المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الصحفية السوداء


جلال الحسيني
12-19-2009, 06:51 PM
(1)
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد واله وعجل فرجهم
والعن اعدائهم
قال رسول الله صلى الله عليه واله :


من كنت مولاه فعلي مولاه



الفصل الاول
إرشاد القلوب ج : 2 ص: 322
و في خبر حذيفة بن اليمان رضوان الله عليه بحذف الإسناد قال:
لما استخلص عثمان بن عفان آوى إليه عمه الحكم بن العاص و ولده مروان و الحارث بن الحكم و وجه عماله في الأمصار و كان فيمن عمله عمر بن سفيان بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية إلى مشكان و الحارث بن الحكم إلى
المدائن
فأقام بها مدة يتعسف أهلها و يسي‏ء معاملتهم فوفد منهم إلى عثمان وفد يشكوه و أعلموه بسوء ما يعاملهم به و أغلظوا عليه في القول فولى
حذيفة بن اليمان
عليهم و ذلك في آخر أيامه و لم ينصرف حذيفة بن اليمان عن المدائن إلى أن قتل عثمان و استخلف
علي بن أبي طالب عليه السلام
فأقام حذيفة عليها و كتب إليه :
بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين عليه السلام إلى حذيفة بن اليمان سلام عليك أما بعد :
فإني قد وليتك ما كنت تليه لمن كان قبلي من حرف المدائن و قد جعلت إليك أعمال الخراج و الرستاق و جباية أهل الذمة فاجمع إليك ثقاتك و من أحببت ممن ترضى دينه و أمانته و استعن بهم على أعمالك فإن ذلك أعز لك و لوليك و أكبت لعدوك و إني آمرك بتقوى الله و طاعته في السر و العلانية و أحذرك عقابه في المغيب
و المشهد و أتقدم إليك بالإحسان إلى المحسن و الشدة على المعاند
و آمرك بالرفق في أمورك و اللين و العدل على رعيتك فإنك مسئول عن ذلك و إنصاف المظلوم و العفو عن الناس و حسن السيرة ما استطعت فالله يجزي المحسنين و آمرك أن تجبي خراج الأرضين على الحق و النصفة و لا تتجاوز ما قدمت به إليك و لا تدع منه شيئا
و لا تبتدع فيه أمرا ثم اقسمه بين أهله بالسوية و العدل
و اخفض لرعيتك جناحك و واس بينهم في مجلسك و ليكن القريب و البعيد عندك في الحق سواء و احكم بين الناس بالحق و أقم فيهم بالقسط و لا تتبع الهوى‏ و لا تخف في الله لومة لائم
فإن الله مع الذين اتقوا و الذين هم محسنون
و قد وجهت إليك كتابا لتقرأه على أهل مملكتك ليعلموا رأينا فيهم و في جميع المسلمين فأحضرهم و اقرأه عليهم و خذ لنا البيعة على الصغير و الكبير منهم إن شاء الله .
قال و لما وصل عهد أمير المؤمنين عليه السلام إلى حذيفة جمع الناس و صلى بهم ثم أمر بالكتاب فقرأه عليهم و هو:
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد الله علي بن أبي طالب أمير المؤمنين
إلى من بلغه كتابي هذا من المسلمين
سلام عليكم
أما بعد:
فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو و أسأله أن
يصلي على محمد و آل محمد و بعد فإن الله تعالى اختار الإسلام دينا لنفسه و ملائكته و رسله حكاما لصنعه و حسن تدبيره و نظرا منه لعباده و اختص به من أحب من خلقه فبعث إليهم محمدا صلى الله عليه واله فعلمهم الكتاب و الحكمة إكراما و تفضلا لهذه الأمة و أدبهم لكي يهتدوا و جمعهم لئلا يتفرقوا و وفقهم لئلا يجوروا فلما قضى ما كان عليه من ذلك مضى إلى رحمة الله حميدا محمودا ثم
إن بعض المسلمين أقاموا بعده
رجلين
رضوا بهداهما و سيرتهما قاما ما شاء الله ثم توفاهما الله عز و جل ثم ولوا بعدهما
الثالث
فأحدث أحداثا و وجدت الأمة عليه فعالا فاتفقوا عليه ثم نقموا منه فغيروا ثم جاءوني كتتابع الخيل فبايعوني فأنا أستهدي الله بهداه
و أستعينه على التقوى ألا و إن لكم علينا العمل بكتاب الله و سنة
نبيه صلى الله عليه واله و القيام عليكم بحقه و إحياء سنته و النصح لكم بالمغيب و المشهد و بالله نستعين على ذلك و هو حسبنا و نعم الوكيل و قد توليت أموركم حذيفة بن اليمان و هو ممن ارتضى بهداه
و أرجو صلاحه و قد أمرته بالإحسان إلى محسنكم و الشدة على مريبكم و الرفق بجميلكم أسأل الله لنا و لكم حسن الخيرة و الإحسان و رحمته الواسعة في الدنيا و الآخرة
و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.
قال ثم إن حذيفة صعد المنبر فحمد الله و أثنى عليه
و صلى على محمد و آل محمد ثم قال :
الحمد لله الذي أحيا الحق و أمات الباطل و جاء بالعدل و دحض الجور و ركبت الظالمين
أيها الناس:
إنما وليكم الله و رسوله و أمير المؤمنين
حقا حقا
و خير من نعلمه بعد نبينا رسول الله صلى الله عليه واله و أولى الناس بالناس و أحقهم بالأمر و أقربهم إلى الصدق و أرشدهم إلى العدل و أهداهم سبيلا و أدناهم إلى الله وسيلة و أقربهم
برسول الله صلى الله عليه واله رحما أنيبوا إلى طاعة أول الناس سلما
و أكثرهم علما و أصدقهم طريقة و أسبقهم إيمانا و أحسنهم يقينا
و أكثرهم معروفا و أقدمهم جهادا و أعزهم مقاما أخي رسول الله
و ابن عمه و أبي الحسن و الحسين و زوج الزهراء البتول
سيدة نساء العالمين
فقوموا أيها الناس فبايعوا على كتاب الله و سنة نبيه فإن لله في ذلك رضى و لكم مقنع و صلاح و السلام.
