المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الموضوع راح يغير حياتك للافضل.. اقرا وشوف كيف يكون طريقك ..


بنـ الحسين ـت
02-12-2010, 12:50 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل على محمد وآلأ محمد وعجل فرجهم

الموضوع منقول من احد الكت الدينيه تحت مسمى " مسير الارواح في علم البرزخ"
للكاتب "اصغر بهنمي "

قال الامام على عليه السلام "الناس نيام فاذا ماتوا انتبهوا"

قال الامام علي عليه السلام "آهٍ من قلة الزاد وطول الطريق وبعد السفر وعظيم المورد"
الاحتضار
منذ أيام عم الالم جسدي واخذ يؤذيني ... وبدأت علامات الموت تدنو مني وحلّت بي حالة الاحتضار.
اداروا برجليّ نحو القبلة , واحاط بي زوجتي وأبنائي وأقربائي وبعض أصدقائي , ومنهم من ترقرقت دموع عينيه , أغمضت عينيَّ بهدوء وغرقت في بحر أفكاري , وأخذت أفكر مع نفسي , بم قضيت عمري , ومن أين لملمت أموالي - رغم قلتها - وأين أنفقتها ؟.
لقد كان التفكير بذلك يؤلمني كثيرا ً , ومن شدة القلق فتحت عيوني.
الموت (( خروج الروح من الجسم))
((الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا))
في تلك الأثناء انتبهت إلى وجود شبح طويل القامة يرتدي ثيابا ً بيضاء قد نشب يديه على أطراف أصابع قدميّ واخذ يتجه نحو الأعلى من جسدي , ولم أكن أشعر بالالم عندما كان عند قدميّ ولكن الالم أخذ يزداد كلما ارتفع نحو الأعلى وكأن الالم بأجمعه أخذ يتحرك نحو الأعلى من جسدي , حتى وصلت يده إلى حلقومي , حينها أصبح جسدي بلا شعور , بيد أن رأسي أصبح ثقيلا ً بحيث كنت اشعر بأنها سينفجر من شدة الضغط , وأنا عيني ّ ستخرجان من حدقتيهما .
تقدّم عمي الشيخ العجوز نحوي وقد امتلأت عيناه بالدموع وقال لي : يا ولدي اقرأ الشهادتين , أنا أقرأها وأنت رددها معي : اشهد أن لا اله الا الله وأشهد أن محمد رسول الله وأن عليا ً ولي الله ...
لقد كنت اراه واسمع صوته , فتحركت شفتاي ببطء , وما أن اردت التلفظ بالشهادتين حتى أحاطت بي أشباح سوداء قبيحة والحّوا عليّ أن لا أنطق بالشهادتين . لقد كنت سمعتُ بأن الشياطين تحاول سلب إيمان المرأ عند موته , لكنني لم أكن أتصور أبدا ً أنهم يفلحون في صدي !.
ومرة أخرى ادنى عمي بوجهه مني وتلفظ بالشهادتين , ولما اردت تحريك لساني تحرك الشياطين مرة أخرى ولكن عن طريق التهديد في هذه المرة .
لقد كانت لحظات عجيبة , فمن ناحية كان الذي يرتدي ثيابا ً بيضاء يمارس أعمالاً مدهشة , ومن جهة ثانية , كنت أواجه اصرار عمي على النطق بالشهادتين , وثالثة محاولات الأشباح الخبيثة في سلب إيماني في آخر لحظات حياتي.
ثقُل لساني وكأن شفتي قد خبطت مع بعضها , لقد اعتراني العجز , وكنت أريد الخلاص من هذا الوضع المؤلم ولكن كيف ؟ وعن أي طريق ؟ وبواسطة منْ ؟ في غضون ذلك التجاذب ظهرت من بعيد أنوار ساطعة فقام ذلك الرجل ذو الثياب البيضاء اجلالاً لها فيما ولَّت تلك الوجوه القبيحة هاربة , ورغم عدم معرفتي في تلك اللحظات لتلك الأنوار الطاهرة الفريدة لكنني عرفت فيما بعد أنهم الأئمة الأطهار - عليهم السلام - قد حضروني في اللحظات الحساسة وببركة وجودهم اشرق وجهي وانفتح لساني فحركت شفتي َّ ونطقت بالشهادتين هنا امتدت يد ذلك الرجل ذي الثياب البيضاء لتمسح على وجهي وشعرت بالاطمئنان بعد أن كنت أعاني شدة الالم والاضطراب .
لقد أصبحت وكأنني القيت الآلام والعذاب بأجمعه على كاهل أهل الدنيا لأنني شعرت بالاستقرار وكأنني لم أرَ حرية واسقرارا ً كالذي عشته في ذلك اليوم فقد انفتح لساني وانشرح عقلي . كنت أرى الجميع وأسمع أحاديثهم . هنا وقعت عيناي على ذلك الرجل ذي الثياب البيضاء فسألته : من أنت ؟ وماذا تريد مني ؟ فانني أعرف كلّ الذي حولي إلاّ أنت , فقال : كان عليك ان تعرفني , أنا ملك الموت , فاضطربت لسماع اسمه واهتز كياني , فوقفت أمامه اتخضع وقلت : السلام عليك يا ملك ربي فلطالما سمعت باسمك ومع ذلك لم استطع معرفتك حين الموت, هل تريد الاذن مني كي تقبض روحي ؟
فأجاب ملك الموت مبتسما ً : ً : انني لا أحتاج إلى إذنٍ من ايِّ أحد لأنتزع روحه من جسده, واذا ما تأملت جيدا ً سترى أنك قد ودعت الحياة الفانية , انظر الى جسدك قد بقي بين اهل الأرض , فنظرت إلى أسفل فاستحوذت عليّ الدهشة والحيرة , اذ ان جسدي مطروح على الأرض بلا حراك بين أقربائي ومعارفي , فيما كانت زوجتي وأبنائي وكثير من أقاربي يحومون حولي وهم يبكون وترتفع صرخاتهم إلى عنان السماء واخذ آخرون بالشكوى والتساؤل : لقد تعجل عليه الموت , لماذا ؟
اخذت أفكر مع نفسي : لِمَ ينوح هؤلاء ؟ ومن أجل مَن؟ اردت دعوتهم لالتزام الهدوء , وهل يكون ذلك ؟... صرخت فيهم : أيها الأعزاء التزموا الهدوء , أما تريدون راحتي واستقراري ؟ فلماذا هذا التفجع والحزن ؟
بعد الألم المضني اصبحت الآن في كامل الراحة والسعادة .
انني أخاطبكم أما تسمعون ؟لِمَ هذ البكاء ؟ ممَّ عويلكم وبكاؤكم ؟ نوروا الدار بالدعاء وذكر الحق تعالى.
استمر عويل واستغاثة الحاضرين , يعلو ويعلو , هنا سمعت صوت ملك الموت يقول : ما الذي دهى هؤلاء ؟ ممَّ صراخهم وعويلهم ؟ ولمَ هذه الشكوى والتفجع ؟ لمَ هذا البكاء واللطم على الرؤوس ؟ اقسم بالله انني لم ارتكب ظلما ً بحقه , فلقد نفد رزقه في هذه الدنيا , ولو كنتم مكاني لقبضتم روحي بأمر من الله , اعلموا أن دوركم سيأتي يوماً ما , وسأتردد على هذه الدار حتى لا أدع أحداً فيها , ان عبادتي وطاعتي لله هي أن أقطع كل يوم وليلة أيدي الكثيرين عن هذه الدنيا .
الناس مستمرون بعملهم لا يسمعون هذه الانذارات . تمنيت لو كنت سمعت هذه الانذارات ولو مرة واحدة في الحياة الدنيا كي تكون عبرة لي ... لكن واحسرتاه ثم واحسرتاه !
لفوني بقطعة قماش وبعد ساعة حملوني إلى المغتسل , انه مكان معروف لدي فطالما جئت هنا لغسل أمواتنا , وهنا لفت انتباهي المغسِّل حيث كان يقلبني كيف شاء ودون عناء – ونظرا ً لعنايتي بجسمي فقد صرخت بالمغسِّل : تمهل قليلاً ! ارفق بي ! فقبل لحظات خرجت الروح من هذه العروق فاضعفتها واعجزتها ... لكنه واصل عمله دون ادنى عناية بمطالبي المتكررة .
انتهى الغُسل , ثم لفوني بذلك الكفن الذي كُنت قد اشتريته بنفسي ... لقد كنت أفكر آنذاك بأن شراء الكفن انما هو عمل روتيني , ولكن ما اسرع أن لُفَّ جسدي بالبياض . حقا ً ان الدنيا دار جواز .
وعند سماعي لنداء الصلاة ... الصلاة ... الصلاة ... دخلني نوع من الطمأنينة .

