المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مقدمة في الدعاء _ للدكتور احمد مير


عاشق طيبة
04-06-2005, 12:18 AM
مقدمة في الدعاء


--------------------------------------------------------------------------------

معنى الدعاء


--------------------------------------------------------------------------------

الدعاء في اللغة النداء، ودعاء العبد ربه أن يناديه لطلب، أو لقربة. قال الله تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} (النحل / 42). ورد الدعاء في هذه الآية الكريمة بمعنى النداء وليس بمعنى «الطلب» كما يتبادر إلى أذهان البعض.

كما أنّ هناك ثلاثة أنواع من الذين يدعون ربّهم:

أولاً: هناك من يدعو ربّه دعاء العبد الخائف من عقاب سيّده له على ذنب اقترفه، وقد لا يكنّ لسيّده أيّ محبة في قلبه، فكل همّه النجاة من عقاب سيّده.

ثانياً: وهناك من يدعو ربه دعاء التاجر الذي ملء قلبه طمعاً وتملقاً وليس للحب مكان فيه، بل همّه دخول الجنّة للتمتع بنعيمها.

ثالثاً: وهناك القلوب التي تجلّت أنوار محبّة الله جلّ وعلا فيها بأسمى معانيها فلم يبق في قاموسها جنّّة ولا نار، بل لم تعد ترى في هذا الوجود سوى المحبوب سبحانه الذي وسعت رحمته كل شيء... إنها قلوب الأحرار الذين تحرروا من عقدة الخوف والطمع ولم يبق في قلوبهم إلا المحبة والافتقار إلى المحبوب والحاجة الشديدة إلى القرب منه الذي هو سبيلهم إلى المعرفة والى الإيمان، وهذه الحاجة الماسّة ولّدت فيهم الإرادة النابعة من أعماقهم مدعومة بكل طاقاتهم لتغيير الحالة التي هم فيها إلى حالة اكثر سموّاً وكمالاً تؤهلهم إلى القرب أكثر فأكثر من محبوبهم الذي هو الله جلّ وعلا سبحانه لا إله إلاّ هو.

ولذا فالمؤمن يعمل بكل طاقته باستمراره على تغيير الحالة التي هو فيها نحو الأفضل ليزداد قربا من الله تعالى، ومن هنا جاء القول المأثور عن الإمام علي (عليه السلام): (من تساوى يوماه فهو مغبون) وكأن الإمام علي (عليه السلام) يقصد هنا الإنسان بصفة عامة، فالإنسان الذي يعمل دائما لدنياه فقط ولزيادة أرباحه المادية يشعر بالغبن والضيق. وكذلك الإنسان المؤمن الذي أنارت أنوار محبّة الله قلبه، إن لم يزدد قربا من الله تعالى في يومه الذي يعيشه اكثر من أمسه فإنه يشعر بالغبن والأسى.

ولذا فالدعاء هو وسيلة لارتباط الإنسان بخالقه، ليستمد منه قواه وطاقته وينال رضاه، وهذه هي العبادة الحقّة كما عبّر عنها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقوله: (الدّعاء مخّ العبادة) وقد أكّد ذلك القرآن الكريم فسمّى الدعاء عبادة حيث قال الله عزّوجلّ: {وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ} (سورة المؤمن / 60) والعبادة في هذه الآية هي الدعاء كما ورد في التفاسير عن رسول الله (صلى الله عليه وآله).

كما يسمو الدعاء بصاحبه إلى درجات القرب عند الله تعالى لا يصلها الإنسان عن طريق العبادة (أي الفرائض) وحدها، فقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (يدخل الجنّّة رجلان كانا يعملان عملاً واحداً فيرى أحدهما صاحبه فوقه (في الدرجات) فيقول: يا ربّ بما أعطيته وكان عملنا واحداً؟ فيقول الله تبارك وتعالى: سألني ولم تسألني).

وقد كان الأنبياء : كثيري الدعاء والمناجاة مع الله حتى عدّ الدعاء أمضى سلاح بيدهم. فقد قال الإمام الرضا (عليه السلام): (عليكم بسلاح الأنبياء. قيل وما سلاح الأنبياء؟ قال: الدعاء).