فقام الناس بأجمعهم فبايعوا أمير المؤمنين عليه السلام بأحسن بيعة
و أجمعها فلما استتمت البيعة قام إليه
فتى
من أبناء العجم و ولاة الأنصار لمحمد بن عمارة بن التيهان أخي أبي الهيثم بن التيهان يقال له:
مسلم
متقلدا سيفا فناداه من أقصى الناس:
أيها الأمير إنا سمعناك تقول في أول كلامك إنما وليكم الله و رسوله و أمير المؤمنين
حقا حقا
تعريضا ممن كان قبله من الخلفاء أنهم لم يكونوا أمراء المؤمنين
حقا
فعرّفنا ذلك
أيها الأمير رحمك الله و لا تكتمنا فإنك ممن شهد و غبنا و نحن مقلدون ذلك في أعناقكم و الله شاهد عليكم فيما تأتون به من النصيحة لأمتكم و صدق الخبر عن
نبيكم صلى الله عليه واله
((يجوز نقل الموضوع بدون اي قيد وشرط))

جلال الحسيني
12-19-2009, 07:27 PM
(2)

قال حذيفة أيها الرجل
أما إذا سألت و فحصت هكذا فاسمع و افهم ما أخبرك به.
أما من تقدم من الخلفاء قبل
علي بن أبي طالب عليه السلام
ممن
تسمى
بأمير المؤمنين فإنهم تسموا بذلك و سماهم الناس به و أما
علي بن أبي طالب فإن جبرائيل عليه السلام سماه بهذا الاسم عن الله تعالى و شهد له الرسول صلى الله عليه واله عن سلام جبرائيل له بإمرة المؤمنين و كان أصحاب رسول الله يدعونه في حياة رسول الله
بأمير المؤمنين.
قال الفتى :
أخبرنا كيف كان ذلك يرحمك الله ؟؟
قال حذيفة :
إن الناس كانوا يدخلون على الرسول صلى الله عليه واله قبل الحجاب إذا شاءوا فنهاهم رسول الله أن يدخل أحد إليه و عنده
دحية بن خليفة الكلبي
و كان رسول الله يراسل قيصرا ملك الروم و بني حنيفة و ملوك بني غسان على يده و كان جبرائيل عليه السلام يهبط عليه في صورته
و لذلك نهى
الرسول صلى الله عليه واله
أن يدخل المسلمون عليه إذا كان عنده دحية قال حذيفة :
و إني أقبلت يوما لبعض أموري إلى رسول الله رجاء أن ألقاه خاليا فلما صرت بالباب نظرت فإذا أنا بشملة قد سدلت على الباب فرفعتها
و هممت بالدخول و كذلك كنا نصنع فإذا أنا بدحية قاعد عند الرسول صلى الله عليه واله و النبي نائم و رأسه في حجر دحية الكلبي فلما رأيته انصرفت فلقيني
علي بن أبي طالب عليه السلام
في بعض الطريق فقال:
يا ابن اليمان من أين أقبلت ؟؟
فقلت:
من عند رسول الله قال :
و ما ذا صنعت ؟؟
قلت : أردت الدخول عليه في كذا و كذا و ذكرت الأمر الذي جئت له فلم يتهيأ لي ذلك
قال : و لم ؟؟
قلت : عنده دحية الكلبي و سألت عليا معونتي على
الرسول صلى الله عليه واله في ذلك الأمر قال:
فارجع معي فرجعت معه فلما صرنا إلى باب الدار جلست بالباب و رفع علي الشملة و دخل فسلم فسمعت دحية يقول :
و عليك السلام
يا أمير المؤمنين
و رحمة الله و بركاته .
ثم قال له:
اجلس فخذ رأس أخيك و ابن عمك من حجري فأنت أولى الناس به فجلس علي و أخذ رأس رسول الله فجعله في حجره و خرج دحية من البيت فقال علي :
ادخل يا حذيفة فدخلت و جلست فما كان بأسرع من انتبه
رسول الله فضحك في وجه علي ثم قال :
يا أبا الحسن من حجر من أخذت رأسي؟؟
قال : من حجر دحية الكلبي فقال :
صلى الله عليه واله ذلك جبرائيل فما قلت له حين دخلت و ما قال لك؟؟
قال :
دخلت و سلمت فقال لي:
و عليك السلام يا
أمير المؤمنين
و رحمة الله و بركاته فقال رسول الله :
يا علي سلمت عليك ملائكة الله و سكان سماواته بإمرة المؤمنين من قبل أن يسلم عليك أهل الأرض
يا علي إن جبرائيل عليه السلام فعل ذلك عن أمر الله عز و جل و قد أوحى إلي عن ربي تبارك و تعالى من قبل دخولك أن أفرض ذلك على الناس و أنا فاعل ذلك إن شاء الله تعالى .
فلما كان من الغد بعثني الرسول صلى الله عليه واله إلى ناحية فدك في حاجة فلبثت أياما ثم قدمت فوجدت الناس يتحدثون أن رسول الله أمر الناس أن يسلموا على علي عليه السلام بإمرة المؤمنين و أن جبرائيل أتاه بذلك عن الله عز و جل فقلت :
صدق رسول الله و أنا قد سمعت جبرائيل سلم على علي بإمرة المؤمنين فحدثتهم الحديث‏ فسمعني
عمر بن الخطاب و أنا أحدث الناس في المسجد فقال لي :
أنت رأيت جبرائيل و سمعته ؟!!