التشييع ....
(( انا راحل , وثقوا أنكم ستلحقون بي , ولا تتصوروا أن الموت خُلق لغيركم , عجبا ً لكم تشاهدون الموت ولا زلتم غافلين ))
لما انتهت الصلاة حملوا جنازتي على ايديهم , ومرة أخرى بعثت صرخات الشهادتين الطمأنينة في نفسي , ولعلاقتي بجسدي امسكت بأعلى الجنازة وأخذت أسير معها .
لقد كنت أعرف المشيعين جيدا ً, مجموعة أمسكت بأعلى التابوت , وأخرى تمشي خلفه , كنت أسمع أصواتهم وأحاديثهم , حتى ان باطن الكثير منهم قد انكشف لي , ومن هنا قد اعتراني السرور لحضور البعض , فيما كان حضور آخرين يؤذيني حيث كانت الرائحة الكريهة المنبعثة منهم تعذبني . كنت أرى بعضهم على هيئة قردة في حين كنت أحسبهم في الدنيا من الصالحين , ومن جانب آخر نظرت إلى أحد معارفي فداعبت روحي رائحة العطر المنبعثة منه , وقد كنت في الدنيا لا أكن له الاحترام للبساطة الطاغية على ظاهره , وربما أسقطته في عيني غيبة الآخرين له وو ... كان التابوت يسير مرفوعا ً على أكتاف الأصدقاء وكنت أرافقهم والقلق من المستقبل يهيمن عليَّ.
في الوقت الذي كانت ألسنة الكثير من المشيعين تترنم بنداء ((لا اله الا الله )) , كان اثنان من أصدقائي يتهامسان فيما بينهما فدنوت منهما وانصتُّ لحديثهما , واعجبا ً! متى تستيقظان من غلتكما ؟ اتتحدثان عن معاملة وصكوك مرفوضة وأرباح و ... ؟ كان من الأفضل أن تفكرا ف هذه اللحظات باخرتكما , بذلك اليوم الذي سيحل عليكما وينقض عليكما الموت ! اذ ستنقطع ايديكما عن الأرض والسماء وتغلق صحيفة أعمالكما وتطلبان الفرصة مثلي , حينها لن تحصلا على الإذن بالعودة وستعضان على ايدي الندامة : ياليتنا قد فكّرنا بهذه الدنيا الباقية في تلك الدنيا الزائلة .
ايّها الأصدقاء ! انني أدعو لكم أن تعمر دنياكم وتكون آخرتكم أكثر عمرانا ً , ولكن أقسم عليكم بالله أن تستيقظوا من غفلتكم وفكّروا جيدا ً, واذا لم تفكروا بي ففكروا بآخرتكم على أقل تقدير , فكروا بذلك اليوم حيث ستلتحقون بي . امضوا هذه اللحظات بذكر الموت , فإذا لم تفكروا بالموت هنا , فأين ستعودون لأنفسكم ؟ كأنّ الموت لم يخلق لكم؟ عجبا ً لكم تنظرون إلى الموت ولا زلتم غافلين .
وهنا توجهت لأهلي وعيالي قائلا ً :
ايها الأعزاء ! لا تغرنّكم الدنيا كما غرّتني , لقد اجبرتموني على جمع الأموال التي لذاتها لكم وتبعاتها عليّ
القبر ....
وصل المشيعون إلى المقبرة , وعند مشاهدتي لها استحوذ على فؤادي الغم , مرّوا على العديد من القبور حتى بانت حفرةٌ من بعيد فهيمن عليَّ الاضطراب والرعب.
بقيت مسافة حتى قبري فوضعوا جنازتي على الأرض , واسترحت قليلاً , وبعد قليل رفعوا التابوت ثانية وساروا به قليلا ً , ثم وضعوه على الأرض ثم رفعوه ساروا به وحطّوا به على مقربة من القبر , القيت بنظرة إلى داخل القبر فانتابني الرعب مرة أخرى.
رفعت مجموعة منهم جنازتي من التابوت وما أن أدخلوا رأسي في القبر تصورت من شدة الخوف والرهبة كأنني هويت من السماء إلى الأرض , وحينما كانوا يدخلون الجسد إلى اللحد ألقيت من خارج القبر بنظرة على جسدي وأخرى وجهتها للناس . فاقترب أحدهم من جسدي مناديا ً باسمي , فدنوت منه واستمعت لكلامه فقد كان مشغولاً بالتلقين .
كنت أسمع كل ما يقول وأردد معه , ما أروعه فقد كان يتلفظ بروية وطراوة , وما أن مضت لحظات حتى بدؤوا بوضع الصخور فوق اللحد , فشعرت بالأذى والأسى لأنهم سجنوا جسدي تحت التراب .
تأملت مع نفسي من الأفضل أن أنسحب ولا أدخل القبر مع الجسد , ولكن لشدة تعلقي بالجسد جئت إلى جانب الجنازة , وفي طرفة عين بدأت الأيدي تهيل التراب على الجسد .

حلَّ أوان الغربة ....انتابني السرور لكثرة الذين جاؤوا لمواراة جثماني الثرى , وشعرت بالمتعة لحضورهم وتلاوتهم للقرآن والصلوات على النبي وآله , ثم أخذ الحاضرون بالانصراف شيئا ًفشيئا ًولم يبق منهم الا نفرٌ يقدرون بعدد الاصابع , ولكن لم يمض الوقت الا القليل حتى تركوني وحيدا ً – وهذا ما لم أصدقه – ربما لا تتصورون ما جرى عليَّ في تلك اللحظات , فلم أكُ أتوقع منهم هذا الجفاء , أولادي , بناتي , زوجتي وكذلك أصدقائي المقربين الذين لم أبخل عليهم بالمودة , ولكنهم سرعان ما انصرفوا وتركوني وحيدا ً! وددت لو أصرخ فيهم :
أين تذهبون؟ ابقوا معي , لا تتركوني وحيدا ً ... في تلك الأثناء سمعت مناديا ً ينادي في الناس : توالدوا للموت , واجمعوا للفناء وابنوا للخراب , ولكن للأسف فقد كانوا في وادٍ آخر محرومين من الاستماع لهذا النداء , ولما عرفت أن الناس خرجوا من المقبرة ناديتهم : اذهبوا , ولكن اعلموا بأنكم ستنزلون التراب يوماً صدقتم أم لم تصدقوا , شئتم أم أبيتم , واعلموا فوالله لا يُؤخر الأجل .
بعد كل ذلك الصراخ والعويل رجعت إلى نفسي فوجدت أن كل ما بقي لي هو قبر مظلم موحش مهول يثير الغموم , فاسحوذت عليَّ الرهبة , أخذت أتذكر أعمالي فأدركت قلة بضاعتي , فتمنيت لو عدتُ مع اللذين كانوا قد اجتمعوا على قبري , كي أقضي عمري بالعبادة وإحياء الليل والأعمال الصالحة وأنفق ما كنت جمعته خلال السنوات الأخيرة من عمري على الفقراء ليتني ... ليتني .
وأنا غارق في بحر أفكاري ارتفع صوت من يسار القبر : انك تتمنى العودة عبثا ً , فقد أُغلقت صحيفة حياتك! فرعبتُ لذلك الصوت في تلك الظلمة وكأن أحداً قد دخل القبر , فسألته بصوت مهزوز :
- من أنت ؟
فأجاب: أنا رومان من ملائكة الله.
قلتُ : لعلك عرفتَ ما يدور في ذهني !
قال : نعم.
قلت : اقسمُ لو تركتني أعود إلى ذلك العالم لن أعصي الله أبدا ً وأعمل على كسب رضاه. اليوم حيث انصرف عني كل من أعرفهم بل وحتى أفراد أسرتي وتركوني ,. أدركت غدر الدنيا , فاطمئن اذا رجعتُ إلى الدنيا لن أغفل لحظة واحد عن طاعة خالقي وعبادته !
قال : انها كلمة أنت قائلها , لكن اعلم أن الواقع غير ما تتمناه فلا بد أن تمكث في البرزخ من الآن وحتى قيام الساعة .
بعد ذلك باشر بإحصاء أعمالي الصالحة والطالحة تلك الأعمال التي ارتكبتها طيلة حياتي وسجّلها الكرام الكاتبين .
عجبا ً لها من صحيفة تضم حتى أصغر أعمالي صالحها وقبيحها , وفي تلك اللحظات شاهدت أعمالي أمام عيني .
كنت أفكر بثقل أعمالي وخفتها فبادر ((رومان)) إلى تعليق صحيفة أعمالي في رقبتي بحيث شعرت وكأن جبال الدنيا كلها علِّقت في عنقي.
ولما أردت أن سأله عن السبب في ذلك , قال : كلُّ إنسان يطوّق بأعماله.
قلت : وإلى متى يجب أن أتحمل ثقل هذا الطوق؟
قال: لا تقلق , بعد ذهابي سيأتي منكر ونكير للمساءلة ثم تزول هذه المشكلة عنك.
قال رومان ذلك وانصرف.

مساءلة القبر...
لم يمض الكثير من الوقت على انصراف رومان تناهت إلى أسماعي أصوات غريبة عجيبة . وأخذت الأصوات تقترب أكثر فأكثر ويزداد فيَّ الرعب والرهبة , حتى وقف أمام عيني شبحان ضخمان مذهلان وبلغ اضطرابي ذروته لمّا شاهدت في يد كلٍّ منهما عموداً ضخماً من حديد يعجز من في الدنيا عن تحريكه, ثم فهمت أنهما نكير ومنكر.
فتقدم أحدهما مني فصاح صيحة لو سمعها أهل الدنيا لماتوا .
وتصورت أن أمري قد انتهى . وبعد لحظات تكلّما وباشرا بالسؤال :
مَنْ ربك؟ مَنْ نبيك؟مَن إمامك ؟ فتلكأ لساني لشدة الخوف والرعب , وتوقف عقلي , بالرغم من أن فهمي وعقلي ازداد عمّا هو في الدنيا مئات المرات لكنه قصر هنا ... كنت أعلم بنزول أعمدتهم على رأسي إنْ لم أجبهم , ما عساني فاعلٌ؟ أطرقت برأسي وأخذت بالبكاء وتهيأت لنزول الضربة .
في تلك اللحظات حيث كنت أتصور أن كل شيء قد انتهى , تعلق فؤادي برحمة الله سبحانه و شفاعة المعصومين - عليهم السلام – ,
فأخذت أردد : يا أفضل خلق الله وعباده , لقد كنت طيلة عمري أطلب منكم أن تدركوني عندما أحلُّ في قبري , وليس من كرمكم التخلي عني في هذا الحال !هنا ارتفعت أصوات أولئك بالسؤال . ولم يمض إلاّ قليلاً من الوقت حتى استنار قبري , وأصبح نكير ومنكر أكثر شفقة فسُرَّ قلبي واطمئن روحي وانفتح لساني , فأجبتهم بشجاعة وصوت عالِ الله ربي ومحمد نبيي , وعلي وأولاده أئمتي , والقرآن كتابي , والكعبة قبلتي ... الخ , ولقد وددت لو أعادوا السؤال كي أجيبهم بكل قوة .
وفي الوقت الذي بدا نكير ومنكر رضيا فتحا من تحت قدميَّ بابا ً إلى جهنم وقالا : لولا أنك قد أحسنت الجواب لكان مستقرك هناك. ثم أغلقوا تلك الباب وفتحوا من أعلى رأسي بابا أطلَّت على الجنة فبشروني بالسعادة . ومع هبوب نسيم الجنة امتلأ قبري بالنور واتسع لحدي واسترحت قليلاً .
وهنا انتابتني حالة من السرور العارم والسعادة لخلاصي من ضيق القبر وظلمته .