ولذا كان الإمام السجّاد (علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام)) يقول بأن الدعاء من أعظم نعم الله تعالى على عباده، فقد جاء في مناجاة الذاكرين للإمام زين العابدين (عليه السلام):

(ومن أعظم النعم علينا جريان ذكرك على ألسنتنا، وإذنك لنا بدعائك وتنزيهك وتسبيحك).

وهذا العالم (الكسيس كارل) 1873 ـ 1944 م، وهو طبيب جرّاح وفيزيولوجي فرنسي الذي نال اثنتين من جوائز نوبل ليس في الفلسفة والأدب والتاريخ بل في العلوم الطبيّة والفيزيولوجية، واحدة لانه أبدع في كيفية ربط العروق بعضها ببعض، والثانية لانه استطاع الاحتفاظ بقلب فروج منزوع من الجسم حيّا مدة خمسة وثلاثين سنة.

فالكسيس كارل كان طبيبا جراحا وفزيولوجيا شهيرا ومع ذلك فإن من أهم كتبه وآثاره هو كتابه الذي سمّاه (الدعاء = Prayer) والذي قال فيه: (لتكن إرادتك (في الدعاء) إرادة طفل يغير على أمّه ملحّاً ملحفا لا ينثني).

فليس الدعاء وردا يلوكه اللسان وقد شغل عنه الجنان: إنه الإرادة القوية واليقين الصادق اللذان يدفعان المخلوق باتجاه خالقه أو أحد أوليائه وكلّه أمل بقضاء حاجته.


--------------------------------------------------------------------------------

الدعاء حوار مع الله عزّ وجلّ


--------------------------------------------------------------------------------

إن الدعاء هو حوار مع الله عزّ وجلّ شأنه الذي نحن في طريق العودة إليه، فبعد كلّ ثانية تنقضي من عمرنا نزداد قربا من خط النهاية في هذه الحياة الدنيا، ولنصل إلى نقطة بداية في الآخرة التي ستكون مبنية على حسب ما أسّسنا في الدنيا ـ لأن آخرتنا هي حصاد ما زرعناه في دنيانا ـ. فلتكن عودتنا إلى الله تعالى بشوق وحبّ، وليكن دعاؤنا عبارة عن رجائه بإزالة العقبات التي تعترض طريق عودتنا إليه. ومن هنا فإن من لا يجد لذّة في قراءة القرآن والدعاء والصلاة فيجب أن يعلم أنه في مصيبة كبيرة.

وفي الأثر أن موسى (عليه السلام)، ذهب للمناجاة فقال له رجل: قل لربك إني صاحب ذنوب كبيرة فلماذا لا يعذبني؟ فخوطب موسى: يا موسى قل لعبدي لقد ابتليته بأعظم شيء ولكنه لم يلتفت إلى ذلك، قل له: لقد سلبت منه لذّة دعائي ومناجاتي).

ولذلك فالإنسان الذي لا يجد لذّة في قراءة القرآن والصلاة فهو مريض وصاحب قلب أسود قاس، يقول الله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} (سورة الزمر / 22).

ويل لذلك القلب الذي صار من أثر الذنوب والانشغال بهذه الدنيا قاسيا، وللقلب القاسي الأسود علامات وإحدى علاماته هي عدم الشعور باللّّذة حين الصلاة والدعاء وقراءة القرآن.

ولذا كان الإمام السجّاد (عليه السلام) يقول في إحدى مناجاته (الذاكرين): (إلهي.. أنت المسبّح في كلّ مكان، والمعبود في كلّ زمان، والموجود في كل أوان، والمدعوّ بكل لسان، والمعظّم في كل جنان، أستغفرك يا إلهي من كلّ لذّة بغير ذكرك،ومن كلّ راحة بغير أنسك، ومن كلّ سرور بغير قربك، ومن كلّ شغل بغير طاعتك).