اتق القول فقد قلت قولا عظيما فقد خولط بك فقلت :

جلال الحسيني
12-19-2009, 08:00 PM
(3)

فقلت : نعم أنا سمعت و رأيت ذلك فأرغم الله أنف من رغم فقال:
يا أبا عبد الله لقد رأيت و سمعت عجبا قال حذيفة فسمعني
بريدة بن الحصيب الأسلمي و أنا أحدث ببعض ما رأيت و سمعت فقال لي :
و الله يا ابن اليمان لقد أمرهم رسول الله صلى الله عليه واله بالسلام على علي بإمرة المؤمنين فاستجاب له طائفة يسيرة من الناس و رد ذلك عليه و أباه كثير من الناس فقلت :
يا بريدة أكنت شاهدا ذلك اليوم ؟؟
فقال :
نعم من أوله إلى آخره فقلت له :
حدثني به رحمك الله فإني كنت عن ذلك اليوم غائبا.
قال بريدة :
كنت أنا و عمار أخي رسول الله صلى الله عليه واله في نخيل بني النجار فدخل علينا علي بن أبي طالب عليه السلام فسلم فرد عليه
رسول الله و رددنا ثم قال :
يا علي اجلس هنا فدخل رجال فأمرهم رسول الله بالسلام على
علي بإمرة المؤمنين فسلموا و ما كادوا
ثم دخل أبو بكر و عمر فسلما فقال لهما رسول الله سلما على
علي بإمرة المؤمنين فقالا :
الإمرة من الله و رسوله ؟؟
فقال : نعم ؛
ثم دخل طلحة و سعد بن مالك فسلما فقال لهما النبي :
سلما على علي بإمرة المؤمنين فقالا : عن الله و رسوله؟؟
فقال : نعم قالا :
سمعنا و أطعنا ثم
دخل سلمان الفارسي و أبو ذر الغفاري رضي الله عنهما فسلما فرد عليهما السلام ثم قال لهما :
سلما على علي بإمرة المؤمنين فسلما و لم يقولا شيئا ثم دخل خزيمة بن ثابت و أبو الهيثم بن التيهان فسلما فرد عليهما السلام ثم قال :
سلما على علي عليه السلام بإمرة المؤمنين فسلما و لم يقولا شيئا ثم دخل عمار و مقداد فسلما فرد عليهما السلام و قال :
سلما على علي بإمرة المؤمنين ففعلا و لم يقولا شيئا ثم دخل عثمان
و أبو عبيدة فسلما فرد عليهما السلام و قال :
سلما على علي بإمرة المؤمنين قالا :
عن الله و رسوله؟؟
قال : نعم فسلما ثم دخل فلان و فلان و عدد من جماعة المهاجرين
و الأنصار كل ذلك و رسول الله صلى الله عليه واله يقول
سلموا على علي بإمرة المؤمنين فبعض يسلم و بعض لم يقل شيئا و بعض يقول للنبي عن الله و رسوله ؟؟
فيقول:
نعم حتى غص المجلس بأهله و امتلأت الحجرة و جلس بعض على الباب و في الطريق و كانوا يدخلون فيسلمون و يخرجون ثم قال لي و لأخي : قم يا بريدة أنت و أخوك فسلما على
علي بن أبي طالب بإمرة المؤمنين فقمنا و سلمنا ثم عدنا إلى مواضعنا فجلسنا قال :
ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه واله و قال:
اسمعوا و عوا إني أمرتكم أن تسلموا على علي بإمرة المؤمنين و إن رجالا سألوني ذلك عن أمر الله عز و جل أو أمر رسول الله ما كان لمحمد
أن يأتي أمرا من تلقاء نفسه بل بوحي ربه و أمره أفرأيتم و الذي نفسي بيده لئن أبيتم و نقضتموه لتكفرن و لتفارقن ما بعثني به ربي فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر
قال بريدة :
فلما خرجنا سمعت بعض أولئك الذين أمروا بالسلام على
علي عليه السلام بإمرة المؤمنين
من قريش يقول لصاحبه و قد التفت بهما طائفة من الجفاء البطاء عن الإسلام من قريش أما رأيت ما صنع محمد بابن عمه من علو المنزلة
و المكانة و لو يستطيع و الله لجعله نبيا من بعده؟
فقال له صاحبه :
أمسك و لا يكبرن عليك هذا الأمر فإنا لو فقدنا محمدا لكان فعله هذا تحت أقدامنا
قال حذيفة :
ثم خرج بريدة إلى بعض طرق الشام و رجع و قد قبض رسول الله
و بايع الناس أبا بكر فأقبل بريدة و دخل المسجد و أبو بكر على المنبر و عمر دونه بمرقاة فناداهما من ناحية المسجد :
يا أبا بكر و يا عمر فقال:
ما لك يا بريدة أجننت فقال لهما:
و الله ما جننت و لكن أين سلامكما بالأمس على
علي بإمرةالمؤمنين
فقال له أبو بكر :
يا بريدة الأمر يحدث بعده الأمر فإنك غبت و شهدنا الشاهد يرى ما لا يرى الغائب فقال لهما :
رأيتما ما لم يره الله و لا رسوله و لكن هذا وفاء صاحبك بقوله :
لو فقدنا محمدا لكان هذا قوله تحت أقدامنا
ألا إن المدينة حرام على أن أسكنها أبدا حتى أموت و خرج
بريدة بأهله و ولده فنزل بين قومه بني أسلم فكان يطلع في الوقت دون الوقت فلما أفضى الأمر إلى أمير المؤمنين عليه السلام سار إليه و كان معه حتى قدم العراق فلما أصيب أمير المؤمنين سار إلى خراسان فنزلها فلبث هناك إلى أن مات رحمه الله .
قال حذيفة :
هذه أنباء ما سألتني عنه فقال
الفتى :
لا جزى الله الذين شاهدوا رسول الله و سمعوه يقول هذا القول في علي خيرا فقد خانوا الله و رسوله و أزالوا الأمر عمن رضي به الله
و أقروه فيمن لم يره الله و لا رسوله لذلك أهلا
لا جرم و الله لن يفلحوا بعدها أبدا و نزل حذيفة عن منبره فقال:
يا أخا الأنصار إن الأمر كان أعظم مما تظن أنه...

