق إيران في امتلاك التقنية النووية للأغراض السلمية. فلقد اعتدنا من علمائنا الكبار النظر إلی الأمور بأفق رحب وروح منفتحة، والإعلان عنها بشجاعة، وهذا ماشاهدناه من جنابكم هنا، بعيداً عن التقوقع الطائفي والنظر إلی الاختلافات الجزئية التي تحجب الرؤية وتؤدي إلی ضيق الأفق.

لا شك أنّ سماحتكم من رجال التقريب، والسعي إلی حفظ وحدة الكلمة، ولكم في هذا المضمار الكثير من المقالات والمحاضرات، وهذا أمر يعرفه الجميع، ‌ولا يمكن أن نتوقع من جنابكم غير الاقتداء بشيخكم الكبير المرحوم محمود شلتوت الأمر الذي يؤدي إلی استحكام حبل التقريب.

لا ريب أنّ الاختلاف بين المسلمين يمتد بجذوره إلی ما بعد رحيل الرسول الإكرم(ص) وهذه الاختلافات قائمة حتی الساعة ولا يمكن معالجتها في يوم أو يومين أو سنة أوسنتين، ‌وإنّما الذي نتوقعه من الرجال الكبار والشخصيات الحكيمة هو التركيز والإصرار علی المشتركات وعدم النظر إلی المسائل الخلافية. وطرحها في الملتقيات العلمية بعيداً عن صخب السياسة، ليتسنّی لنا حصرها في دائرةضيقة ومحدودة.

وهنا أود أن أذكر سماحتكم ببعض الأمور التي أراها ضرورية:
1. تعلم سماحة الشيخ كما يعلم سائر المفكّرين أنّ الغرب والصهيونية العالمية ومن أجل إبعاد المسلمين عن الفكر الإسلامي رفعوا ومنذ فترة طويلة شعارات ثلاثة هي:
1.التخويف والتحذير من الإسلام.
2. التخويف والتحذير من إيران.
3. التخويف والتحذير من الشيعة.

ولقد عملت وسائلهم الإعلامية بكل أنواعها وبكل قوة لترسيخ ذلك في أذهان العالم الغربي، بل في أصقاع المعمورة، وكأنّ الإسلام غول يهدد البشرية والسلام العالمي!! في مثل هذه الظروف الحسّاسة لا نری مبرراً لما قمتم به سماحة الشيخ من لقاء مع صحيفة «المصري اليوم» وما تحدثتم به بخصوص التشيع والتبشير الشيعي - حسب تعبيركم - في البلدان ذات الغالبية السنية، وتحذيركم من ذلك وإطلاقكم لصفارة الإنذار!! وماهي الحصيلة التي يخرج بها القارئ (حتی لو كانت خلافاً لماتقصدونه)؟ أليست الحصيلة التي يخرج بها هي تأييد موقف المستكبرين والصهاينة وإعطاء الشرعية والمصداقية لما ينشرونه وتبلّغه وسائل إعلامهم المسمومة؟!!

2. لقد أكّدتم سماحة الشيخ من جهة علی كون الشيعة مبتدعة، ومن جهة ثانية أكّدتم أنّ الفرقة الناجية هم أهل السنة، مستنداً في ذلك إلی الحديث المعروف:« ستفترق أمتي إلی ثلاث وسبعين فرقة»، هنا نسأل سماحتكم ما هي الحصيلة التي يخرج بها شاب متعصب من شباب أهل السنّة؟ أليست هي القيام بربط حزام ناسف من المتفجرات ليقوم بقتل العشرات من الشباب والأطفال والنساء من المؤمنين في مدن العراق وغيرها من البلدان الإسلامية، وهذا ما يقوم به العشرات من الشباب الأردني والسعودي والأفغاني والمغربي مستندين في عملهم هذا إلی فتاوی تكفرية ومواقف إقصائية يقوم بها بعض الرجال المحسوبين علی العلم والفتوی، حتی وصل الأمر إلی حد تقيم عائلة الانتحاري الأردني الذي فجّر نفسه في أوساط المؤمنين في مدينة الحلة العراقية مجلس عرس تتلقی فيه التهاني والتبريك بتلك المناسبة!!!
سماحة الشيخ، إن لكلْ مقام مقالاً كما يقول الحكماء، فهل ياتری كان من المناسب في تلك الظروف العصيبة التي تمر بها أمتنا الإسلامية والتي تتكالب فيها قوی الاستكبار العالمي علی العالم الإسلامي بأسره، أن يصدر من عالم ومفكّر إسلامي ما يثير النائرة ويشعل نار الحقد والصراع في أوساط المسلمين ممّا قد يؤدي إلی الصراع الداخلي لا سماح الله؟!!!
وإذا كان كل من الإخوة السيد فضل الله والشيخ التسخيري- اللّذين تربطهما بكم علاقة الود وتكن لهما مشاعر الحب والاحترام- لم يرتضيا الطريقة التي طرحتم فيها القضية، فإنّهما ينطلقان في واقع الأمر ممّا ذكرناه لكم من أنّ ذلك لا يليق بشأنكم وليس في صالح المسلمين أبداً.

