المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإمام الحسين ( ع ) امتنع من بيعة يزيد


المبين
01-02-2009, 05:23 AM
الإمام الحسين ( ع ) امتنع من بيعة يزيد

فكيف كان يزيد في أفعاله وأقواله ؟
ولماذا أبى الإمام أن يبايعه ؟ وهل كان يعرف مصيره حين أبى ؟
وماذا كان أثر استشهاده على الإسلام والمسلمين ؟
في ما يلي نحاول تفهم كل ذلك من خلال كتب الحديث والسيرة ان شاء الله تعالى .

أولا : يزيد في أفعاله وأقواله في تاريخ ابن كثير : كان يزيد صاحب شراب ، فأحب معاوية أن يعظه في رفق ، فقال : يا بني ما أقدرك على أن تصل حاجتك من غير تهتك يذهب بمروءتك وقدرك ويشمت بك عدوك ويسئ بك صديقك ، ثم قال : يا بني اني منشدك أبياتا فتأدب بها وأحفظها فأنشده :

انصب نهارك في طلاب العلا * واصبر على هجر الحبيب القريب
حتى إذا الليل أتى بالدجا * واكتحلت بالغمض عين الرقيب
فباشر الليل بما تشتهى * فانما الليل نهار الاريب
كم فاسق تحسبه ناسكا * قد باشر الليل بأمر عجيب
غطى عليه الليل أستاره * فبات في أمن وعيش خصيب
ولذة الاحمق مكشوفة * يسعى بها كل عدو مريب ( 1 ) .

1 ) تاريخ ابن كثير 8 / 228 . ( * )

- ج 3 ص 18 -


وقال : وكان فيه أيضا إقبال على الشهوات وترك بعض الصلوات ، في بعض الأوقات ، واقامتها في غالب الأوقات ( 1 ) .

* * *

لما أراد معاوية أن يأخذ البيعة ليزيد من الناس ، طلب من زياد أن يأخذ بيعة المسلمين في البصرة ، فكان جواب زياد له : ما يقول الناس إذا دعوناهم إلى بيعة يزيد ، وهو يلعب بالكلاب والقرود ، ويلبس المصبغات ، ويدمن الشراب ، ويمشى على الدفوف وبحضرتهم الحسين بن على ، و عبد الله بن عباس ، و عبد الله بن الزبير ، و عبد الله بن عمر ، ولكن تأمره يتخلق بأخلاق هؤلاء حولا أو حولين فعسينا أن نموه على الناس ( 2 ) .
فاغزى معاوية يزيد الصائفة مع الجيش الغازي الروم " فتثاقل وعتل وأمسك عنه ابوه " ( 3 ) فأصاب المسلمين حمى وجدري في بلاد الروم ويزيد حينذاك كان مصطبحا بدير مران مع زوجته أم كلثوم بنت عبد الله بن عامر ، فلما بلغه خبرهم قال :

إذا ارتفقت على الانماط مصطبحا * بدير مران عندي أم كلثوم
فما أبالي بما لاقت جنودهم * ب‍ ( الغد قدونة ) من حمى ومن موم ( 4 )

وبعده في معجم البلدان : فبلغ معاوية ذلك فقال : لا جرم ليلحقن بهم ويصيبه ما أصابهم والا خلعته فتهيأ للرحيل وكتب إليه :

تجنى لا تزل تعد ذنبا * لتقطع حبل وصلك من حبالي
فيوشك أن يريحك من بلائي * نزولي في المهالك وارتحالي ( 5 )

وأرسل معاوية يزيد إلى الحج وقيل بل أخذه معه فجلس يزيد بالمدينة على شراب فاستأذن عليه عبد الله بن العباس والحسين بن علي فأمر بشرابه فرفع ، وقيل له : ان ابن عباس ان وجد ريح شرابك عرفه ، فحجبه واذن للحسين ، فلما دخل وجد رائحة الشراب مع الطيب ، فقال : ما هذا يا ابن معاوية ؟ فقال : يا أبا عبد الله هذا طيب