جلال الحسيني
12-20-2009, 06:05 PM
(4)
إن الأمر كان أعظم مما تظن أنه...
عزب و الله البصر و ذهب اليقين و كثر المخالف و قل الناصر لأهل الحق فقال له الفتى :
فهلا انتضيتم أسيافكم و وضعتموها على رقابكم و ضربتم بها الزائلين عن الحق قدما قدما حتى تموتوا أو تدركوا الأمر الذي تحبونه من طاعة الله عز و جل و طاعة رسوله فقال له :
أيها الفتى إنه أخذ و الله بأسماعنا و أبصارنا و كرهنا الموت و زينت عندنا الحيرة و سبق علم الله بإمرة الظالمين و نحن نسأل الله الصفح لذنوبنا و العصمة فيما بقي من آجالنا فإنه مالك رحيم ثم انصرف حذيفة إلى منزله و تفرق الناس
قال عبد الله بن سلمة :
فبينما أنا ذات يوم عند حذيفة أعوده في مرضه الذي مات فيه و قد كان يوم قدمت فيه من الكوفة و ذلك من قبل قدوم علي عليه السلام إلى العراق فبينما أنا عنده إذ جاء الفتى الأنصاري فدخل على حذيفة فرحب به و أقبل به و أدناه و قرب مجلسه و خرج من كان عند حذيفة من عواده و أقبل عليه فقال:
يا أبا عبد الله سمعتك يوما تحدث عن بريدة بن الخصيب الأسلمي أنه سمع بعض القوم الذين أمرهم رسول الله صلى الله عليه واله أن يسلموا على علي عليه السلام بإمرة المؤمنين يقول لصاحبه :
ما رأيت اليوم ما صنع محمد بابن عمه من التشريف و علو المنزلة حتى لو قدر أن يجعله نبيا لفعل فأجابه صاحبه و قال لا يكبرن عليك فلو فقدنا محمد لكان قوله تحت أقدامنا و قد ظننت نداء بريدة لهما و هما على المنبر أنهما صاحبا القول؟
قال حذيفة :
أجل القائل عمر و المجيب أبو بكر فقال الفتى:
إنا لله و إنا إليه راجعون هلك و الله القوم و بطلت أعمالهم قال حذيفة و لم يزل القوم على ذلك من الارتداد و ما لم يعلم الله منهم أكثر فقال الفتى :
قد كنت أحب أن أتعرف هذا الأمر من فعلهم و لكني أجدك مريضا و أنا أكره أن أملك بحديثي و مسألتي و قام لينصرف فقال حذيفة :
لا بل اجلس يا ابن أخي و تلق مني حديثهم و إن كربني ذلك فلا أحسبني إلا مفارقكم أني لا أحب أن تغتر بمنزلتهما في الناس فهذا ما أقدر عليه من النصيحة لك و لأمير المؤمنين عليه السلام من الطاعة له و لرسوله و ذكر منزلته فقال :
يا أبا عبد الله حدثني بما عندك من أمورهم لأكون على بصيرة من ذلك فقال حذيفة :
إذا و الله لأخبرنك بخبر سمعته و رأيته
و لقد و الله دلنا على ذلك من فعلهم على أنهم و الله ما آمنوا بالله و لا برسوله طرفة عين
و أخبرك أن الله تعالى أمر رسوله في سنة عشر من مهاجرته من مكة إلى المدينة أن يحج هو و يحج الناس معه فأوحى إليه بذلك وَ
أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالا وَ عَلى‏ كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ فأمر رسول الله صلى الله عليه واله المؤذنين فأذنوا في أهل السافلة و العالية ألا إن رسول الله صلى الله عليه واله قد عزم على الحج في عامه هذا ليفهم الناس حجهم و يعلمهم مناسكهم فيكون سنة لهم إلى آخر الدهر قال

(5)

فلم يبق أحد ممن دخل في الإسلام إلا حج مع رسول الله لسنة عشر ليشهدوا منافع لهم و يعلمهم حجهم و يعرفهم مناسكهم و خرج
رسول الله صلى الله عليه واله بالناس و خرج بنسائه معه و هي حجة الوداع فلما استتم حجهم و قضوا مناسكهم و عرف الناس جميع
ما احتاجوا إليه و أعلمهم أنه قد أقام لهم ملة إبراهيم عليه السلام و قد أزال عنهم جميع ما أحدثه المشركون بعده و رد الحج إلى حالته الأولى و دخل مكة فأقام بها يوما واحدا هبط عليه الأمين
جبرائيل عليه السلام بأول سورة العنكبوت فقال اقرأ يا محمد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ‏
فقال رسول الله صلى الله عليه واله يا جبرائيل و ما هذه الفتنة؟
فقال :
يا محمد إن الله تعالى يقرئك السلام و يقول لك :
إني ما أرسلت نبيا قبلك إلا أمرته عند انقضاء أجله أن يستخلف على أمته من بعده من يقوم مقامه و يحيا لهم سنته و أحكامه فالمطيعون لله فيما يأمرهم به رسول الله صلى الله عليه واله الصادقون و المخالفون على أمره هم الكاذبون و قد دنا يا محمد مصيرك إلى ربك و جنته و هو يأمرك أن تنصب لأمتك من بعدك
علي بن أبي طالب عليه السلام
و تعهد إليه فهو الخليفة القائم برعيتك و أمتك إن أطاعوه أسلموا و إن عصوه كفروا و سيفعلون ذلك و هي الفتنة التي تلوت الآي فيها و أن الله عز و جل يأمرك أن تعلمه جميع ما علمك و تستحفظه جميع ما استحفظك و استودعك فإنه الأمين المؤتمن يا محمد إني اخترتك من عبادي نبيا و اخترته لك وصيا قال فدعا رسول الله صلى الله عليه والهعليا عليه السلام
فخلا به يومه ذلك و ليلته و استودعه العلم و الحكمة التي آتاه الله إياها و عرفه ما قال جبرائيل