الحضور عند الغربة

لم يستمر سروري لظفري في أول اختبار وسرعان مازال , وبزواله أدخل فيَّ حالة من الشعور بالضيق والغربة فأخذت أفكر مع نفسي : لقد كان لي في الدنيا الكثير من الأصدقاء والمعارف والأقارب , وكانت لي بهم علاقات طيبة وحميمة , بين أن يدي أصبحت صفرا ًمنهم .
يا الهي ! كيف أتحمل الغربة في هذه اللحظات العصيبة القاسية ؟! وهل سيستمر همُّ الغربة مسيطرا ً عليَّ في هذا العالم ؟
أطرقت برأسي وأخذت أبكي دون اختيار مني , وما هي إلا لحظات حتى تناهى إلى مشامّيِ عطرٌ طيب للغاية , وأخذ يزداد ويزداد .
وفي الوقت الذي كان كتابي يثقل كاهلي رفعت رأسي بصعوبة فشاهدت رجلا يقف أمامي فأدهشني وجوده , لقد كان شابا ًحسن الوجه طيب الأخلاق , فمسحَ الدموع من عينيَّ بيده وابتسم لي .
فبادرت بالسلام تعبيرا ًعن تأدبي أمامه وجلست على ركبتيَّ أنظر مدهوشا ًإلى عينيه وأردد : تبارك الله أحسن الخالقين. ثم سألته بصوت واضح : مَنْ أنت حتى جئت تسلّيني وتصحبني في هذه اللحظات المليئة بالغربة والاضطراب ؟
فأجاب مبتسما ً : لست غريبا ً , وهذه الديار تعرفني حيث أكون ورفيقا ً ومؤنسا ً في هذه الطريق الخطير .
قلت : انه الفلاح , ولكن منْ أنت؟ لا شك أنك غريب على أهل ذلك العالم , فلم أرَ مثلك جمالا ً مدى حياتي .
فقال ولم تزل تلك الابتسامة مطبوعة على شفتيه : الحق معك أن لا تعرفني ! فلقد كنت في ذلك العالم قليلا ًما تهتم بي . فأنا ثمرة أعمالك الصالحة وها أنت تراني بهذه الهيئة .
اسمي (( حَسَنٌ )) وأنا الذي آخذ بيدك في هذا الطريق الخطر .




حضور الذنب

ثم أمرني أن أسلّمه كتابي الذي بيدي اليمنى . فناولته إياه وقلت : لك جزيل شكري وتقديري لأنك أنقذتني من غربتي وسترافقني وتواسيني في رحلتي هذه .
قال : سوف لن أدعك وحيدا ً ما استطعت , إلا..
تغير لو وجهي فسألته مرعوبا ً : وماذا؟
قال : إلا أن يتغلب عليَّ ذلك القادم فتبقى أنت وهو !
سألته : ومن هو ذاك ؟
قال : أنَّ كل ما أعرفه هو أنك سلمتني صحيفة أعمالك اليمنى أما صحيفة أعمالك التي في الشمال فهي ما زالت معلقة في عنقك ولا تدع شيئا ً إلا أحصته . وهنا لك شخص آخر اسمه (( الذنب )) سيستلمها منك , فإذا ما تغلب عليَّ ستكون رفيقه حينذاك , و إلا فإنني سأرافقك على مدى هذا الطريق المحفوف بالمخاطر .
قلت : سأعطيه الصحيفة مباشرة حتى يذهب , قال ((حسن)): إنه نتيجة أعمالك القبيحة وخطاياك ويحب البقاء عندك.
كنا مسترسلين في الحديث وإذا بي أشعر برائحة كريهة للغاية تزعجني . قد ملأت تلك الرائحة الأجواء وقطعت علينا حديثنا ,وبرز في قبري شبحٌ قبيح وكريه .
ومن شدة هلعي التجأت بـ((حسن)) وتعلق به بقوة , وهنا أمسك – الذنب – بعنقي بيديه القذرتين الوسختين و أخذ يزمجر مقهقها ً: إنني سعيدٌ يا صاحبي ... وواصل قهقهته بصوت عالٍ , فاستحوذ عليَّ الرعب والخوف وعقُد لساني عن الكلام واشتدت ضربات قلبي حتى فقدت الوعي. ولما أفقت وجدت رأسي في أحضان ((حسن)) ولكنني بمجرد رؤيتي لوجه حسن الملطخ بالدماء هيمن على فؤادي الحزن حيث تصورت أن ذلك الشبح القذر – الذنب – قد انتصر عليه وقهره , ولكن ((حسن)) كان يعلم بما يدور في قلبي , نظر إليَّ وقال بهدوء : لا تحزن , فبعد صراعٍ وجدل شديد أعطيته كتابه وأبعدته عنك حتى حين .
ثم نهضت متكئا ً على كتف ((حسن)) والدموع تترقق في أحداقي , وقلت : إنني أود تبقى إلى جاني إلى الأبد , لقد أزعجني ذلك الشبح الكريه , والغربة بالنسبة لي أفضل بكثير من المكوث إلى جانبه , فإذا ما جاورني الذنب سأعيش الاضطراب.
قال ((حسن)) : له الحق في أن يجاورك فهذا ما أردته أنت.
قلت له متعجبا ً: إنني لم أدعه أبداً.
قال: على أية حال , أعمالك الطالحة وذنوبك هي التي جعلته يكون هكذا ولا بد أن تراه مرة أخرى إلى جانبك .
فاعتراني الخجل لما قاله((حسن)) واضطربت بشدة , ثم سألته مرتعدا ً : متى وأين؟.
قال : ربما في الطريق الذي سنسلكه.
قلت : أي طريق , أي مسير؟
قال : في ضوء ما بشرك به نكير ومنكر فان مستقرك في بقعة تقع في وادي السلام . و عليك الاستعداد للرحيل إلى هناك.
قلت : وأين يقع وادي السلام ؟
قال : هو مكان يتمنى كل مؤمن أن يبلغه , ولابد لك من العبور من وادي برهوت كي تتطهر في الطريق من كل درنٍ وخبث , وذلك من خلال المشتقات والصعاب التي ستتجرعها وحيث تذوب خطاياك , فتبلغ مقصدك بسلام.
قلت : وما هو برهوت ؟
قال : انه مكان يستقر فيه الكافرون والظالمون وفيه يذوقون عذاب البرزخ .



وادي برهوت


خرجنا من القبر وكان ((حسن)) يتقدمني وأنا لأتبعه على بعد مسافة قليلة , ولم يدع لي الخوف والرهبة لحظة أعيش فيها بأمان , وكلما تقدمنا يزداد المكان انفتاحا ً وتصبح المناظر أكثر دهشة.
ثم طلبت من((حسن)) أن لا يبتعد عني وأن يكون معي جانبا ً لجنب وقدما ً لقدم وأن ينقل خطواته بهدوء؟
فتوقف ((حسن)) وقال : لقد أودعوك عندي كي أؤنسك وأعينك حتى تصل وادي السلام بسلام , لهذا فاني أسير أمامك قليلا ًلتعرف الطريق جيدا ً. وتوقف هنيئة ثم واصل كلامه قائلاً :
بطبيعة الحال اذا ما استطاع الذنب من خديعتك أو أجبرك على مرافقته فاننا سنصل متأخرين لا محالة.
منذ ذلك الحين ازداد اضطرابي وأخذ يتصاعد عندي احتمال ظهور الذنب من جديد .
لقد قطعنا الطريق رغم ما اعترضنا خلاله من مشاكل حتى وصلنا جبلا ًاستطعنا بصعوبة بالغة الصعود إلى قمته , وعلى مرأىً منا يبد وادي مترامي الأطراف وأجواؤه قد مُلئت دخانا ً ونيرانا ً.
نظر إليَّ ((حسن)) وقال : هذا هو لوادي برهوت وأنت ترى الآن مشهداً منه فقط .
فامسكت بـ((حسن)) وقلت : إنني أخاف هذا الوادي. لنسلك طريقا ً أكثر أماناً منه .
توقف ((حسن)) وقال :
هذا هو طريق عبورك , ولكن سوف لن أتركك ما استطعت وسأقاوم بإعانتك عند مواضع الخطر قلَّلت كلمات ((حسن)) من اضطرابي وخوفي نوعا ًما , ولكن لا زلت أشعر بالقلق في داخلي .
خيَّم الصمت علينا للحظات : توجهت بعدها لـ((حسن))وقلت له : ألا يوجد طريق أكثر أمانا ًمن هذا الطريق ؟
أدار بوجهه نحوي وقال : من الأفضل أن تعلم أن الناس جميعا ًسواء المؤمن أو الكافر لا بدَّ لهم من العبور يوم القيامة على جسرٍ يسمى((الصراط)) يُشرف على النار , فمن استطاع العبور بسلام دخل الجنة و إلا فإن أدنى زلّةٍ ستؤدي إلى قعر جهنم , وفي عالم البرزخ صورة من الجنة والنار فقط ولا يمكن مقارنته بيوم القيامة العظيم , ووادي برهوت يشابه الصراط في يوم القيامة ولابد من العبورعليه حتى بلوغ وادي السلام بسلام بكل جدارة , ولكن الويل للمثقَلين ومَنْ أحاط بهم العذاب أو التيه على أقل تقدير.
فكرت قليلا ًوقلت : لا حيلة أمامي ... علينا المسير على بركة الله. توجهنا نحو تلك الصحراء الشاسعة , وكلما أمعنا في المسير تأخذ حرارة الجو بالتزايد ولما وصلنا سطح الأرض ضاق نفسي فطلبت من ((حسن)) التوقف للاستراحة لكنه رفض وواصل الطريق وقال لي : أمامنا طريق طويل وخطير فلا تضيع الوقت , فكلما أسرعنا في مسيرنا استطعنا الخلاص أسرع .
قلت : أنا لا أستطيع فقد أنهكتني شدة الحرارة , وفي تلك الحال حيث العرق يتصبب من رأسي ووجهي ,سقطت على الأرض فسقاني ((حسن)) جرعة من الماء الذي كان معه , وفي الوقت الذي كان لم يزل يئن من جروحه رفعني ووضعني على ظهره وواصل الطريق .
هنا أصابني الخجل والسرور في آنٍ واحدٍ لأنه لم يتركني لوحدي رغم ما به من جروح وأخذ يواسيني كصديق حميم .