3. اعتبرتم انتقال مجموعة من الشباب السني- في بعض البلدان التي يقطنها أهل السنة- إلی التشيع تبشيراً شيعياً وخطراً يستحق الوقوف أمامه ودق صفارة الإنذار، وانّ عدم التصدّي له يمثّل مخالفة للدين وخيانة للأمانة التي في عنقكم، ولكن في نفس الوقت غضضتم الطرف عمّا يجري في السعودية والإمارات وغيرها منالبلدان السنية من الحملة الشعواء التي تشن علی المفكّرين الشيعة والفكر الإمامي، فما من ساعة تمر إلّا وتجد إصداراً- كتاباً أو رسالةً- ينال منهم، والذي يؤسف له أنّ مايصدر ما هو إلّا تكرار للمكرّرات، وتهم واهية لا تقوم علی دليل، ولا تستند إلی برهان؛ أليس من اللائق بجنابكم الكريم التصدي لمثل هذه الحملة المسعورة التي تنال من طائفة كبيرة من المسلمين!! بل نجد البعض قد تمادی في غيّه وكذبه بحيث صنّف كتباً في ذم الشيعة ونسبها إلی شخصيات شيعية من أمثال المرحوم العلامة السيد العسكري وبعضها نسبوها لي شخصياً موحين للناس أنّنا من المبلّغين للمذهب الوهابي والمهاجمين للتشيع!!
وأخيراً نشر كتاب في موطنكم مصر العزيزة في نقد رأيي الفقهي حول مسألة «الصلاة خير من النوم» امتلأ الكتاب بالسب والشتم والكلام القاذع والافتراء و... وهو من تأليف علاء الدين البصير، ثم طبع هذا الكتاب مرة ثانية ضمن سلسلة «محققو الشيعة في الميزان» واعطاه ناشروه اسم «جعفر سبحاني... لا محقق مقرب» ومن العجب أن يقدّم لهذا الكتاب أستاذ من الأزهر هو الدكتور محمد عبد المنعم البري وهو عميد مركز الدراسات الإسلامية بجامعة الإزهر، ورئيس جبهة علماء الأزهر (وقد طبع في مصر ونشر عام 2007م، في مركز التفوير بالقاهرة)؛ لا أدري هل البحث الفقهي يستحق كل هذا التحامل والتشنيع والتسقيط؟!!

4. أكّدتم في بيانكم علی حديث «ستفترق أمتي إلی ثلاث وسبعين فرقة» وهنا أود التذكير بأنّ الحديث قد ضعّفه المحقّقون في علم الحديث، وعلی فرض وجودسند معتبر للحديث فلا يصحّ الاستناد إلی حديث آحاد لإثبات مثل هذا الأصل، واعتبار اثنتين وسبعين فرقة من فرق المسلمين من أصحاب النار وحصر أصحاب الجنة في فرقة واحدة.

إنّ مضمون الحديث يحكي عن عدم صحّته، وأناهنا لاأتحدّث عن فرق اليهود والنصاری، بل أتساءل أين هي فرق المسلمين الأساسية التي وصلت إلی هذا الحد، وأمّا الفرق الفرعية المذكورة في كتب الملل والنحل فقد تجاوزت الحد قطعاً؟ فهل يمكن أن نجد ذلك العدد من الفرق الإساسية في كتب الملل والنحل؟! وهل يمكن اعتبار الاختلاف في مسألة واحدة مبرراً لتصنيفها فرقة مستقلة؟ إنّ فرق المسلمين الأساسية لا تتجاوز عدد أصابع اليد، من هنا نری أصحاب كتب الملل والنحل يتشبّثون بأمور واهية لإثبات العدد المذكور ليكون دليلاً علی مصداقية الحديث.