والواقع أن الحاجات تكون على مستوى طالبها. فالإنسان الصغير حاجاته صغيرة، والإنسان الكبير حاجاته كبيرة، ومن هنا نفهم هذه الحقيقة الكبيرة: «الأغنى أحوج».

لم يكن فضل عليّ (عليه السلام) على سواه في غناه فقط. بل في حاجاته الأرفع والأعظم التي تخص الناس.

(كانت حاجة الزبير وطلحة أن يتسلّما ولاية من الولايات ويكنزان من كنوز الدنيا المادية، وحاجة فلان وفلان كرسي الخلافة كي ينالا الجاه في أعين الناس... ويقال لهما خليفة رسول الله.

ولكن حاجة عليّ (عليه السلام) لم تكن أي شيء من هذا القبيل بل كانت العمل لإرضاء محبوبه سبحانه في تنفيذ إرادته على الأرض التي هي تطبيق العدالة على جميع المخلوقات وليس فقط بين الناس وإقامة شريعته كما أنزلها، التي وحدها تضمن إقامة العدالة).

ويصدق هذا في العلم أيضا. فأنت لست عالما بمقدار ما فيك من علم فحسب، ولكن بمقدار ما ترى فيك من جهل، إذا أنا تطلّعت إلى الأرض والسماء ما كان المجهول فيهما عندي إلا معدودا: لماذا كانت السماء زرقاء؟ لماذا سمّرت النجوم فوق؟ لماذا أرى السحاب هكذا؟ أمّا عالم الفضاء فيرى في الفضاء ألف مجهول ومجهول.

ولابد لي من التأكيد هنا على أن الأمّة التي تقطع علاقتها مع الله ويمحى الدعاء من قاموسها فإنها لا محالة ستخطّ طريقها إلى الانحطاط والفساد والانحلال، وهذا ما عبّر عنه الكسيس كارل في كتابه «الدعاء» بقوله: (متى ضعف الدعاء في قوم وأهملت سننه كانت العلامة على انحطاط القوم وعجزهم. فالمجتمع متى انصرف عن التعبّد والدعاء أعد في نفسه مناخا لجراثيم الانحطاط والاضمحلال والضعف والعجز) فإنسان اليوم في الغرب هو إنسان قدير ولكنه غير جدير، هو وحش في حضارة. هو يجوب الأعالي فيجوز حدود الأرض والجاذبية، ولكنّ تحليق قلبه لا يتجاوز تحليق تاجر محتال حقير لا يعرف غير المنفعة وغير القدرة المادية واللّذة الشهوانية الحيوانية.


--------------------------------------------------------------------------------

معنى الدعاء عند أهل البيت (ع):


--------------------------------------------------------------------------------

تعليم، تثقيف، تربية، أخلاق إنسانية سامية لا توجد عند أي مدرسة من المدارس الأخرى في الإسلام ولا حتّى في دين من الأديان.

فلو أخذنا التوراة (العهد القديم) لوجدنا أنه لا يوجد فيه أين نوع من الدعاء يمكن لنا أَن نعتبره حضاريا وإنسانيا، وحتى ما ينسبوه إلى نبي الله داود (عليه السلام) في المزامير فإنها لا تتعدّى الروح العنصرية البحتة. فإذا ما نصرهم على أعدائهم أخذوا يهتفون ويرقصون ويذبحون الذبائح ويشربون ويأكلون قائلين هذا الفرح من اجل الربّ ربّنا نحن الذي انتصرنا على أعدائنا. وإذا ما هزموا أخذوا يصرخون ويولولون مخاطبين الربّ وملقين اللوم عليه لماذا تركهم طعمة بين الأجانب. فلا روح إنسانية فيها.

وأيضاً الدعاء الذي ما زال النصارى يدعونه في كنائسهم وينسبونه إلى عيسى المسيح (عليه السلام) يقول في إنجيل متيّ 6: 9): (أبانا الذي في السماوات. ليتقدّس اسمك. ليأت ملكوتك. لتكن مشيئتك في الأرض كما في السماء. أعطنا خبزنا اليومي واغفر لنا ذنوبنا كما غفرنا نحن للمذنبين أيضاً). نجد انه (أي هذا الدعاء) لا يمثل شيء من التعليم والتربية سوى طلب الخبز والفرج..