1 ) تاريخ ابن كثير 8 / 230 .
2 ) تاريخ اليعقوبي 2 / 220 .
3 ) هذا نص ابن الأثير في تاريخه 3 / 181 في ذكر حوادث سنة 49 .
4 ) تاريخ اليعقوبي 2 / 229 ، والأغاني ط . ساسى 16 / 33 ، وانساب الأشراف 4 / 2 / 3 .
5 ) ترجمة دير مران والغذ قدونة : من معجم البلدان . ( * )

- ج 3 ص 19 -


يصنع لنا بالشام ثم دعا بقدح فشربه ثم دعا بقدح آخر فقال : اسق أبا عبد الله يا غلام . فقال الحسين : عليك شرابك أيها المرء . . . فقال يزيد :

ألا يا صاح للعجب * دعوتك ثم لم تجب
إلى القينات واللذا * ت والصهباء والطرب
وباطية مكللة * عليها سادة العرب
وفيهن التي تبلت * فؤادك ثم لم تتب

فوثب الحسين عليه وقال : بل فؤادك يا ابن معاوية تبلت ( 1 ) .

وحج معاوية وحاول أن يأخذ البيعة من أهل مكة والمدينة فأبى عبد الله بن عمر وقال : نبايع من يلعب بالقرود والكلاب ويشرب الخمر ويظهر الفسوق ، ما حجتنا عند الله ؟ وقال ابن الزبير : لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وقد أفسد علينا ديننا ( 2 )
وفي رواية : إن الحسين قال له : كأنك تصف محجوبا أو تنعت غائبا أو تخبر عما كان احتويته لعلم خاص وقد دل يزيد من نفسه على موقع رأيه فخذ ليزيد في ما أخذ من استقرائه الكلاب المهارشة عند التحارش والحمام السبق لاترابهن ، والقينات ذوات المعازف وضروب الملاهي تجده ناصرا ودع عنك ما تحاول ( 3 ) . انتهى .

قال المؤلف لست ادري هل كان هذا الحوار من سبط النبي مع معاوية وحوار ابن الزبير وابن عمر معه في مجلس واحد أو في مجلسين ، ومهما يكن من أمره فان معاوية لم يستطع ان يأخذ البيعة من هؤلاء واستطاع أن يأخذ البيعة من أهل الحرمين ويموه عليهم أمر العبادلة في بيعة ابنه وارتحل عنهم .

* * *

وجدنا يزيد في سفريه إلى الحج والغزو يتظاهر باللامبالاة بالمقدسات الإسلامية وعدم الاكتراث بنكبة الجيش الإسلامي الغازي ، خلافا لرغبة أبيه معاوية ووصية دعيه زياد أن يتظاهر بالتخلق بالأخلاق الإسلامية حولا أو حولين عساهم ان يموهوا

1 ) الأغاني 14 / 61 ، وتاريخ ابن الأثير 4 / 50 في ذكره سيرة يزيد وقد أوردت الخبر بإيجاز .
2 ) تاريخ اليعقوبي 2 / 228 .
3 ) الإمامة والسياسة لابن قتيبة 1 / 170 ( * )

- ج 3 ص 20 -


على الناس أمره ولم يكتف بذلك حتى نظم في سكره واعلام أمره ما سارت به الركبان .