و كان ذلك في يوم عائشة بنت أبي بكر فقالت:
يا رسول الله لقد طال استخلاؤك بعلي منذ اليوم قال فأعرض
رسول الله صلى الله عليه واله فقالت:
لم تعرض عني يا رسول الله قال بأمر لعله يكون لي صلاحا لمن أسعده الله بقبوله و الإيمان به و قد أمرت بدعاء الناس جميعا إليه و ستعلمين ذلك إذا أنا قمت به في الناس قالت :
يا رسول الله و لم لا تخبر به الآن لأتقدم بالعمل به و لآخذ بما فيه الصلاح قال:
سأخبرك به فاحفظيه إلى أن أؤمر بالقيام به في الناس جميعا فإنك إن حفظتيه حفظك الله في العاجلة و الآجلة جميعا و كان لك الفضيلة بسبقه و المسارعة إلى الإيمان بالله و رسوله و لو أضعتيه و تركت رعاية ما ألقي إليك منه كفرت بربك و حبط أجرك و برئت منك ذمة الله و رسوله و كنت من الخاسرين و لم يضر الله ذلك و لا رسوله فضمنت له حفظه و الإيمان به و رعايته فقال
رسول الله صلى الله عليه واله :
إن الله تعالى أخبرني أن عمري قد انقضى و أمرني أن أنصب
عليا
للناس علما و أجعله فيهم إماما و أستخلفه كما استخلف الأنبياء من قبلي أوصياءهم و أنا صائر إلى ربي و آخذ فيه بأمره فليكن هذا الأمر منك تحت‏ سويداء قلبك إلى أن يأذن الله بالقيام به فضمنت له ذلك و لقد أطلع الله نبيه على ما يكون منها فيه و من صاحبتها حفصة
و أبويهما فلم تلبث أن أخبرت حفصة و أخبرت كل واحدة منها أباها فاجتمعا فأرسلا إلى جماعة الطلقاء و المنافقين فخبراهم بالأمر فأقبل بعضهم على بعض و قالوا :
إن محمدا يريد أن يجعل هذا الأمر في أهل بيته كسنة كسرى و قيصر إلى آخر الدهر و لا و الله ما لكم في الحياة من حظ إن أفضى هذا الأمر إلى علي بن أبي طالب و أن محمدا عاملكم على ظاهركم و أن عليا يعاملكم على ما يجد في نفسه منكم فأحسنوا النظر لأنفسكم في ذلك و قدموا آراءكم فيه .
و دار الكلام فيما بينهم و أعادوا الخطاب و أجالوا الرأي فاتفقوا على أن ينفروا بالنبي صلى الله عليه واله ناقته على
عقبة هرشى
و قد كانوا صنعوا مثل ذلك في غزاة تبوك فصرف الله الشر عن نبيه صلى الله عليه واله فاجتمعوا في أمر رسول الله من القتل و الاغتيال و استقاء السم على غير وجه و قد كان اجتمع أعداء
رسول الله صلى الله عليه واله من الطلقاء من قريش و المنافقين من الأنصار و من كان في قلبه الارتداد من العرب في المدينة و ما حولها فتعاقدوا و تحالفوا على أن ينفروا به ناقته و كانوا أربعة عشر رجلا و كان من عزم رسول الله أن يقيم عليا عليه السلام و ينصبه للناس بالمدينة إذا أقدم فسار رسول الله يومين و ليلتين فلما كان في اليوم الثالث أتاه جبرائيل عليه السلام بآخر سورة الحجر فقال: اقرأ
فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ
قال و رحل رسول الله و أغدق السير مسرعا على دخول المدينة لينصب عليا عليه السلام علما للناس فلما كانت الليلة الرابعة هبط جبرائيل عليه السلام في آخر الليل فقرأ عليه :
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ
و هم الذين هموا برسول الله فقال صلى الله عليه واله :
أ ما تراني يا جبرائيل أغدق السير مجدا فيه لأدخل المدينة فأعرض ولاية علي على الشاهد و الغائب فقال له جبرائيل عليه السلام الله يأمرك.

جلال الحسيني
12-21-2009, 06:48 AM
(6)

فقال له جبرائيل عليه السلام الله يأمرك أن تفرض ولايته غدا إذا نزلت منزلك فقال رسول الله:
نعم يا جبرائيل ‏ غدا أفعل ذلك إن شاء الله
و أمر رسول الله بالرحيل من وقته و سار الناس معه حتى نزل
بغدير خم
و صلى بالناس و أمرهم أن يجتمعوا إليه و دعا
عليا عليه السلام
و رفع رسول الله صلى الله عليه واله يد علي اليسرى بيده اليمنى و رفع صوته بالولاء لعلي على الناس أجمعين و فرض طاعته عليهم و أمرهم أن لا يختلفوا عليه بعده و خبرهم أن ذلك عن الله عز و جل و قال لهم :
ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم قالوا:
بلى يا رسول الله قال:
فمن كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه و عاد من عاداه و انصر من نصره و اخذل من خذله
ثم أمر الناس أن يبايعوه فبايعه الناس جميعا و لم يتكلم منهم أحد
و قد كان أبو بكر و عمر تقدما إلى الجحفة فبعث و ردهما ثم قال لهما النبي صلى الله عليه واله متهجما:
يا ابن أبي قحافة و يا عمر بايعا عليا بالولاية من بعدي فقالا :
أمر من الله و رسوله؟
فقال:
و هل يكون مثل هذا من غير أمر الله و من رسوله ؛
نعم أمر من الله و من رسوله فبايعا ثم انصرفا و ساير
رسول الله صلى الله عليه واله
باقي يومه و ليلته حتى إذا دنوا من العقبة تقدمه القوم فتواروا في ثنية العقبة و قد حملوا معهم دبابا و طرحوا فيها الحصى قال :