إنّ الأجدر بالإخوة أن يستندوا في عقائدهم إلی الحديث الذي رواه البخاري حيث قال: «قال رسول الله (ص): كلّ أمتي يدخلون الجنّة إلا من أبی. قالوا: يا رسول الله وما يأبی؟ قال: من أطاعني دخل الجنية ومن عصاني فقد أبی».
فقد حدد الحديث الملاك في دخول الجنة والنار في إطاعة الرسول(ص) وعصيانه، ومن الواضح أنّ العصيان والتمرّد يصدق في حالة كون الإنسان لا يملك الحجة والدليل المعقول علی عمله، وليس خفياً عليكم وعلی المفكّرين أنّ الشيعة تستند في المسائل الخلافية إلی الدليل والحجة الكافية وإن كان ذلك غير تام في نظركم.

لقد أشرتم في بيانكم أنّ لدی الشيعة بدعتين:
الأولی: بدعة نظرية.
الثانية: بدعة عملية.
وأود هناالإشارة- رغم ضيق الوقت- إلی تحليل تلك البدع حسب رأيكم:

الأولی: البدع النظرية
1. ادّعاء الوصية لأمير المؤمنين
لا شك أنّ أساس التشيع وعماده يقوم علی الاعتقاد بأنّ المرجعية والقيادة السياسية والفكرية والعلمية بعد رحيل النبي الأكرم(ص) هي من شؤون العترة الطاهرة وعلی رأس العترة أمير المؤمنين(ع)، ولقد ثبتت الوصية له من خلال الأحاديث المتواترة أشير هنا إلی بعضها:
* لما نزل قوله سبحانه: (وأنذر عشيرتك الأقربين) (الشعراء: 214) دعا النبي(ص) خمسة وأربعين وجيهاً من وجهاء بني هاشم، فقال لهم: «يا بني عبد المطلب إنّي والله ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إنّي قدجئتكم بخير الدنياوالآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيّكم يؤازرني علی هذا الأمر، علی أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم». فكرر هذه الجملة ثلاث مرات، وفي كلّ مرة كان علي يقوم ويقول: «أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه» وفي المرة الثالثة ضرب رسول الله(ص) يده علی يد علي وقال في حقه علی رؤوس الأشهاد: «هذا علي أخي ووصيي وخليفتي فيكم».
ولولا خوف الإطالة لأشرت إلی المصادر الكثيرة التي ذكرت هذا الحديث، ولكن اكتفي بالقول:إنّه حتی مثل محمدحسنين هيكل قد نقل هذا الحديث في الطبعة الأولی من كتابه «حياة محمد» وإن حذفت في الطبعات اللاحقة.
* حديث «أنت منّي بمنزلة هارون من موسی إلّا أنّه لا نبي بعدي» ومن المعلوم أنّ استثناء النبوة فقط يحكي عن ثبوت جميع المقامات التي كانت لهارون مثل الخلافة والوزارة.
* حديث «مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق».
* حديث «من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه». ويكفي في تواتر الحديث أن نقله 120 صحابياً وما يقرب من 90 من التابعين، كما نقله 360 عالماً سنياً.

ومع كلّ هذه الأدلة الواضحة التي استندت إليها الشيعة، فعلی أقل تقدير والحد الأدنی المتوقع منكم أن تعذروهم في موقفهم وعقيدتهم لا أن تصفوهم بالمبتدعة، خاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار ما تتبنّونه معاشر فقهاء السنة الأعزاء من القول: «للمصيب أجران وللمخطئ أجر واحد» وهنا لابّد أن يستحق الشيعة الثواب والأجر لا الرمي بالابتداع.

قلتم في بيانكم أنّ الاختلاف في فروع الدين ومسائل العمل وأحكام العبادات والمعاملات، لا حرج فيه، وأصول الدين هنا تسع الجميع، وما بيننا وبين الشيعة من خلاف هنا ليس أكبر ممّا بين المذاهب السنية بعضها مع بعض.
وهنا أود أن أسأل سماحتكم هل أنّ مسألة الإمامة والخلافة عند أهل السنة من الفروع أو الأصول؟

لقد أكّد كبار علماء الأشاعرة مثل عضد الدين الإيجي في المواقف و شارحه المير سيد شريف الجرجاني و سعد الدين التفتازاني في «شرح المقاصد» وغيرهم: انّ الإمامة والخلافة من فروع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأنّه يجب علی المسلمين إشاعة المعروف والنهي عن المنكرات، وهذا لا يتحقّق إلّا في ظلل حكومة وقدرة تستطيع إجراء الأحكام وأنّ مركز هذه القدرة والسلطة هو الإمام والخليفة الذي يجب أن يوجد في أوساط المسلمين.