بينما لننظر إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وآل بيته كيف كانوا يدعون ومتى كانوا يدعون. يجد دعاءهم قمّة في السموّ والعلو الأخلاقي والفكري والثقافي. إنها الحضارة الإنسانية بذاتها. فهذا الإمام علي (عليه السلام) كان بعد أن يعدّ جيشه كامل الاستعداد ويأخذ بجميع أسباب الحرب كان يدعو بهذا الدعاء قبل نشوب المعركة قائلا: (اللهم نجّنا إن انتصرنا من الغرور والأثرة والظلم والاستبداد. وإن نحن أنكسرنا فقنا الذلّ والعبودية).

تمعّنوا في هذه الكلمات النورانية هل تجدوا لها مثيلا في تاريخ الأمم قديمها وحديثها؟

ولذا نقول إن الدعاء لم يشرّع لمواقع الشدّة والضنك كما يتبادر إلى أذهان بعض الناس. والله سبحانه ذمّ أولئك الذين لا يدعون ربّهم إلا في حالات الضرّ أي عندما يكونون في نعيم يقطعون صلتهم بالله وينسونه ولا يدعونه إلا إذا نزلت بهم نازلة كاليهود ـ قال سبحانه وتعالى: {وَإِذا مَسَّ الإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ} (سورة يونس / 10) لقد سمّاهم بالمسرفين.

ويقول سبحانه في موضع آخر: {وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ} (سورة فصّلت / 51).

ولذا قال الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام): «من سرّه أن يستجاب له في الشدّة فليكثر الدعاء في الرخاء» (أصول الكافي ج 4 / 19)).

الدعاء سبب معرفة الإنسان لواقع نفسه وسبب هدوء الروح وإدخال الطمأنينة إلى النفس الإنسانية:

من النتائج الهامة للدعاء هو أن الإنسان يعرف نفسه ويعرف ربه في الدعاء، ففي رواية شهيرة: «من عرف نفسه فقد عرف ربّه» وهذه المعرفة تصل بالإنسان إلى النتيجة التالية وهي فقره المطلق إلى الله العزيز القدير المطلق الغني.

فوجودنا قائم بالله في كل لحظة من لحظات حياتنا، وفي كل لحظة هنا نعم الله التي لا تحصى يغدقها علينا ولذلك هل فكرنا بقول (الحمد لله) وَ(الشكر لله) بعد كل نفس تنفسه، طبعا لا! لانه من المستحيل ولا يمكننا ذلك (أن ما يدور في كل خليّة من خلايانا بها آلاف النعم: لو تعطّّل أحدها لاصبنا ببلايا ومصائب كل واحدة منها تؤدي إلى مرض معين كفيل بأن يودي بحياتنا) فما بالك بالنعم التي تحيطنا من خارجنا: ماء، هواء، طعام، بيئة وغيره.. (وإن تعدّوا نعم الله لا تحصوها) سورة إبراهيم / 34).

ولذلك كان الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) يقول في مناجاته مع الله تعالى: «إلهي آلاؤك جمّة ضعف لساني عن إحصائها، ونعماؤك كثيرة قصر فهمي عن إدراكها فضلا عن استقصائها، فكيف لي بتحصيل الشكر، وشكري إيّاك يفتقر إلى شكر، فكلّما قلت لك الشكر وجب عليّ لذلك أن أقول لك الحمد...» (مناجاة الشاكرين).

فإذا أدرك الإنسان «فقره المطلق» إلى الله تعالى فلن تأتي «الأنانية» إلى عالم الوجود. إن الروح الفرعونية موجودة في الجميع. وإذا تهيأت الأرضية المناسبة لها فإنّ اكثر الناس يقول: {أنا ربكم الأعلى} إلا من استطاع كسر أنانيته. فأنا! أنا! تتكرر كثيرا على ألسنتنا نريد منها المديح لانفسنا ونريد القول بأننا الأفضل من الآخرين. واكثر الصفات الرذيلة تنبع من هذه «الأنانية» وأكثر الناس لا يستطيع كسر هذه الأنانية مما يسوقه إلى ارتكاب الذنوب.