حذيفة و دعاني رسول الله و دعا عمار بن ياسر و أمره أن يسوقها و أنا أقودها حتى إذا صرنا في رأس العقبة ثار القوم من ورائنا
و دحرجوا الذباب بين قوائم الناقة فذعرت و كادت أن تنفر
برسول الله فصاح بها النبي:
أن اسكني و ليس عليك بأس فأنطقها الله تعالى بقول عربي فصيح فقالت :
و الله يا رسول الله ما أزلت يدا عن مستقر يد و لا رجل عن موضع رجل و أنت على ظهري فتقدم القوم إلى الناقة ليدفعوها فأقبلت أنا
و عمار نضرب وجوههم بأسيافنا و كانت ليلة مظلمة فزالوا عنا و أيسوا مما ظنوا و دبروا فقلت : يا رسول الله من هؤلاء القوم و ما يريدون ؟
فقال :
يا حذيفة هؤلاء المنافقون في الدنيا و الآخرة فقلت : ألا تبعث إليهم يا رسول الله رهطا فيأتوا برءوسهم؟
فقال : إن الله أمرني أن أعرض عنهم و أكره أن يقول الناس إنه دعا أناسا من قومه و أصحابه إلى دينه فاستجابوا له فقاتل بهم حتى ظهر على عدوه ثم أقبل عليهم فقتلهم و لكن دعهم
يا حذيفة فإن الله لهم بالمرصاد و سيمهلهم قليلا ثم يضطرهم إلى عذاب غليظ فقلت:
و من هؤلاء المنافقون يا رسول الله أمن المهاجرين أم من الأنصار؟؟ فسماهم لي رجلا رجلا حتى فرغ منهم و قد كان فيهم أناس أكره أن يكونوا منهم فأمسكت عن ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه واله
يا حذيفة كأنك شاك في بعض من سميت لك ارفع رأسك إليهم فرفعت طرفي إلى القوم و هم وقوف على الثنية فبرقت برقة فأضاءت جميع ما حولنا و ثبتت البرقة حتى خلتها شمسا طالعة فنظرت و الله إلى القوم فعرفتهم رجلا رجلا و إذا هم كما قال رسول الله و عدد القوم أربعة عشر رجلا تسعة من قريش و خمسة من سائر الناس فقال له :سمهم لنا يرحمك الله؟ فقال حذيفة: هم و الله أبو بكر و عمر و عثمان و طلحة و عبد الرحمن بن عوف و سعد بن أبي وقاص و أبو عبيدة بن الجراح و معاوية بن أبي سفيان و عمرو بن العاص هؤلاء من قريش و أما الخمسة
فأبو موسى الأشعري و المغيرة بن شعبة الثقفي و
أوس بن الحدثان البصري و أبو هريرة و أبو طلحة الأنصاري قال حذيفة :
ثم انحدرنا من العقبة و قد طلع الفجر فنزل
رسول الله صلى الله عليه واله فتوضأ و انتظر أصحابه حتى انحدروا من العقبة و اجتمعوا فرأيت القوم بأجمعهم و قد دخلوا مع الناس و صلوا خلف رسول الله فلما انصرف من صلاته التفت فنظر إلى
أبي بكر و عمر و أبي عبيدة
يتناجون فأمر مناديا فنادى في الناس لا يجتمع ثلاثة نفر من الناس يتناجون فيما بينهم بسر و ارتحل رسول الله صلى الله عليه واله بالناس من منزل العقبة فلما نزل المنزل الآخر رأى
سالم مولى أبي حذيفة أبا بكر و عمر و أبا عبيدة
يسار بعضهم بعضا فوقف عليهم و قال :
أليس قد أمر رسول الله أن لا يجتمع ثلاثة نفر من الناس على سر و الله لتخبروني عما أنتم و إلا أتيت رسول الله حتى أخبره بذلك منكم؟ فقال أبو بكر :
ياسالم عليك عهد الله و ميثاقه و لئن نحن خبرناك بالذي نحن فيه و بما اجتمعنا له فإن أحببت أن تدخل معنا فيه دخلت و كنت رجلا منا
و إن كرهت ذلك كتمته علينا فقال سالم:
ذلك لكم مني و أعطاهم بذلك عهده و ميثاقه و كان سالم شديد البغض و العداوة لعلي بن أبي طالب عليه السلام و عرفوا ذلك منه فقالوا له :
إنا قد اجتمعنا على أن نتحالف و نتعاقد على أن لا نطيع محمدا فيما فرض علينا من ولاية علي بن أبي طالب عليه السلام بعده فقال لهم سالم:
عليكم عهد الله و ميثاقه إن في هذا الأمر كنتم تخوضون و تتناجون الله قالوا :
أجل علينا عهد الله و ميثاقه إنما كنا في هذا الأمر بعينه لا في شي‏ء سواه قال سالم :
و أنا و الله أول من يعاقدكم على هذا الأمر و لا يخالفكم عليه إنه و الله ما طلعت الشمس على أهل بيت أبغض إلي من بني هاشم و لا في بني هاشم أبغض إلي و لا أمقت من علي بن أبي طالب عليه السلام فاصنعوا في هذا الأمر ما بدا لكم فإني واحد منكم فتعاقدوا من وقتهم على هذا الأمر ثم تفرقوا فلما أراد رسول الله صلى الله عليه واله المسيرة أتوه فقال لهم:
فيم كنتم تتناجون في يومكم هذا و قد نهيتكم عن النجوى ؟
فقالوا :
يا رسول الله ما التقينا غير وقتنا هذا فنظر إليهم
النبي صلى الله عليه واله مليا ثم قال لهم:
أنتم أعلم أم الله وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ثم سار حتى دخل المدينة و اجتمع القوم جميعا و كتبوا بينهم
صحيفة
على ذكر ما تعاقدوا عليه في هذا الأمر و كان أول ما في
الصحيفة

جلال الحسيني
12-21-2009, 06:05 PM
(7)
و كان أول ما في الصحيفة
النكث لولاية علي بن أبي طالب عليه السلام