وهذا من الأمور التي يتفق عليها الشيعة والسنة، إلّا أنّ الاختلاف وقع في طريقة تشخيص وتحديد الخليفة والإمام حيث طرحت نظريتان:
الف. تعيين الإمام يتم عن طريق شوری المهاجرين والأنصار.
ب. تعيين الإمام يتم بتنصيبه من قبل النبي الأكرم(ص).

لست هنا في مقام ترجيح إحدی النظريتين علی الأخری،لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا كيف أصبحت إحدی النظريتين عين السنة والأخری عين البدعة؟!! والحال أنّ النظرية الأولی لا تقوم إلّا علی السيرة الناقصة للخلفاء لاأكثر، وأمّا النظرية الثانية فتستند إلی الأدلّة المحكمة والقوية.
إنّ منطق الإنصاف يقتضي ترجيح النطرية الثانية، وعلی أقل تقدير النظر إليهما نظرة واحدة لا اعتبار أصحاب النظرية الأولی هم أهل السنة وأتباع النظرية الثانية من المبتدعة (تلك إذاً قِسْمَةٌ ضيزی)!!
وأين ذهب التسامح والعيش المشترك في الفروع؟!
الجدير بالذكر أنّ تبريركم لوصف الشيعة بالمبتدعة كان في مقابل من يقول بأنّهم كفرة لايحل المشكلة أبداً، بل كان من الواجب عليكم أن تنصروا المظلوم وتدفعوا عنه تهمة الكفر والخروج عن الدين لا أن تبدّلوا التهمة بتهمة أخری، وهنا أود أن أسأل سماحة الشيخ لو أنّ شخصاً اتّهمكم بتهمة خطيرة هل تسمحون لمن يدافع عنكم أن ينفي عنكم تلك التهمة لكنّه يستبدلها بتهمة هي أقل من الأولی؟!!

2. العلم بالغيب
من الأمور التي اعتبرتموها دليلاً علی الابتداع هي قضية «العلم بالغيب»، وهنا أود أن أشير إلی أنّ العلم بالغيب نوعان:
الف: علم الغيب الذاتي وغير المحدود وهو من مختصات الباري تعالی، قال تعالی في كتابه الكريم: {قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} (65) سورة النمل
ب. علم الغيب الاكتسابي، وهذا النوع محدود أيضاً بالإذن الإلهي، وهذاالنوع من الغيب يحصل لغير الله تعالی كثيراً، ولقد جاء في سورة يوسف(ع) الكثير من الإخبارات الغيبية علی لسان كل من يعقوب ويوسف(ع)؛وكذلك جاء في القرآن الكريم الحديث عن مصاحب موسی بقوله تعالی: {فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا} (65) سورة الكهف وقد ورد عن أمير المؤمنين أنّه لمّا أخبرَ ببعض الغُيُوب، قال له رجلٌ: أُعطيتَ يا أمير المؤمنين(ع) علم الغيب! فقال: «ليس هو بعلم غيب وإنّما هو تعلمٌ من ذي علم».
وبما أنّ هذا النوع من العلم محدود فلا يكون هو المعنی الاصطلاحي لعلم الغيب، لأنّ المراد منه هو غير المحدود وهو من مختصات الباري تعالی.
من هنا إذا علم أئمة أهل البيت(ع) بالغيب وأخبروا عن المغيبات فهو من النوع الثاني الذي يحصل بإذن الله حتی للصالحين والعارفين الإلهيين الذين بذلوا عمراً طويلاً في طاعة الله تعالی والسير وفقاً لشريعة الإسلام الغّراء.