وأكثر يزيد من نظم الشعر في الخمر والغناء مثل قوله :

معشر الندمان قوموا * واسمعوا صوت الأغاني
واشربوا كأس مدام * واتركوا ذكر المثاني ( 1 )
شغلتني نغمة العيدان * عن صوت الأذان
وتعوضت من الحور * عجوزا في الدنان

وقوله :

ولو لم يمس الأرض فاضل بردها * لما كان عندي مسحة للتيمم

واظهر ذات صدره في قصيدته التي يقول فيها :

عليه هاتى وأعلني وترنمي * بذلك إنى لا أحب التناجيا
حديث ابى سفيان قدما سما بها * إلى أحد حتى أقام البواكيا
الا هات سقينى على ذاك قهوة * تخيرها العنسي كرما شاميا
إذا ما نظرنا في أمور قديمة * وجدنا حلال شربها متواليا
وان مت يا أم الاحيمر فانكحي * ولا تأملي بعد الفراق تلاقيا
فان الذي حدثت عن يوم بعثنا * أحاديث طسم تجعل القلب ساهيا
ولا بد لى من أن ازور محمدا * بمشمولة صفراء تروى عظاميا

إلى غير ذلك مما نقلت من ديوانه . انتهى نقلا عن تذكرة خواص الأمة ( 2 ) .

يخاطب يزيد في هذه القصيدة حبيبته ويقول لها : ترنمي وأعلني قصة ابي سفيان لما جاء إلى أحد وفعل ما فعل ، حتى أقام البواكي على حمزة وغيره من شهداء أحد ، اعلني ذلك ولا تذكريه في نجوى ، واسقني على ذلك خمرا تخيرها الساقي من كروم الشام .

فانا إذ نظرنا في أمور قديمة من أعراف قريش وآل أمية في الجاهلية وجدنا حلالا شربها متواليا واما ما قيل لنا عن البعث فهي من قبيل أساطير ( طسم ) تشغل

1 ) في الأصل : " المعاني " تحريف ويقصد بالمثاني : السبع المثاني أي اتركوا قراءة الحمد في الصلاة .
2 ) تذكرة خواص الأمة - ص 164 تأليف أبى المظفر يوسف بن قزاوغلى أي السبط وكان سبط جمال الدين عبد الرحمن بن الجوزى . من مؤلفاته التاريخ المسمى بمرآة الزمان ( ت 654 ) راجع ترجمة جده في وفيات الأعيان لابن خلكان . ( * )

- ج 3 ص 21 -


قلبنا فلا بعث ولا نشور فإذا مت فانكحي بعدي فلا تلاقي بعد الموت ، ثم يستهزئ بالرسول ، ويقول : ولا بد أن القاه بخمرة باردة تروي عظامي ، كان يزيد يستهين بمشاعر المسلمين وينادم النصارى .

وروى صاحب الأغاني وقال : كان يزيد بن معاوية أول من سن الملاهي في الإسلام من الخلفاء وآوى المغنين واظهر الفتك وشرب الخمر ، وكان ينادم عليها سرجون النصراني مولاه ، والاخطل - الشاعر النصراني - وكان يأتيه من المغنين سائب خاثر فيقيم عنده فيخلع عليه . . . ( 1 ) .
كان يزيد بن معاوية أول من أظهر شرب الشراب والاستهتار بالغناء والصيد واتخاذ القيان والغلمان والتفكه بما يضحك منه المترفون من القرود والمعافرة بالكلاب والديكة ( 2 ) .

وكان من الطبيعي أن يتأثر بيزيد حاشيته ويتظاهر الخلعاء والماجنون أمرهم كما ذكره المسعودي في مروجه قال : وغلب على أصحاب يزيد وعماله ما كان يفعله من الفسوق ، وفي أيامه ظهر الغناء بمكة والمدينة ، واستعملت الملاهي وأظهر الناس شرب الشراب .

وكان له قرد يكنى بأبي قيس يحضره مجلس منادمته ، ويطرح له متكأ ، وكان قردا خبيثا ، وكان يحمله على أتان وحشية قد ريضت وذللت لذلك بسرج ولجام ويسابق بها الخيل يوم الحلبة فجاء في بعض الأيام سابقا ، فتناول القصبة ودخل الحجرة قبل الخيل وعلى أبى قيس قباء من الحرير الأحمر والأصفر مشمر وعلى رأسه قلنسوة من الحرير ذات الألوان بشقائق ، وعلى الاتان سرج من الحرير الأحمر منقوش ملمع بأنواع من الألوان فقال في ذلك بعض شعراء الشام في ذلك اليوم .