و أن الأمر لأبي بكر و عمر و أبي عبيدة و سالم معهم ليس بخارج عنهم و شهد بذلك أربعة و ثلاثون رجلا هؤلاء أصحاب العقبة و عشرون رجلا آخر استودعوا الصحيفة أبا عبيدة بن الجراح و جعلوه أمينهم قال فقال الفتى :
يا أبا عبد الله يرحمك الله هبنا نقول إن هؤلاء القوم رضوا
أبا بكر و عمر و أبا عبيدة لأنهم من مشيخة قريش و من المهاجرين الأولين فما بالهم رضوا بسالم و ليس هو من قريش و لا من المهاجرين و لا من الأنصار و إنما هو عبد لامرأة من الأنصار ؟قال فقال حذيفة:
يا الفتى إن القوم أجمع تعاقدوا على إزالة هذا الأمر عن
علي بن أبي طالب حسدا منهم له و كراهة لأمره و اجتمع لهم مع ذلك ما كان في قلوب قريش عليه من سفك الدماء و كان خاصة
رسول الله صلى الله عليه واله و كانوا يطلبون الثأر الذي أوقعه
رسول الله بهم عند علي من بني هاشم فإنما كان العقد على إزالة هذا الأمر عن علي بن أبي طالب من هؤلاء الأربعة عشر و كانوا يرون أن سالما رجل منهم‏
قال الفتى فأخبرني يرحمك الله عما كتب جميعهم في الصحيفة لأعرفه فقال حذيفة :
حدثني بذلك أسماء بنت عميس الخثعمية امرأة أبي بكر أن القوم اجتمعوا في منزل أبي بكر فتآمروا في ذلك و أسماء تسمعهم و تسمع جميع ما يدبرونه في ذلك حتى اجتمع رأيهم على ذلك
فأمروا سعيد بن العاص الأموي فكتب لهم
الصحيفة
باتفاق منهم و كانت نسخة
الصحيفة
هذا
بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما اتفق عليه الملأ من أصحاب محمد رسول الله صلى الله عليه واله من المهاجرين و الأنصار الذين مدحهم الله في كتابه على لسان نبيه صلى الله عليه واله اتفقوا جميعا بعد أن اجتهدوا في رأيهم و تشاوروا في أمورهم و كتبوا هذه الصحيفة نظرا منهم إلى الإسلام و أهله على غابر الأيام و باقي الدهور ليقتدي بهم من يأتي من بعدهم من المسلمين
أما بعد:
فإن الله بمنه و كرمه بعث محمدا رسولا إلى الناس كافة بدينه الذي ارتضاه لعباده فأدى ذلك و بلغ ما أمره الله به و أوجب علينا القيام بجمعه حتى إذا أكمل الدين و فرض الفرائض و أحكم السنن و اختار ما عنده فقبضه إليه مكرما محبورا من غير أن يستخلف أحدا من بعده و جعل الاختيار إلى المسلمين يختارون لأنفسهم من وثقوا برأيه و نصحه لهم و إن للمسلمين
برسول الله أسوة حسنة قال الله تعالى
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَ الْيَوْمَ الْآخِرَ
و إن رسول الله صلى الله عليه واله لم يستخلف أحدا لئلا يجري من أهل بيت واحد فيكون إرثا دون سائر المسلمين و لئلا يكون دولة بين الأغنياء منهم و لئلا يقول المستخلف إن هذا الأمر باق في عقبه من ولد إلى ولد إلى يوم القيامة و الذي يجب على المسلمين عند مضي خليفة من الخلفاء أن يجتمع ذوو الرأي و الصلاح منهم فيتشاوروا في أمورهم فمن رأوه مستحقا لها ولوه أمورهم و جعلوا القيم عليهم فإنه لا يخفى على أهل كل زمان من يصلح منهم للخلافة
فإن ادعى مدع من الناس جميعا أن رسول الله استخلف رجلا بعينه نصبه للناس و نص عليه باسمه و نسبه فقد أبطل في قوله و أتى بخلاف ما يعرفه‏ أصحاب رسول الله و خالف على جماعة المسلمين و إن ادعى مدع أن خلافة رسول الله إرث و أن
رسول الله يورث فقد أحال في قوله لأن رسول الله قال نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة و إن ادعى مدع أن الخلافة لا تصلح إلا لرجل واحد من بين الناس جميعا و أنها مقصورة فيه و لا تنبغي لغيره لأنها تتلو النبوة فقد كذب لأن
النبي قال أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم و إن ادعى مدع أنه مستحق الإمامة و الخلافة بقربه من رسول الله ثم هي مقصورة عليه و على عقبها يرثها الولد منهم والداه ثم هي كذلك في كل عصر و كل زمان لا تصلح لغيرهم و لا ينبغي أن تكون لأحد سواهم إلى أن يرث الله الأرض و من عليها فليس له و لا لولده و إن دنا من النبي صلى الله عليه واله نسبه لأن الله يقول و قوله القاضي على كل أحد
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ و قال رسول الله إن ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم و قربهم كلهم يد على سواهم فمن آمن بكتاب الله و أقر بسنة رسول الله صلى الله عليه واله فقد استقام و أناب و أخذ بالصواب و من كره ذلك من فعالهم فخالف الحق و الكتاب و فارق جماعة المسلمين فاقتلوه فإن في قتله صلاحا للأمة و قد قال رسول الله صلى الله عليه واله من جاء إلى أمتي و هم جمع ففرق بينهم فاقتلوه و اقتلوا أي فرد كائنا من كان من الناس فإن الاجتماع رحمة و الفرقة عذاب و قال لا تجتمع أمتي على الضلال أبدا و إن المسلمين يد واحدة على من سواهم فإنه لا يخرج عن جماعة المسلمين إلا مفارق معابدهم و مظاهر عليهم أعداءهم فقد أباح الله و رسوله دمه و أحل قتله و كتب سعيد بن العاص باتفاق ممن أثبت اسمه و شهاداته آخر هذه الصحيفة في المحرم سنة عشر من الهجرة و الحمد لله رب العالمين و صلى الله على محمد النبي و آله و سلم