3. عصمة العترة
من الأمور التي اعتبرتموها من البدعة هي القول بعصمة الأئمة؛ وهنا أقول:
العصمة لا تعني إلّا حالة قصوی من التقوی تحصل لدی الإنسان تمنعه من ارتكاب ما لا يرضي الله تعالی، وتتجّسم أمامه آثار الذنوب ممّا يصونه عن ارتكابها. فهل من الغريب أن يطوي الإنسان مراحل الكمال الروحي حتی يصل إلی حد يعصم فيه من الذنوب وقد يصل إلی مرحلة أخری بحيث لايصدر الخطأ منه؟
إنّ مريم العذراء (عليهاالسلام) لم تكن نبية ولكن كانت معصومة ومصونة من الذنب ولقد أشار القرآن الكريم لذلك بقوله: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ} (42) سورة آل عمران
ومن المسلم أنّ المراد من التطهير هو تطهير مريم من الذنوب والخصال المذمومة؛ وهنا نسأل لماذا لايكون القول بعصمة مريم من البدعة والقول بعصمة أمير المؤمنين(ع)- الذي هو عدل القرآن وفقاً لحديث الثقلين- بدعة؟!
إنّ حديث الثقلين من الأحاديث المتواترة والذي اعتبر فيه الرسول الأكرم (ص) العترة عدلاً للقرآن وإنّهما لن يفترقا حيث قال: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا»، ومن الواضح أنّ مقتضی كون العترة عدلاً للقرآن الكريم أن تكون معصومة كعصمة القرآن الكريم، ولا يمكن أن يحدث بينهما أدنی افتراق أو تناف.
4. سب الصحابة
الأمر الذي يدعو إلی الحيرة والعجب أن يصدر هذا الكلام من عالم من أمثالكم وإنّما الأنسب صدور هذا الكلام من الناس البعيدين عن العلم والمعرفة. فهل يمكن لطائفة كبيرة أن تحب النبي(ص) لكنها تبغض أصحابه وتشتمهم؟!! إنّ عدد أصحاب النبي الأكرم(ص) قد تجاوز المائة ألف صحابي وانّ الذين ترجم لهم أصحاب الكتب الرجالية بلغ ما يقارب 15 ألف صحابي استشهد بعض منهم في معارك الرسول مثل بدر وأحد والخندق وخيبر وغيرها، فهل يجوز لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن ينال من هؤلاء العظماء؟!
ثمّ إنّ القسم الأعظم من هؤلاء الصحابة نجهل حالهم ولا نعرف عنهم شيئاً، فهل يسمح الوجدان للإنسان أن يمس أوينتقص من أنسان لايعرف حاله؟
من هنا نقول: إنّ مسألة سب الصحابة بالمعنی الذي يتداوله عامة الناس ماهي إلّا ذريعة يحاول البعض التمسّك بها، انّ منطق الشيعة منطق إمامهم أميرالمؤمنين(ع) الذي جاء في الخطبة 97 من«نهج البلاغة»، قال صلوات الله عليه: «لقد رأيت أصحاب محمد(ص) فما أری أحداً يشبههم منكم، لقد كانوا يصبحون شعثاً غبراً وقد باتوا سجداً وقياماً، ويقفون علی مثل الجمر من ذكر معادهم، كان بين أعينهم ركب المعزی‍ من طول سجودهم، إذا ذكر الله هملت أعينهم حتی تبل جيوبهم،‌ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف خوفاً من العقاب ورجاءً للثواب».
إنّ شيعة الإمام أمير المؤمنين(ع) يقتفون كلام إمامهم،‌حيث إنّه عندما سمع بعض أصحابه وهم يسبون أهل الشام- أيام حرب صفين- خاطبهم بقوله:« إنّي أكره لكم أن تكونوا سبّابين، ولكنّكم لو وصفتم أعمالهم، وذكرتم حالهم، كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبكم إياهم: اللهم أحقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم،‌ وأهدهم من ضلالتهم، حتّی يعرف الحق من جهله، ويرعوي عن الغيّ، والعدوان من لهج به». (نهج البلاغة: الكلمات القصار، برقم206).
فإذا كانت هذه عقيدة إمام الشيعة في حق الصحابة، فكيف لا تكون عقيدة شيعته فيهم كعقيدته.؟!
إنّ السب فعل الجهلة الذين لا يحفظون ألسنتهم عماّ يشينهم، ولذلك أطلب من سماحتكم أن لا تطرحوا القضية بهذه الصورة، نعم إنّ الذي تعتقده الشيعة هو أنّ بعض الصحابة والذين لا يتجاوز عددهم عدد أصابع اليد تعاملوا مع أهل بيت النبي بعد رحيله معاملة سيئة ومن هنا تتبرّأ الشيعة منهم لهذا السبب، وهذا ليس أمراً غريباً فهذا النبي الأكرم(ص) يتبرّأ من عمل خالد بن الوليد ويقول: «اللهم إنّي أبرأ إليك ممّا صنع خالد».
ولكن ألفت نظركم السامي إلی روايات الارتداد المعروفة بروايات الحوض التي جاءت في صحيحي البخاري ومسلم كيف تفسرون هذه المأثورات عن النبي الأعظم(ص).