ونحن نسير في طريقنا لفت انتباهي صوت رهيب , فنظرت نحو الجانب الأيسر من الصحراء , فذعرت لما شاهدت مما دفعني إلى أن القي بنفسي من أعلى كتف ((حسن)) ودون اختيار مني احتميت به .
كان هناك
ونحن نسير في طريقنا لفت انتباهي صوت رهيب , فنظرت نحو الجانب الأيسر من الصحراء , فذعرت لما شاهدت مما دفعني إلى أن القي بنفسي من أعلى كتف ((حسن)) ودون اختيار مني احتميت به .
كان هناك شخصان عظيمي الجثة أسودين تتطاير من فمهما وأنفيهما النيران والدخان وشعرهما يخط الأرض يحمل كلٌّ منهما عمودا ضخما ًمن حديد.
اضطربت وقلت لـ((حسن)) مَنْ هؤلاء ؟! ربما يتوجهان نحونا !
تبسَّم ((حسن)) وقال : لا نخَفْ , فهؤلاء نكير ومنكر متوجهان نحو كافرٍ جاء لتوه من الدنيا ليسألاه كما سألاك , قلت : هؤلاء أكثر قبحا ً . قال : انهما مشغولان مع كافر الآن.
مضى قليل من الوقت فسمعت صوت سقوط شيء ما هزَّ الأرض تحت أقدامي , ولما سألتُ ((حسن)) عن السبب أجاب : أنها ضربة نزلت على ذلك الكافر .
من الآن فصاعداً ستسمع الكثير من هذه الأصوات التي تهز الأرض.


وادي سحيق

اتخذ ((حسن)) طريقه من أعلى القمم وأحياناً بين أودية صغيرة وطويلة حتى وجدتُ نفسي على شفا وادٍ سحيق وعظيم .
سألت ((حسن)) : هل علينا العبور من هذا الوادي ؟
قال : نعم . وإن عبوره يستغرق وقتا ً طويلاً فعليك الاسراع .
نظرتُ إلى قعر الوادي مرعوبا ً , لقد كان عميقا ً بحيث لا يُرى قعره , عدت إلى ((حسن)) وقلت له : وهل حقا ً لا يوجد طريق آخر أكثر أمنا ً من هذا الوادي ؟!
مسحَ ((حسن)) على رأسي بيده وقال : طرق العبور في هذا الوادي كثيرة , ولكن لكلٍّ معبره الذي لابد أن يجتازه.
قلت منزعجا ً: وهل هذا استحقاقي أن أعبر من مكانٍ بحيث تعذبني النيران والدخان من الأعلى , ومن الأسفل القمم والأودية السحيقة ؟ فتبسم ((حسن)) وقال : أعلم يا صديقي أن هذا العذاب ما هو إلا مردود أعمالك القبيحة في الدنيا وإذا لم تتحمل ذلك في هذا الطريق لن تصل إلى وادي السلام أبدا ً, فقد سُجِّل عليك أدنى قبيح عملته في الدنيا وهذا جزاؤه .
ونظراً لما تعتريني من لهفة لوصول وادي السلام فقد أذعنت لمواصلة الطريق بهدوء وأخذت بالمسير خلف ((حسن)) داخل ذلك الوادي .
انهمكنا بالمسير داخل الوادي ولم يلح بالأفق ما يدل على انتهائه , وكنت أفكر في أن عمق الوادي دليل على عظمة ذنوبي ... هنا انتبهت إلى نفسي حين سماعي لصوت انهيار الأحجار من أعلى الوادي .
فالتحقت بـ((حسن)) فورا ً كي يعينني إذا واجهتني مشكلة . كنت مضطربا ً مرعوبا ً تكاد عيوني تخرج من أحداقي , فشاهدت رجلا ًيسقط مع أحجار صغيرة وكبيرة إلى قعر الوادي .
فأشار إليَّ((حسن)) وقال : لا تنظر إلى الأسفل بل أنظر إلى أعلى الوادي فشاهدت شبحا ً ضخما ً أسودا ً يضحك بصوت عال ٍ وقف على أعلى الوادي .
قال ((حسن)) : هذا الشبح هو ذنوب ذلك الرجل الذي سقط , ولقوتها فقد تغلبت على حسناته فالقتها في قعر الوادي . هنا وضع ((حسن)) يده على كتفي وقال : هذه عاقبة إتِّباع الهوى .
لمّا سمعت هذا الكلام استحوذ عليّ الخوف من ذنوبي وإمكانية غلبتها عليَّ في أية لحظة .
بعد قطعنا لطريق طويل وصلنا أخيرا ً إلى نهاية الوادي , شاهدت ذلك الرجل ملقىً على الأرض وكان رفيقه – أي حسن – ضعيفا ً وواهنا ً بحيث أنه كلما حاول حمله على كتفه لم يستطع.
طلبتُ من ((حسن)) أن يساعده فاعتذر قائلا ً :
إنني مكلف بمرافقتك ,{ ولا تزر وازرةٌ وزرَ اُخرى } .
قلت : لكننا كنا في الدنيا يعين بعضنا البعض !
قال حسن : في هذا العالم كلٌّ يتحمل وزر أعماله , ولستُ أشفع له إذا استحق الشفاعة , وعليك الدعاء أن يكون من محبيِّ أهل البيت – عليهم السلام – عسى أن تناله شفاعتهم .
حركتُ رأسي متحسرا ً ودعوت أن يكون كذلك .
ربما استغرق قطعنا للطريق ساعات طوال من ساعات الدنيا حتى وصلنا طريقا ً ينتهي إلى الأعلى . هنا التفت ((حسن)) نحوي وقال : استعد للصعود إلى أعلى هذا الوادي الخطير.
ألقيت ببصري نحو الأعلى وكلما نظرت لم أستطع تخمين ما تبقى حتى نهاية الطريق . فأصابني الإحباط لأنني مضطر لقطع هذا الطريق الطويل , ولكن لا حيلة سوى ذلك من أجل الوصول إلى وادي السلام .
بعد تحمل المشقات والكثير من الصعاب وصلنا أخيرا ً إلى قمّة الوادي. تمنيت أن لا تعترضنا مثل هذه المعوقات . وبعد قليل من الاستراحة واصلنا طريقنا باتجاه وادي السلام.


بعد قليل من المسير شاهدت طائرا ً ضخما ً يحلِّق على مقربة كم الأرض , فقال ((حسن)) : أتريد أن تشاهد منظرا ً مثيرا ً ؟
قلت : طبعا ً
قال : حسنا ً فانظر إلى ما يقوم به هذا الطائر .
حطَّ الطائر قريبا ً من صخرة وألقى بقسمٍ من بدن رجلٍ خارج منقاره ثم طار وعاد بعد قليل ليلقي بقسم ٍ آخر من الجسد وهكذا كررها أربع مرات حتى ظهر هيكل رجل مزعج وقبيح للغاية.
حاولت أن أسأل ((حسن)) لكنه أشار عليَّ بالسكوت و أُتابع الحدث .
ثم ابتلع الطائر قسما ً من جسد ذلك الرجل وطار وكرر ذلك أربعا ً حتى لم يبق أثرٌ للرجل .
التفتُ إلى ((حسن)) وقلت له : حسنا ً الآن قل لي ما معنى هذا العمل , مَن كان ذلك الرجل ؟
قال : انه عذاب ابن ملجم
بعد قليل من المسير شاهدت طائرا ً ضخما ً يحلِّق على مقربة كم الأرض , فقال ((حسن)) : أتريد أن تشاهد منظرا ً مثيرا ً ؟
قلت : طبعا ً
قال : حسنا ً فانظر إلى ما يقوم به هذا الطائر .
حطَّ الطائر قريبا ً من صخرة وألقى بقسمٍ من بدن رجلٍ خارج منقاره ثم طار وعاد بعد قليل ليلقي بقسم ٍ آخر من الجسد وهكذا كررها أربع مرات حتى ظهر هيكل رجل مزعج وقبيح للغاية.
حاولت أن أسأل ((حسن)) لكنه أشار عليَّ بالسكوت و أُتابع الحدث .
ثم ابتلع الطائر قسما ً من جسد ذلك الرجل وطار وكرر ذلك أربعا ً حتى لم يبق أثرٌ للرجل .
التفتُ إلى ((حسن)) وقلت له : حسنا ً الآن قل لي ما معنى هذا العمل , مَن كان ذلك الرجل ؟
قال : انه أشقى الأشقياء عبد الرحمن ابن ملجم المرادي وسيبقى في هذا العذاب إلى يوم القيامة .
سألته : ومن أين جاء به هذا الطائر وأين ذهب به ؟
أجاب : مستقره في وادي عذاب .
سألته مدهوشا ً : وأين هو وادي عذاب ؟
قال : إنه جانب من وادي برهوت يتعذب فيه الكافرون والمنافقون وإني أتمنى أن لا يكون مرورنا منه . وبدوري تمنيت ذلك وأنا أشعر بالخوف يهيمن على وجودي .