ولذلك الدعاء والمناجاة مع الله تعالى يقلع جذور هذه الأنانية من أعماق الإنسان، فالدعاء يعني إدراك الفقر المطلق له والغنى المطلق لله سبحانه. ولذلك علينا بالقرآن الكريم وبالصحيفة السجّادية فإنهما معمل صناعة الإنسان. فالدعاء يجعل الإنسان متواضعا، ويفهم بأنّ العظمة فقط لله سبحانه.

(طلب أحد الملوك نصيحة من أحد الحكماء، فقال الحكيم: إذا كنت عطشانا وقد أشرفت على الموت لشدّة العطش فماذا كنت تعطي لتشرب الماء؟ فقال: نصف ملكي وسلطاني. فقال العارف: إذا إنحبس الماء الذي شربته في بدنك فماذا كنت تعطي ليخرج بولك؟ قال: نصف سلطاني. فقال العارف: إذن لا فخر لك في سلطانك الذي ساوى قدحا من الماء شربته ثم أرقته).

وللدعاء أثر نفسي عظيم، سواء أطلب الإنسان في دعائه من الله شيئا أم لم يطلب. وهذه الحقيقة فهمها علماء النفس اليوم بوضوح وكتبوا حولها المقالات والبحوث الكثيرة.

لقد دلّت هذه البحوث والإحصائيات التي اجروها على أن الذين يعيشون عالم الدعاء والاتصال بالله قلّما يعتريهم اليأس والسأم، وقلّما ينهزمون أَمام الحوادث المؤلمة، وقلّما يفقدون الآمال في المستقبل (هذا ما قاله كل من ديل كارنيجي وألكسيس كارل).

وهذه الحقيقة أكدها الإمام محمد الباقر (عليه السلام) في حديث له مخاطبا به أحد أصحابه عندما قال له: «ألا أخبرك بما فيه شفاء من كل داء حتى السأم؟ قال: بلى، قال: الدعاء».

كما أَن للدعاء فائدة أخرى وهي أن الإنسان إذا حبس همومه وغمومه داخل قلبه ولم يخرجها، تتحول إلى عقد نفسية وهذه بدورها قد تؤدي إلى مشاكل عائلية واجتماعية لأن لغة الحوار انقطعت بين الطرفين، مما يؤدي إلى عقد نفسية تجرّ إلى ضعف الأعصاب ومنها إلى الإحساس بالتعاسة والشقاء.

ولذا يقوم الأطباء النفسانيون بالدخول في حوار طويل مع هؤلاء المرضى المصابين بضعف الأعصاب... وفي كثير من الحالات يتماثل المريض للشفاء عن طريق بث شكواه وإخراج ما دخل قلبه من هموم.

المناجاة مع الله يعني إخراج هموم القلب وأحزانه مع أمين كاتم للسرّ وذلك الأمين هو الله سبحانه،مع قادر، رؤوف رحيم عطوف، وَمن أكثر أمانة وكتمانا للسرّ من الله عزّو جلّ؟ فالدعاء والمناجاة هي في الواقع بث الهمّ والحزن إلى الله تعالى. وحتى لو لم يكن هناك صلاح في استجابة دعاءك ولكن قلبك سيفرغ من الاحتقان بالهموم، فيشعر الإنسان بالهدوء والطمأنينة.


--------------------------------------------------------------------------------

من شرائط الإجابة


--------------------------------------------------------------------------------

الإمام الصادق (عليه السلام): «احفظ آداب الدّعاء، فإن لم تأت بشرط الدّعاء فلا تنتظر الإجابة».

1 ـ المعرفة:

الإمام الكاظم (عليه السلام): «قال قوم للإمام الصادق (عليه السلام):

مالنا ندعو فلا يستجاب لنا؟ قال: لأنكم تدعون من لا تعرفونه».