تمسك أبا قيس بفضل عنانها * فليس عليها إن سقطت ضمان
ألا من رأى القرد الذي سبقت به * جياد أمير المؤمنين أتان ( 3 )


وروى البلاذري عن قصة هذا القرد وقال : كان ليزيد بن معاوية قرد يجعله بين يديه ويكنيه أبا قيس ، ويقول : هذا شيخ من بني إسرائيل أصاب خطيئة فمسخ

1 ) الأغاني 16 / 68 .
2 ) أنساب الاشراف للبلاذري ج 4 القسم الأول ص 1 . المعافرة كالمهارشة .
3 ) مروج الذهب 3 / 67 - 68 ( * ) .

- ج 3 ص 22 -


وكان يسقيه النبيذ ويضحك مما يصنع وكان يحمله على أتان وحشية ويرسلها مع الخيل فيسبقها ، فحمله يوما وجعل يقول تمسك . . . البيتين ( 1 ) .

واشتهر يزيد بمنادمة القرود حتى قال فيه رجل من التنوخ :

يزيد صديق القرد مل جوارنا * فحن إلى أرض القرود
يزيد فتبا لمن أمسى علينا خليفة * صحابته الادنون منه قرود ( 2 ) .

وقال ابن كثير : اشتهر يزيد بالمعازف وشرب الخمور والغناء والصيد واتخاذ القيان والكلاب والنطاح بين الاكباش والدباب والقرود وما من يوم الا ويصبح فيه مخمورا : وكان يشد القرد على فرس مسرجة بحبال ويسوق به ويلبس القرد قلانس الذهب وكذلك الغلمان وكان يسابق بين الخيل وكان إذا مات القرد حزن عليه وقيل أن سبب موته أنه حمل قردة وجعل ينقزها فعضته . . . ( 3 ) .

وروى البلاذري عن شيخ من أهل الشام : ان سبب وفاة يزيد أنه حمل قردة على الاتان وهو سكران ثم ركض خلفها فسقط فاندقت عنقه أو انقطع في جوفه شئ .

وروى عن ابن عياش أنه قال : خرج يزيد يتصيد بحوارين وهو سكران فركب وبين يديه أتان وحشية قد حمل عليها قردا وجعل يركض الاتان ويقول :

أبا خلف احتل لنفسك حيلة * فليس عليها إن هلكت ضمان فسقط واندقت عنقه ( 4 ) .

ولا منافاة بين هذه الروايات فمن الجائز أنه اركب قردة على أتان وركب هو أيضا وركض خلفه وجعل ينقزها فعضته وسقط واندقت عنقه وانقطع في جوفه شئ وهكذا استشهد الخليفة قتيل القرد .

* * *

كان هذا شيئا من سيرة يزيد ، وكان أبناء الأمة انذاك قد تبلد إحساسها وأخلدت إلى سبات عميق وما غير حالها تلك عدا استشهاد الإمام الحسين ( ع ) كما نشرحه في الباب التالي .

1 ) أنساب الاشراف 4 / 1 / 1 - 2 وفى لفظ البيتين اختلاف يسير مع رواية المسعودي .
2 ) أنساب الاشراف 4 / 1 / 2 .
3 ) ابن كثير 8 / 436 .
4 ) أنساب الاشراف 4 / 1 / 2 ويبدو ان هذا القرد الذى كناه ابا خلف غير القرد الذى كناه ابا قيس . ( * )

النوخذه
01-04-2009, 02:24 AM
موضوع رائع
بارك الله فيك

..lama
01-04-2009, 07:53 AM
السلام عليك يا أبا عبدالله

جزاك الله ألف خير عـ الطرح الــــــــرآئـــع

تقبل مروري,؛,