هدية من الدنيا

بعد قطعنا اطريق طويل جدا ً وصلنا إلى وادٍ خطيرٍ ورهيب للغاية . فأصابتني رعدةً خوفا ً من أن يطلّ الذنب مرة أخرى من مكمنه و يداهمني . توقفت وأخذت أفكر بالمصاعب الكثيرة التي كنت أُلاقيها في طريقي , عاد إليّ ((حسن)) وقال : لِمَ توقفت ؟ هيا نتحرك .
قلت : إنني أخاف . قال : لا مفرلك , لابد من السير .
تحركت نحو الأسفل مضطربا ً , وما أن سرتُ خطوات من شفير الوادي نحو الأسفل حتى أطلَّ من الجانب الآخر للوادي مخلوق نوراني له جناح وفي طرفة عين جاء عند ((حسن)) وبعد أن استفسر عن أحوالي سلّمه رسالة ثو ودَّعنا وعاد مسرعا ً . وبعد أن قرأ ((حسن)) الرسالة وضعها ف يصحيفة أعمالي والتفت إليَّ وقال : أبشرك , فسألته مندهشا ً : ما الأمر ؟ قال : بعث أهل بيتك وأصدقاؤك بهدية إليك وجاء بها هذا الملك إليك وسيُقلل من همك وغمك بمقدارها .
قلت : وكيف ؟ قال ((حسن)) وهو يشير إلى ذلك الوادي الرهيب : سوف لن نعبر من هذا الوادي نتيجة لهذه الهدية التي هي عبارة عن تلاوة للقرآن وإقامة مجلس تذكر فيه مصيبة الحسين بن علي – عليهما السلام – والدموع التي أهيلت من أجله .
سُررت لهذا الخبر ودعوت لهم جميعا ً بالمغفرة . ثم عدنا أدراجنا من ذلك الطريق الذي قطعناه وسلكنا طريقا ً أكثر يسراً


أودية الارتداد
بعد قليل وصلنا معبرا ً ضيقا ً على جانبيه أودية رهيبة , وكأنَّ ((حسن)) كان ينتظر سؤالاً مني فالتفت إليَّ قائلاً : هذه الأودية الموحشة هي أودية الارتداد ويستغرق الوصول إلى قعرها سنوات متمادية من سنّي الدنيا . وفي قعرها أفران من النار هي صورة لنا جهنم , و أولئك القابعون فيها سيبقون فيها إلى يوم القيامة .
سيطرت عليَّ الرهبة بحيث بركتُ في مكاني دون وعي مني . فرفعني ((حسن)) من مكاني وقال : ركِّ نظرك عليَّ ولا تنظر إلى قعر الوادي أبدا ُ . وهكذا تجرأت على السير في هذا الطريق الموحش .
في غضون ذلك عمَّت الوادي صرخةٌ رهيبة فالتفت إلى الخلف فشاهدت رجلا ً يسقط إلى قعر الوادي , وفي وسط صرخاته وعويله الذي هزَّ فؤادي , سمعتُ صوت ذنوبه .
كان ((حسن)) يشاهد المنظر مثلي فقال : إنه تعيس , فقد قطع الطريق إلى هنا بسلام , لكنه سيمكث في قعر الوادي حتى قيام الساعة . فسألته متعجبا ً : ولماذا ؟
قال إنه ارتد بعد سنين من إيمانه . ثم أخذت أدقق كثيرا ً في طريقي وكنت أضع قدمي في موطىء قدم ((حسن)) خشية السقوط .
ورغم زلات قدمي أحيانا ً لكننا قطعنا ذلك الطريق الشاق الصعب بسلام , ووضعنا أقدامنا في طريق ضيِّق كثير المنعطفات تحيط به تلال عالية ومنخفضة , وكان العبور منه محفوفا ً بالقلق والاضطراب .


خدعة
كان ((حسن)) يواصل طريقه وأنا أتبعه بكل لهفة ولكن بقلب ٍ مضطرب . وصلنا مفترق طريقين فتوجه ((حسن)) نحو اليمين , غير أن يدا ً سوداء ضخمة كمّت فمي وعينيّض ونتيجة للرائحة الكريهة التي كانت تنبعث منها عررفت أن ذلك هو الذنب .
حاولت إزاحة تلك اليد السوداء المغطاة بالشعر وحينما أفلحت واجهني شبح ذلك الذنب القبيح .
أصابني الذعر فحاولت الفرار واللحاق بـ((حسن)) غير أن الذنب سحب يديّض بقوة وقال : هل نسيت عهدك ؟
فأجبته مذعورا ً : أيُّ عهدٍ هذا ؟
قال : لقد كنتَ في النيا تصحبني , وعاهدتني أن نكون معا ً في هذا العالم أيضا ً , قلتُ : إنني لا أعرفك أبدا ً , قال : إنك تعرفني جيدا ً لكنك لم ترَ صورتي ,. الآن وقد تفتحت رؤيتك أخذت تشاهدني . قلت : حسنا ً , ماذا تريد مني الآن ؟ قال : إنني ألاحقكم منذ بداية الرحلة وحتى الآن , وقد حاولت اللحاق بك في وادي الارتداد فلم أفلح .
قلت : وماذا كنت تريد مني هناك ؟
قال : أردتُ المرور بك من ذلك الوادي .
فصرخت منزعجا ً : يعني أنك كنت تريد تكبيلي حتى قيام الساعة !
قال : كلا ّ لقد كنت أريد إيصالك إلى مرامك بأسرع وقت , ولكن لا بأس , فإنني أعرف طريقا ً سهلا ً لا يعرف به أي شخص آخر .
قلت : وحتى ((حسن)) ؟
قال : كنُ على ثقة لو كان على علمٍ به لما أخذ بيدك عبر هذا الطريق الصعب , وهنا تذكرت ((حسن)) حيث تقدّمني متصورا ً أنني أسير خلفه .
ضاق صدري وطلبت من ((الذنب)) أن يتركني , لكنه في هذه المرة هددني واحمرت عيناه فأصبحتا كبؤرتي دم وقال : إما أن تأتي معي أو أعيدك إلى حيث جئت .
لما سمعت هذا الكلام ارتعد بدني واضطررت لمرافقته شريطة أن أتقدمه وهو يدلّني من خلفي لأن مجرد رؤيته كانت تمثل عذابا ً بالنسبة لي .
وهكذا تقدمت في الطريق المتجه يسارا ً وبعد فترة من المسير وصلنا كهفا ً كبيرا ً , ودون أن التفت إليه سألت الذنب: مالعمل ؟
قال : إنك ترى أنه لا طريق آخر أمامنا ولابد لنا من المرور من داخل الكهف .
دخلت ُ الكهف لكن ظلمته التي تفوق التصور أرعبتني فسمعت صوت الذنب وهو يصرخ : لماذا توقفت ؟ الطريق ممهد ويخلو من الأخطار . واصل طريقك براحة بال .
تقدمت خطوات ثم توقفت ونظرتُ إلى ما حولي فلم يعد باب الكهف يُرى .
كان الظلام يخيّم على كل شيء , فخيم رعب ٌ عجيب على كياني , فناديت الذنب لكنني لم أسمع جوابا ً , ثم ناديت مرعوبا ً لكنني لم أسمع سوى صدى صوتي . لم تنفك عني الرهبة والاضطراب , فأدرت برأسي لأرى ما يحيط بي لعلّي أعثر على منفذ للهروب , لكنني لا أعرف أين بداية الكهف ولا نهايته .
جلست متحيرا ً نادما ً غمر قلبي الحزن و الألم وبكيت لفراق صديقي الحميم الوفي ((حسن)) وإذا بي في تلك الأثناء أسمع صوت شخص يمر قد نبهني , ففتحت مسامعي عسى أن أعرف جهة الصوت , فانشرح فؤادي لعطر ((حسن)) الأخّاذ , فترقرقت في عيوني دموع الشوق .
فتحت ذراعي وضممته إليَّ مسرورا ً ورويت له ما جرى لئلا ينزعج مني . فقال ((حسن)) :
لما شعرت بعدم وجودك على أثري رجعتُ من نفس الطريق وعرفت بالأمر من خلال الرائحة الكريهة التي كانت تنبعث من الطريق المتجه نحو اليسار فسرت في نفس الاتجاه لكنني لم أعثر عليك رغم بحثي عنك , حتى وصلت قرب الغار فشاهدت الذنب ولما رآني ولّى هاربا ً . حينها عرفت أنّه قد خدعك , وعندما دخلت الكهف سمعت عن بعدٍ صوت بكاء ونحيب فسررت وأسرعت نحوك. ..