الثانية: البدع العملية
1- تجديد مأساة الحسين (عليه السلام ) كل عام
أشار سماحتكم بعد ذكرالبدع النظرية إلی البدع العملية واعتبرتم من ضمنها ((تجديد مأساة الحسين (عليه السلام) كل عام ))
ولا أدري كيف أصبحت التظاهرات المليونية التي تقام لإحياء ذكرى سيد الشهداء وسبط رسول الله (صلى الله عليه واله)) وإظهار ظلامته بدعة تستحق اللوم والذم !!
لو اطّلعتم سماحة الشيخ على فلسفة الثورة الحسينية وفكرتم في أبعاد تلك الثورة لقمتم بنفس ما تقوم به الشيعة من احياء لتلك الواقعة العظيمة، لأن التظاهر من أجل مواجهة الظلم، ورفض التعدّي على القيم، والوقوف أمام الحكومات الجائرة لابد أن يبقى حياً في أوساط الأُمة الاسلامية، وهذا هو هدف الثورة الحسينية التي ينهل منها الأحرار في العالم مثل حركة حماس والجهادالاسلامي في فلسطين ضد الصهاينة الغاصبين، من هنا يتضح سبب الاهتمام بالثورة الحسينية أكثر من الاهتمام بالمناسبات الأُخرى للأئمة، كشهادة أمير المومنين (عليه السلام )
وإن كانت تقام مراسم في تلك المناسبات أيضاً إلا أنّها لا ترقى في كثرتها زماناً ومكاناً لما يقام بمناسبة الثورة الحسينية، إنّ ثورة الإمام الحسين (ع) تمثل رسالة تحريك وبعث لكل الأجيال التي تقع تحت الظلم والاضطهاد لتضخ فيهم دماء الغيرة والدفاع عن الدين كما فعل سيد شباب أهل الجنة في دفاعه عن دين جده المصطفى (صلى الله عليه واله وسلم).كذلك تهدف مجالس العزاء إلی تعرية تلك الطغمة الفاسدة التي تصدت لأهل البيت (عليهم السلام) وأذاقتهم ألوان العذاب والاضطهاد.

2- مايحدث عند مزارات آل البيت من شركيات :
اتهمتم في بيانكم الشيعة بممارسة الشركيات عند زيارتهم لقبور أهل البيت (عليم السلام)،لكن الجدير أن تشير إلى مصاديق تلك الشركيات ولا تبقوا القضية عائمة، فهل أصل الزيارة شرك؟ لا شك إن الجواب بالنفي. وهل الدعاء وطلب الشفاعة من النبي الأكرم (صلى الله عليه واله ) وأهل بيته (عليهم السلام) شرك؟
من المسلم كلا، لقد كان من الجدير بسماحتكم الاقتداء بإمام الأحناف الكبير، فقد روی مؤلف كتاب((فتح القدير)): أنّ الامام أبا حنيفة وقف أمام قبر النبي الشريف وأنشد قائلاً:
ياأكرم الثقلين ييا كنز الورى جد لي بجودك وأرضني برضاكا
أنا طامع في الجود منك ولم يكن لأبي حنيفة في الأنام سواكا (1)
وكأن أبا حنيفة اقتدى بالصحابي الجليل سواد بن قارب الذي أنشد قائلاً:
فكن شفيعاً يوم لا ذو شفاعة بمغن فتيلاّ عن سواد بن قارب
لقد جاء في بيانك إنّ دعاء أهل البيت من دون الله يعد من الشركيات، عذراّ سماحة الشيخ إن هذا المنطق هو المنطق الوهابية الذين قد يستندوا أحياناً لقوله تعالی: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} (18) سورة الجن