ثم دفعت الصحيفة إلى أبي عبيدة بن الجراح فوجه بها إلى مكة فلم تزل الصحيفة في الكعبة مدفونة إلى أن ولي الأمر عمر بن الخطاب فاستخرجها من موضعها و هي الصحيفة التي تمنى
أمير المؤمنين عليه السلام لما توفي عمر فوقف به و هو

جلال الحسيني
12-22-2009, 07:29 AM
(8)
و هي
الصحيفة
التي تمنى أمير المؤمنين عليه السلام لما توفي عمر فوقف به و هو
مسجى بثوبه فقال ما أحب إلي أن ألقى الله
بصحيفة
هذا المسجى ثم انصرفوا و صلى رسول الله بالناس صلاة الفجر ثم قعد في مجلسه يذكر الله عز و جل حتى طلعت الشمس فالتفت إلى
أبي عبيدة بن الجراح
فقال له :
بخ بخ من مثلك لقد أصبحت أمين هذه الأمة ثم تلا قوله: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَ وَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ
لقد أشبه هؤلاء رجال في هذه الأمة ليستخفوا له من الناس و لا يستخفون من الله و هو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول و كان الله بما يعملون محيطا ثم قال
لقد أصبح في هذه الأمة في يومي هذا قوم شابهوهم في صحيفتهم
التي كتبوها علينا في الجاهلية و علقوها في الكعبة و إن شاء الله تعالى يعذبهم عذابا ليبتليهم و يبتلي من يأتي بعدهم تفرقة بين الخبيث و الطيب و لو لا أنه سبحانه أمرني بالإعراض عنهم للأمر الذي هو بالغه لقدمتهم فضربت أعناقهم قال حذيفة :
فو الله لقد رأينا هؤلاء النفر عند قول رسول الله لهم هذه المقالة و قد أخذتهم الرعدة لا يملك أحد منهم من نفسه شيئا و لم يخف على أحد ممن حضر مجلس رسول الله ذلك اليوم و أن رسول الله صلى الله عليه واله إياهم عنى بقوله لهم ضرب تلك الأمثال بما تلا من القرآن قال و لما قدم رسول الله من سفره ذلك نزل بمنزل أم سلمة رضوان الله عليها زوجته فأقام به شهرا لا ينزل منزلا سواه من منازل أزواجه كما كان يفعل قبل ذلك فشكت عائشة و حفصة ذلك إلى أبويهما فقالا لهما: إنا لنعلم لم صنع ذلك و لأي شي‏ء هو امضيا إليه فلاطفاه و خادعاه عن نفسه فإنكما تجدانه حييا كريما فلعلكما تصلان ما في قلبه و تستخرجان سخيمته قال: فمضت عائشة وحدها إليه فأصابته في منزل أم سلمة و عنده علي بن أبي طالب عليه السلام فقال لها النبي صلى الله عليه واله :
ما جاء بك يا حميراء؟
قالت: يا رسول الله أنكرت تخلفك من منزلك هذه المدة و أنا أعوذ بالله من سخطك يا رسول الله فقال لو كان الأمر كما تقولين لما أظهرت بسر وصيتك بكماله لقد هلكت‏ و أهلكت أمة من الناس ثم أمر خادمة لأم سلمة فقال:
اجمعي لي هؤلاء يعني نساءه فجمعتهن له في منزل أم سلمة فقال لهن :
اسمعن ما أقول لكن و أشار بيده إلى
علي بن أبي طالب عليه السلام
فقال لهن :
هذا أخي و وصيي و وارثي و القائم فيكن و في الأمة من بعدي فأطعنه فيما يأمركن به و لا تعصينه فتهلكن لمعصيته ثم قال :
يا علي أوصيك بهن فأمسكن ما أطعن الله و أطعنك و أنفق عليهن من مالك و أمرهن بأمرك و انههن عما يريبك و خل سبيلهن إن عصينك فقال علي عليه السلام يا رسول الله إنهن نساء و فيهن الوهن و ضعف الرأي فقال:
ارفق بهن ما كان الرفق أمثل
فمن عصاك منهن فطلقها طلاقا يبرأ الله و رسوله منها
قال كل نساء النبي قد صمتن فما يقلن شيئا فتكلمت عائشة فقالت:
يا رسول الله ما كنا لتأمرنا بشي‏ء فنخالفه إلى ما سواه فقال لها: بلى قد خالفت أمري أشد خلاف و ايم الله لتخالفين قولي هذا و لتعصينه بعدي و لتخرجين من البيت الذي أخلفك فيه متبرجة فيه قد حف بك فئات من الناس فتخالفينه ظالمة له عاصية لربك و لتنبحنك في طريقك كلاب الحوأب
ألا إن ذلك كائن ثم قال : قمن فانصرفن إلى منازلكن فقمن فانصرفن قال: ثم إن رسول الله صلى الله عليه واله جمع أولئك النفر و من والاهم على علي بن أبي طالب و طابقهم على عداوته و من كان من الطلقاء المنافقين و كان زهاء أربعة آلاف رجل فجعلهم تحت يدي أسامة بن زيد مولاه و أمره عليهم و أمره بالخروج إلى ناحية من الشام فقالوا: يا رسول الله إنا قد قدمنا من سفرنا الذي كنا فيه معك و نحن نسألك أن تأذن لنا في المقام لنصلح من شأننا ما يصلحنا في سفرنا قال: فأمرهم أن يكونوا في المدينة ريث إصلاح ما يحتاجون إليه و أمر أسامة بن زيد فعسكر بهم على أميال من المدينة فأقام بمكانه الذي حد له رسول الله منتظرا للقوم أن يرافقوه إذا فرغوا من أمورهم و قضاء حوائجهم و إنما أراد