التوبة
وبعد صمت واصل ((حسن)) : بقد كان هذا الطريق مقدّر لك سلفا ً لكن جرى استثناؤه وذلك لتوبتك , رغم محاولات الذنب في إعادتك إلى ذلك الطريق . قلت : لقد كانت توبتي من الذنوب الكثيرة التي ارتكبتها صغيرها و كبيرها . قال : إنّه طريق رهيب للغاية كان عليك قطعه لولا توبتك وهو بالإضافة إلى طوله و منعطفاته ومعابره الضيقة والمظلمة , فإنّك لا تأمن ما فيه من حيوانات وحشية , ثم أخذ ((حسن)) بيدي وقال : هيا بنا نعود إلى طريقنا السابق .
قطعنا ما تبقى من الطريق حتى وصلنا مكانا ً فسيحا ً يشبه المستنقع ولما وضعت قدمي في بركت فيه حتى الركبة . وكان ((حسن)) يسير بسهولة , فلمّا رآني تراجع إلى الخلف وطلب مني أن أمسك بيدي على رقبته ليعينني . غطست في المستنقع حتى فمي ولم تعد لديّ إمكانية الصراخ وطلب المعونة , وإذا بذلك الملك يطلّ علينا وناول ((حسن)) حبلاً وقال له : هذا الحبل كان هو قد أرسله سلفا ً فأعنه كي يتخلص. ذهب الملك وألقى ((حسن)) بالحبل إليَّ فاستطعت الامساك بالحبل والتخلص من تلك الهلكة , ولما تجاوزنا المستنقع سألت ((حسن)) : ما هو مراد الملك من القول : هذا الحبل كان هو قد أرسله ؟
قال ((حسن)) : لو أنك تتذكر , قبل عشر سنوات من موتك قمت بتشييد مدرسة يتعلم فيها الأطفال الآن , فخيراتها هي التي أدّت إلى خلاصك من هذه المحنة وحضرت عندك لتنقذك .
يّدت ما قاله ((حسن)) ثم قلت متبختراً : قبل خمس سنوات قمت بتشييد مسجدٍ , فأين أصبحت خيراته ؟ ابتسم ((حسن)) وقال : بما أنّ بناءك للمسجد كان رياءً , من أجل الشهرة وليس في سبيل الله فإنك قد تلقيت الأجر من الناس . قلت : وأيّ أجر ؟
قال : المدح والثناء من قبل الناس , تذكّر ما كان يدور في قلبكحينما كان يمدحك الناس , لقد كنت تقدّم رضاهم على رضى ربّك , وأعلم أن الله إنما يتقبّل الأعمال التي تؤدّى لأجله وحسب.
استحوذت عليّ حالة من الحسرة والندامة من ناحية , ومن ناحية أخرى شعرت بالخجل وأخذت بتوبيخ نفسي , أرأيت كيف ضيعت أعمالك بالرياء وحب الذات في حين كان باستطاعتها إغاثتك في مثل هذا اليوم ؟.



موكب الشهداء



((طوبى لأولئك الذين مضوا شهداء فلا تفكروا بمنزلتهم فإنّ أفكاركم قاصرة عن بلوغ ذلك , بل فكروا بطريقهم وهدفهم))


واصلنا سيرنا في وسط صحراء مترامية الأطراف , ولم تخف حرارة الجو أبدأً , واستولى عليَّ الإرهاق ولم تبق فيَّ قدرة على مواصلة الطريق .
في تلك الأثناء سمعت أصواتا ً فأدرت برأسي نحو يمين الصحراء , فشاهدت منظرا ً مثيرا ً , إذ رأيت مجموعة من الناس قد اخترقت الصحراء ومضت بسرعة فائقة ولم يخلّفوا وراءهم سوى الغبار , فتوقفت متعجبا ً وأخذت أنظر إلى الغبار المتطاير , ثمّ حركني ((حسن)) فانتبهت على نفسي , وأدرت أن أسأله فسبقني ((حسن)) وقال : هل شاهدت المنظر ؟ , قلت : ومن هؤلاء ؟
قال : هؤلاء زمرة من الشهداء .
قلت مذهولاً : الشهداء ؟
قال : نعم الشهداء .
قلت : وأين يريدون ؟
قال : وادي السلام .
فأدرت برأسي نحو ((حسن)) متعجباً وقلت وادي السلام !
قال : نعم وادي السلام .
قلت : لقد ذلّلنا هذه المسافة الطويلة بما فيها من مشقات ومحن كي نُسعد يوما ً بالوصول لوادي السلام , وها أنت تقول أنّ هؤلاء يتوجهون نحو وادي السلام بهذه السرعة , فهل هنالك فارق بيننا وبينهم ؟
فطُبعت ابتسامة على وجه ((حسن)) وقال :
بين قمري وجرم القمر فرقٌ بين السماء والأرض
ثم واصل كلامه : لقد عبت الله في الدنيا على عجل فعليك الآن أن تقطع الطريق بمشقة وصعوبة , أين أنت من الشهداء فالشهيد تغفر ذنوبه بمجرّد أن تسقط أوّل قطرة من دمه على الأرض وتُذلل له الطريق .
وفي يوم القيامة أيضا ً أوّل من يدخل الجنة الشهداء , فإنّهم قطعوا طريق مائة عام في ليلة واحدة , وها هم اليوم يقطعون وادي برهوت في طرفة عين .
فغبطت الشهداء على منزلتهم وأخذت أردد : طوبى لهم وحسن مآب

نيران الحسرة
لشدة ما انتابتني من حسرة وغم جلست وأخذت أحدّث نفسي :
أية درجة ومنزلة هذه ؟ منذ مدة وأنا أدور في هذه الصحراء وواجهت الكثير من العوائق والمصاعب ولا زلت لم أصل بعد إلى نتيجة .
لكن هؤلاء بلغوا مقصدهم بهذه السرعة , فحقا ً طوبى لأولئك الذين مضوا شهداء .
سالت الدموع على وجنتي وبلغت روحي حنجرتي .
بكيت وبكيت بصوت عالٍ حتى أخرجت ما في فؤادي من عقد الدنيا ... لكن الحسرة والغبطة لموكب الشهداء بقيت في قلبي , وهل يمحوها البكاء ؟
جاءني ((حسن)) بهدوء وأخذ يهدئ من روعي ويشجعني على مواصلة الطريق الذي كان طويلا ً مضنيا ً.

رغم قطعنا لمسافة طويلة من الطريق لكن لم تلح في الأفق نهاية الصحراء .
وعلى بعد رأيت عمودا ً أسودا ً ما بين عمق الأرض والسماء يتصل بنيران السماء ودخانها وهو يتحرك , ولما اقترب ظهر أنّه يشبه الغبار يدور حلو نفسه , ولما رأيته التصقت بـ((حسن)) ولفني الرعب والهلع فسألته : ما هذا العمود ؟

قال : إنّه غبار الشهوات يدور حول نفسه بسرعة مذهلة .
قلت له مضطربا ً : وما العمل في هذه الحالة ؟ فالغبار يتجه نحونا بسرعة لا توصف وهو يلف كلّ ما يحيط به .
قال ((حسن)) :أحِطْ بيديك حول ظهري , وانتبه لئلا يفصلك الغبار عنّي .
أخذ الغبار يقترب منا شيئا ً فشيئا ً بصوته المرعب , وأخذ اضطرابي يزداد ويزداد حتى أصبح الجو مظلما ً خلال طرفة عين .
لقد أحاط بنا الغبار وحاول لفّنا إليه غير أنّ ((حسن)) قد التصق بالأرض كالطود , وقد استطعت السيطرة على نفسي بصعوبة بالغة في حين قبضت بيدي على ظهر ((حسن)) .
كنت بين الحين والآخر أسمع صوت ((حسن)) وسط ضجيج الغبار وهو ينادي : انتبه لا يفرقك الغبار عني !
كانت لحظات غاية في الصعوبة وكنت أخشى أن يفرقني الغبار عن ((حسن)) لقد وهنت يداي وتثاقلت أذناي فلم أعد أسمع صوت ((حسن)) .
وفجأة فلتت يداي عن ((حسن)) وبطرفة عين ابتعدت عن ((حسن)) عدة كيلومترات وألقى بي نحو الأعلى .
كان الغبار يدور ولشدة الضجيج وارتفاع درجات الحرارة فقدت الوعي , ولما فتحت عيني شاهدت الشبح الأسود الموحش للذنب واقفا ً فوق رأسي وكانت رائحته الكريهة تؤذيني فنهضت بسرعة وحينما حاولت الهرب قبض على يدي بقوة وجذبني نحوه وقال : إلى أين أيها الصديق عديم الوفاء ؟ أتفضل مرافقة ((حسن)) على مرافقتي ؟ في حين أنك اخترتني رفيقا ً في الدنيا .
نظرت إلى وجه الذنب نظرة سريعة فلمست أن هيكله قد صغر قليلا ً .
ودون أن أنتبه إلى كلامه سألته : ما الخبر , فقد أصبحت ضعيفا ً ونحيفا ً؟
قال منزعجا ً : كل ما أتجرعه هو بسبب ((حسن)) .
فسألته متعجبا ً : بسبب ((حسن)) ؟
قال : نعم , فلقد فرّقك عني ليؤذيك قليلاً من خلال مرورك من طرق معقدة وصعبة .
قلت :حسنا ً , وما علاقة أذيتي بضعفك ؟ فأجاب منزعجا ً :
كلما يزداد عذابك يصيبني الضعف أكثر فأكثر وتذوب لحوم بدني وإذا ما وصلت إلى وادي السلام لن يبقى لي أثر , ثمّ عظَّ على نواجذه وقال : الآن الدور لي فلا بدّ أن ترافقني .