ولکن ينبغی أن يتضح المراد من کلمة ((الدعوة)) ما هو؟ هل المقصود مخاطبة غير الله؟ لا شك أنه ليس هو المراد لأن لازم ذلك تکفير جميع البشر, لأن الإنسان في حياته يخاطب آلاف الناس ويستعين بهم , نعم المقصود من الدعوة هنا عبادة غير الله بمعنی الخضوع والخشوع أمام موجود بعنوان کونه خالقاً ومدبراً فيکون معنی الآية {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} (18) سورة الجن
ومن حسن الحظ يوجد شاهد علی ذالك وهوقوله تعالی: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} (60) سورة غافر
ففی صدر الاية جاءت کلمة ((ادعونی) ولکن فی ذيلها جاءت کلمة (عبادتي ) وهذا يحکي أن الدعاء الخاص بالله تعالی هو الدعاء الذی يحمل صبغة العبادة لا أي نوع من أنواع الدعاء والدعوة, والا لما وجد علی وجه الارض موحد آبداً .
جناب الدکتور القرضاوي إن القرآن الکريم رسم الطريق لتمييز الموحد من المشرك بقوله {ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ} (12) سورة غافر

فهل يا تری إن جموع الشيعة وأعداد کبيرة من المصريين الذين يجتمعون عند رأس الامام الحسين(ع) وفي مقام السيدة نفيسة والسيدة زينب (عليها السلام) ويتوسلون بهم ليقضي المولی سبحانه حوائجهم، هل هؤلاء عندكم مشركون؟! بمعني أنّهم انحرفوا عن عبادة الله الواحد الأحد؟

أو يزداد إيمانهم بالله تعالی حينما يتواجدون في تلك الأماكن الشريفة؟ أليس هذا هو منطق التكفيريين الذي طالما انتقدتموه واعتبرتموه فكراً متطرفاً؟
إلی هنا نمسك عنان القلم عن الجري راجياً من جنابكم الكريم تدارك ما فات ودعوة الجميع للاعتصام بحبل الله المتين والحث علی وحدة الكلمة.

فالرجاء من سماحتكم، أن ترفعوا لافتة التقريب وتتدّثروا بدثاره في ظل الأصول التي ألمح إليها رجال التقريب: وهي: الإيمان بالإله الواحد وما يستلزمه من الإيمان بالغيب والملائكة والكتب والأنبياء واليوم الآخر وما جاء به النبي الخاتم، في الكتاب والسنة، وما اتّفق عليه المسلمون في الأصول والفروع، إلی غير ذلك من الأمور المشتركة بين الأمة الإسلامية التي لم يختلف فيها اثنان.

كما أنّ رجاء عشّاق التقريب أن تدخلوا ساحة الحوار بأدب الأسلوب القرآني: {...َإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} (24) سورة سبأ
وما قرأناه في البيان ينافي كلامكم حول العولمة المنشور في مجلة مجمع الفقه الإسلامي، وهذا نصّه:
ولكن علی الأمة أن تعرف أنّها مهددة إذا لم تتجمع ويكون بينها نوع من التآلف والتعاون، ولذلك نحن ندعو أيّها الإخوة إلی مصالحة عامة، تجمع كل قوی الأمّة في هذه المرحلة، لا داعي للتفرقة. هناك أناس يريدون أن يفرقوا الأمة، هم أعداؤنا يريدون ذلك، إمّا أن يفرّقوا بينها إذا كان هناك أقليات غير إسلامية، فيثيرون هذه الأقليات،‌إذا كان هناك أقليات عرقية، هناك عرب وبربر وعرب وأكراد، إذا كان هناك أقليات مذهبية يكون سنة وشيعة، إذا لم يكن هذا وذاك يبقی يمينيين ويساريين، أو ثوريين ورجعيين، نحن نريد أن نجمّع كل قوی الأمة وندعو إلی مصالحة حتی بين الحكام والعلماء، وبين الحكّام والجماعات الإسلامية، لا داعي الآن أن نفرّق بين الأمة، الأمة يجب أن تكون صفاً واحداً كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً في ساعة الشدائد لا مجال للاختلاف ولا مجال للمعارك الجانبية،‌يجب أن يقف الجميع صفاً واحداً. {مجلة مجمع الفقه الإسلامي: الدورة 14، العدد14،ج4،ص402}

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم
والحمدلله ربّ العالمين
اللّهم إنّانرغب إليك في دولة كريمة تعزّ بها الإسلام وأهله وتذلّ بها النفاق وأهله
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جعفر السبحاني
قم المقدسة - إيران