ليس المقصود هنا المعرفة الفلسفية إنما المعرفة القلبية.

2 ـ العمل بما تقتضيه المعرفة:

عن الإمام الصادق (عليه السلام) في جواب السؤال السابق أيضاً:

لأنكم لا تفون لله بعهده وإنّ الله يقول: {أوفوا بعهدي أوف بعهدكم} والله لو وفّيتم لله لوفي لكم).
3 ـ طيب المكسب:

رسول الله (صلى الله عليه وآله): «أطب كسبك تستجاب دعوتك، فإن الرجل يرفع اللقمة إلى فيه حراما فما تستجاب له دعوة أربعين يوما».

4 ـ حضور القلب ورقته عند الدعاء:

عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «لا يقبل الله عزّو جلّ دعاء قلب ساه»

وسئل النبي (صلى الله عليه وآله) عن اسم الله الأعظم؟ فقال:

«كلّ اسم من أسماء الله أعظم، ففرّغ قلبك من كلّ ما سواه وإدعه بأي اسم شئت».
5 ـ أن لا يُعَلِّم الله ما يصلحه:

رسول الله (صلى الله عليه وآله): قال الله تعالى: «يا بن آدم أطعني فيما أمرتك ولا تعلمني ما يصلحك».
6 ـ أن يعلم طرق نجاته وهلاكه:

في الحديث الشريف: «اعرف طرق نجاتك وهلاكك كيلا تدعو الله بشيء فيه هلاكك وأنت تظن فيه نجاتك.

قال الله عز وجل: {وَيَدْعُ الإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الإِنْسانُ عَجُولاً} (سورة الإسراء /11)».

كما ورد في الحديث القدسي قول الله تعالى:

«يا ابن آدم، تسألني فأمنعك لعلمي بما ينفعك، ثم تلحّ عليّ بالمسألة فأعطيك ما سألت فتستعين به على معصيتي، فأهم بهتك سترك، فتدعوني فأستر عليك، فكم من جميل أصنع وكم من قبيح تصنع معي».

الصفات الرذيلة مانع من استجابة الدعاء حيث لا تدع الدعاء يرتفع إلى أعلى. إذا أغلقتم فوهة قنينة وألقيتم بها في البحر فإن قطرة واحدة لا تدخل القنينة، ولكن إذا تركتم فوهة القنينة مفتوحة فإنها ستمتلئ من الماء خلال مدة قصيرة، لان فوهتها كانت مفتوحة وقلب الإنسان كذلك. فهنيئا للقلب المفتوح في بحار أنوار الله. {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربّه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله} (الزمر / 22).

فذلك القلب البعيد هو قلب مفتوح، ويدخل إليه نور الله. وأمّا ذلك القلب الأسود الذي أغلقت الرذيلة بابه وإن كان نور الله منتشرا في كل مكان ورحمة الله في كل مكان ولكن الرحمة لا تدخل في قنينة ذلك القلب المغلق. وهذا ليس قصورا في رحمة الله بل الفوهة المسدودة لقنينة قلوبنا.

أفتح باب قلبك فإن رحمة الله ستدخلها، وحينئذ تدعو فيستجاب لك، وأما القلب المملوء حسدا، والمملوء حقدا، فهو حسود إلى درجة لا يستطيع أن يرى نعمة على أقرب الناس إليه، فهذه القنينة بابها مغلق، وإذا قال ألف مرة يا الله فإن رحمة الله لا تدخلها.

إما إذا نظّف قلبه من أوساخ الحسد وأعدّ بيت الله هذا وهيّأه لاستقبال النور فإنّ دعاءه سيكون مستجابا.

الولد الطيب
04-06-2005, 01:24 AM
أحسنتم وبارك الله فيكم وسسد خطاكم اكثر فأكثر

عاشق طيبة
04-06-2005, 02:27 AM
اشكرك لك اطراءك .. واتمنى ان تشاركنا بقلمك اكثر فاكثر