إلى النار

وأنا أرتعش من شدة الخوف والرهبة , سألته : إلى أين ؟ فأشار الذنب إلى جبل إلى يساره وقال : خلف هذ الجبل هنالك وادي جميل أودّ أن تبقى فيه إلى يوم القيامة .
كنت أعلم أن لا جدوى من العناد واللف والدوران , فسرت في الطريق الذي أشار إليه , فتقدم هو مسرورا ً عجولاً وبين الحين والآخر يلتفت ويشجعني على مواصلة الطريق .
وبالرغم من أنني لو أرَ خيرا ً من الذنب بشاراته المتكررة وسروره الغير مبرر حفّزني على الاستمرار في المسير .
أخذت أفكر مع نفسي عسى أن ألتقي بـ((حسن)) خلف الجبل , ولعلّ وادي السلام يقع خلف الجبل وأنّ الغبار قد أدناني منه , ولكن هل يمكن الوصول إلى وادي السلام بدون ((حسن)) ؟
قطعنا منتصف الجبل فتناهت إلى مسامعي أصوات نحيب , فواصلت الطريق دون أن أكترث لها , وكلما اقتربنا من قمة الجبل يزداد صوت النحيب حتى استحوذ عليَّ الخوف والرعب فتوقفت وقلت للذنب :
ما هذه الأصوات التي أسمعها , فأجاب الذنب مضطربا ً : أية أصوات ؟
قلت : هذه الأصوات والصرخات التي تصدر من خلف هذا الجبل فتقطع فؤادي .
قال الذنب : إنني لا أسمع صوتا ً لعلها هلاهل وأفراح أهالي تلك المنطقة المنعّمين .
فقلت له : إنني أسمع أصواتاً وصرخات أشبه ما تكون بالصياح والعويل .
فقال الذنب : قلت لك إنني لا أسمع صوتا ً فلا تضيّع الوقت بلا داعي , واصل الطريق بسرعة فالوقت ضيّق والطريق طويل .
هنا فهمت أن الذنب يخفي شيئا ً وهو يتظاهر بعدم السماع , ولم يكن هنالك من مناص فلقد أبعدني الغبار عن ((حسن)) وأصبحت الآن أسيراً بيد الذنب , يا ليتني لم أترك ((حسن)) بيد أنّ الغبار كان من القوة بحيث أبعدني عنه .

كنت أسير خلف الذنب بين طيّات الجبل يعتريني الشك والتردد وإذا بي أسمع صوت ((حسن)) وهو يصيح بي : قف جانبا ً , ففعلت وإذا بصخرة كبيرة تسقط على رأس الذنب ألقت به في قعر الوادي .
عندما شاهدت ((حسن)) مقبلا ً عليَّ من أعلى الجبل واحتضنني , سررت لرؤية ذلك الوجه الجميل والعطر الفواح ووضعت رأسي على كتفه وأخذت أبكي .
قال لي ((حسن)) وهو يمسح دموعي والبسمة ترتسم على شفتيه : ماذا تفعل هنا يا صديقي ؟ أتدري أين أنت الآن ؟
قلت : كلا , فهرَّ ((حسن)) رأسه وقال : إنَّك على شفا وادي العذاب , لقد سمعت باسم هذا الوادي سابقا ً من ((حسن)) لكنني لم أصدق أبدا ً أنني سأقترب من هذا الوادي الخطير , طلبت من ((حسن)) أن يحدّثني عن هذا الوادي فاستجاب لي وقال : إنّه مستقر الذين يعجزون عن العبور من برهوت ولن تكون لهم القدرة على العبور من الصراط يوم القيامة وبالتالي فإنّهم سيسقطون في قعر جهنم, وهنا تلفحهم نفحة من نيران جهنم , أما في القيامة فإنّهم سيستقرون فيها .
لقد أرعبني اسم وادي العذاب ووقوفي على شفيره, وبعد أن هوَّن ((حسن)) من روعي دعاني للاستراحة قليلا ً لرفع التعب .

عذاب مجرم في البرزخ

في تلك الأثناء ووسط صراخ المعذَّبين سمعت صراخا ً يقترب منا وبعد لحظات أصبح الصوت أكثر وضوحا ً وإن صاحبه يئن أنينا ً يقطِّع الفؤاد وهو يشتكي العطش فأصابني الهلع وتوجهت نحو ((حسن)) لأسأله:ما هذا الصوت ؟
نظر ((حسن)) إليَّ بوجهه الرؤوف وقال : انظر إلى أعلى الجبل واحتفظ بهدوئك, ولما نظرت إلى قمة الجبل شاهدت رجلاً كُبِّلت عنقه بالسلاسل وأخذ بأطراف السلسلة رجلان قبيحا الخلقة ضخما البنية, وكان ذلك الرجل يئن من العطش ويتلفّت هنا وهناك .
عندما شاهدنا أسرع نحونا ومن شدة خوفي احتميت بـ((حسن)) وسألته بهمسٍ من هذا ؟
قال ((حسن)) : إنّه من كبار القابعين في برهوت وهو الآن يذوق العذاب في وادي العذاب. هكذا أخذ يقترب منّا ومدَّ يده كالمتسول طالبا ً الماء, ولما وصل علب بُعد خطوات من ((حسن)) سحب المكلفون به السلاسل ومنعوه من التقرب . كان يبكي ويهمل الدموع وتقدم من ((حسن)) طالبا ً جرعة ماء , لكن ((حسن)) امتنع, غير أنّه واصل توسله, فسأله ((حسن)): أو ليس لك رفيق اسمه حسن؟
فأطرق برأسه وقال : أيُّ صديق وأيّ حسنٍ؟ إن ذنبي هو رفيقي أودعني منذ البداية بيد ملائكة العذاب وانصرف , وعليَّ الآن البقاء حتى يوم القيامة أعاني من العطش وأبقى مقيدا ً بالأغلال والسلاسل .
فقال له ((حسن)) مستهزئاً: إذن فادعُ ربّك ليعجل بيوم القيامة , كي تتخلص من هذا العذاب , فنهض من مكانه وأخذ يصرخ : كلا ... كلا فإننا في وادي العذاب لا نريد أن تقوم القيامة , فقد أرهقنا ما في البرزخ من عذاب قليل فكيف الحال من عذاب جهنّم ... ثمّ أغمي عليه , فانهال عليه ملائكة العذاب ضربا ً بأعمدة الحديد المشتعلة , وفجأة قفز من مكانه وأخذ يرغو كرغو البعير واشتعل جسده ناراً ثمّ بدأ يفحص بأقدامه وألسنة النيران تتصاعد من جسده وصوته يهز الأرض .
وهكذا أعاده ملائكة العذاب على تلك الحال يجرونه إلى وادي العذاب , ورغم سعادتي للتعذيب الذي يتعرض له مثل هؤلاء غير أنني كنت أشعر برعشة شديدة في بدني , فوضع ((حسن)) يده بهدوء على كتفي وقال : لا عليك فإنّه يستحق مثل هذا العذاب .
هيا بنا فالطريق طويل والغبار ألقى بك في مكانٍ خطير وموحش, وإذا سرت خطوات نحو الأعلى سترى براكين من النيران تغلي وتُلقي بألسنة النيران على الأرض , وأهلها قد تواقفوا عن الحركة وعليهم تجرّع ذلك حتى يوم القيامة, وأمثال ذلك الرجل كثيرون ولا شك في أنّك ستصاب بالخوف والرهبة لمشاهدتك إياهم .
إذن من الأفضل أن لا نسير نحو الأعلى .
قلت : رغم علمي أنّ الأمر كذلك لكنه مليء بالعبر ولو استطعت لألقيت عليهم نظرة عابرة .
ردّ عليَّ ((حسن)): كما قلت لك هذا المكان موحش للغاية , وإن بعض أنواع العذاب يوم القيامة تبدو هنا مصغرة ومخففة وتنال المستحقين , ومع ذلك فلا طاقة لك على تحمل رؤيتها, وإذا تحليت بالصبر فإننا سنمر على جانب من برهوت وهناك الكثير من المذنبين الذين عجزوا عن مواصلة الطريق وأحاط بهم العذاب رغم التفاؤل بخلاصهم يوماً ما, وهناك بإمكانك مشاهدة بعض المعذبين , استجبت له وواصلنا طريقنا على سفح الجبل .


ذوبان الذنوب

ونحن نطوي الطريق حدّثت ((حسن)) بقضية نحول الذنب , فضحك ((حسن)) وقال : الحق مع الذنب إذا ما ضعف لأنّ بدنه كان في الدنيا أضخم مما عليه الآن وإن ما تجرّعته من مصائب في الدنيا وصبرك عليها و العذاب الذي تجرّعته حين الموت هو الذي أنهك قواه.
وبالرغم من أن تذكّر الابتلاءات والمصائب التي تعرضت لها في الدنيا كان صعبا ً مرهقاً بالنسبة لي إلاّ أنني كنت مسروراً وفرحا ً لأن ذلك حدّ من قوة ذنبي .
قطعنا شوطا ً طويلا ً, ورغم عدم جرأتي على النظر إلى الجانب الآخر من الجبل غير أن صياح أهل الوادي وصراخهم لم يدعني أهدأ أبداً.


في قبضة الذنب
لقد كانت مواصلة الطريق صعبة للغاية, لكنني كنت أسير مستعينا ً بـ((حسن)) وفجأة وقع بصري نحو قعر الجبل فذهلت وتوقفت حيث شاهدت هيكلا ً ضخما ً يحمل شخصا ً مكبل اليدين والرجلين وهو غير آبهٍ بعويله وصراخه متوجها ً به نحو أعلى الجبل .
عرفت أن هذا الهيكل هو ذنب ذلك الشخص , وشاهدت ((حسن)) واقفا ً مثلي يراقب المنظر, لم يقترب ذلك الهيكل الأسود منا بعد وإذا بملائكة العذاب أطلّوا من خلف الجبل يحملون معهم الأغلال كأنهم على علمٍ بمجيء هذا الشخص. وعندما وصل الذنب عنهم ألقى بذلك المسكين وعاد إلى حيث أتى ضاحكا ً بصوتٍ عالٍ , فتناول الملائكة ذلك الشخص وكبلوا رجليه بالسلاسل وسحبوه نحوا وادي العذاب يضربون به الصخور.
دنا ((حسن)) مني وقال :هذا هو مصير الكافرين , ثمّ ضرب بيده على كتفي وقال : هيا بنا فالطريق صعب و طويل .



نور الإيمان


السلسلة الجبلية التي كنا نسير في سفحها كانت تعلو جبلاً تتصاعد منه النيران وتتصل بعنان السماء وقد سدّت الطريق أمام العابرين , شعرت بأنّ بلاءً جديداً قد برز أمامنا, فدنوت من ((حسن)) مضطربا ً مرعوبا ً وقلت له : يبدو أننا وصلنا طريقا ً مسدوداً , والطريق موصد أمامنا , قال لي ((حسن)) وهو يواصل طريقه : لا بأس عليك وتعال معي فهنالك كهوف صغيرة و قصيرة في هذا الجبل علينا أن نعبر أحدها لتدرك قوة إيمانك, فسألته متعجبا ً : قوة إيماني ؟
قال : بلى .
قلت : و كيف ؟
قال : اعلم أنّ كلّ إنسان ينال السعادة يوم القيامة على قدر إيمانه , وهنا صورة مصغرة لمقياس قوة الإيمان وعلى كلّ حال عليك النظر لا الكلام.
من ردّه فهمت أنّه عليَّ الصمت .
ثم ظهر أمامنا نفقٌ ضيق مظلم لا نافذة فيه ولما دخلناه أصابني الهلع لشدة ظلامه, وبعد خطوات توقفت وقلت لـ((حسن)) : المسير في هذه الظلمة موحش وغير ممكن وما العمل إذا لحق بي الذنب في هذه الظلمة ؟
دنا ((حسن)) مني وقال : لا تفكر بمجيء الذنب , فالضربة التي أنزلتها به لن تجعله يلحقنا بهذه السرعة بالإضافة إلى أنّه يضعف أكثر فأكثر في كل لحظة.
سررت لخلاصي من شر الذنب لفترة, لكن التفكير بظلمة الطريق استحوذ عليَّ مرة أخرى لذلك فقد توجهت إلى ((حسن)) متسائلا ً:كيف سنتقدم في هذه الظلمة ؟
قال ((حسن)) : نظرا ً لما تتمتع به من إيمان سيظهر أمامنا نور يضيء لنا الدرب , بعد قليل من الوقت شعّ من وجه ((حسن)) بور أضاء الطريق لعدة أمتار .
سرت إلى جانب ((حسن)) مسرورا ً , وكنا نمرّ أحيانا ً بمستنقعات عميقة استطعت العبور منها بقوة إيماني .

المتوسلون

قطعنا قليلا ً من الطريق وإذا بصرخات وصياح في وسط ذلك الظلام يطرق مسامعي , ولما أنصت قليلا ً تبين أنّه صوت بعض المتوسلين بنا كي نفيض عليهم من نورنا فيقتبسوا منه ويسيروا على ضوئه .
كان ((حسن)) يسير أمامي فناداني قائلاً : لا تستمع لهم فإنّهم حثالات المنافقين والكافرين جاؤوا إلى هنا إنّهم لا يستحقون ولو قبسا ً ضعيفا ً من النور ومصيرهم السقوط في واحدٍ من هذه الحفر الموحشة, وحيث واجهنا إصراراً منهم توقف ((حسن)) وخاطبهم : إن كنتم بحاجة إلى نور الإيمان فارجعوا إلى الدنيا وأتوا به.
التفت أحدهم نحوي وقال : يا عبد الله ألم نكن نحن وأنتم من المصلين الصائمين ؟ فلماذا تقولون ارجعوا إلى ذلك العالم وأنت تعلمون أنّه مستحيل.
استشطت غضبا ً وصككت أسناني على بعضها وقلت لهم : نعم لقد كنتم معنا لكنكم كنتم تعملون للقضاء على ديننا لا نصرته , لقد كنت بالمرصاد تحاولون ضرب الإسلام وها أنتم الآن قد عرفتم أنكم كنتم من المخدوعين.


تخاصم المجرمين

انتهى كلامي معهم ثم دنوت من ((حسن)) وقلت له : هيا بنا لئلا يعاودون الإلحاح .
قال ((حسن)) : أما ترغب أن تستمع تخاصمهم وتنازعهم؟ تأمل جيدا ً, فأنصتُ لهم فسمعت أصواتهم في قلب الظلام وإذا بهم يخاطب بعضهم بعضا ً : (( لولاكم لكن مؤمنين وتمتعنا بنور الإيمان)) فردّ عليهم أولئك : أنحن صددناكم عن الإيمان ؟ فإن كنتم تريدون الإيمان لآمنتم .
مضت لحظات من الصمت ثم صرخ أحدهم غاضبا ً : إنّ فلانا ً هو السبب فقد بدأ بلاؤنا منذ أن استمعنا لم قاله وأطعناه !
فأجابه : لو أنكم لو تطيعوني طاعة عمياء, فارتفع صوت شخص آخر : لقد أطعناك في الدنيا فهيا أنقذنا مما نحن فيه .
وهنا ارتفع صوت كبيرهم قائلاً : (( أما ترون أننا جميعا ً مشتركون في العذاب فأنّى لي إنقاذكم )) وما أن انتهى كبيرهم من الكلام حتى بدأ الذي اتبعوه بالدعاء بالويل والثبور عليه قائلين : (( ربنا إننا بريئون فهو كبيرنا ومرشدنا في الدنيا فضاعف عليه العذاب )).
لم ينته تخاصمهم بعد فجذبني ((حسن)) وقال : هيا بنا نسير فإنّ نزاعهم لا نهاية له وسيطول نزاعهم في جهنم أيضا ً . وبعد خطوات تناهى إلى مسامعي صوت رهيب ٌ فسألت ((حسن)) عن مصدره فقال : هو صوت أحد المجرمين قد سقط في حفرة سحيقة .
سررن لأن مثل هذا العذاب لا يطالني وهذا ما دفعني إلى مواصلة الطريق بمزيد من الأمان .


سرعة العبور

تقدمنا قليلا ً وإذا ببعض أنوار خافتة و أخرى قوية نسبيا ً تلفت انتباهي . فتصورت أنهم طائفة مثلنا يسيرون على ضوء نورهم , ولم يمضِ سوى قليلٌ من الوقت حتى وصلنا شخصا ً يتخطى رويدا ً رويدا ً على ضوء واحد من الأنوار الخافتة جدا ً فسلمتُ عليه وسألته عن حالته فقال : لقد أصابني الإرهاق , فعلى الرغم من أنني أسير في هذا النفق منذ مدة طويلة لكنني لا زلت في بداية الطريق.
قلت : هذا بسبب قلت إيمانك , أيّد ما قلته له, وفي الوقت الذي كان يمسي ببطء تأوّه بشدة وقال : واحسرتاه واحسرتاه , ولم نبتعد عنه سوى خطوات وإذا بصراخه يعلو, أردت الرجوع لكن ((حسن)) قال بسرعة : لقد تعجّل وحيث أنّ نور إيمانه ضعيف جدا ً فقد هوى في إحدى الحفر , قلت : وما الذي سيحصل في نهاية المطاف؟
توقف ((حسن)) وقال : لا شيء فإنّ ((حسن)) الخاص به سينقذه, لكنه يصل مقصده متأخر جدا ً. وما أن انتهى ((حسن)) من كلامه سطع أمامنا نور أخذ بأبصارنا ولما اختفى سألت ((حسن)) متعجبا ً: مالذي حصل ؟ فتأوّه ((حسن)) وقال : لإنّه أحد علماء الدين قضى عمره مطيعا ً عابداً مخلصا ً لله , وهاهو الآن طوى هذا الطريق المظلم بسرعة فائقة مستنيرا ً بنور إيمانه , فتحسرت أنا أيضا ً وقلت : طوبى له , فيا له من نور ويا لها من سرعة.
دخل الهمّ فؤادي ووضعت رأسي بين ركبتي من الندم والخجل وقلت : واحسرتاه فهذا النور هو نتيجة أتعابي لسنوات طويلة من عمري .
ناديت نداءً انطلق من أحضائي : يا إلهي , يا عليماً بأحوال الأحياء والموتى انظر إليَّ وزدني نوراً ليسهل عليَّ العبور من هذا المعبر الشاق.
وبقيت على تلك الحال أبكي وأبكي حتى شعرت بأن النفق ازداد نوراً ولما رفعت رأسي من بين ركبتي شاهدت ((حسن)) وقد أصبح أكثر نورانية من ذي قبل فنهضت وتوجّهت نحوه مذهولاً وقلت له : لقد أصبحت أكثر نورانية !
قال : لقد منَّ الله عليك برحمته وأفاض عليك من بنورٍ مضاعف وهذا بلا شك يعتبر استجابة لدعائك في الدنيا حيث كنت كثيرا ً ما تطلب رحمة الله لسفرك الأخروي , ثمّ واصل كلامه : لا أحد يستطيع العبور من برهوت معتمدا ًعلى عمله الصالح , فلا بد من أن تشمله رحمة الله إلى جانب عمله .
سُررت كثرا ًوحمدت الله على لطفه ورحمته اللامتناهية , كنت أسير بسرعة وأمان أكثر حيث تجاوزت بعض الناس فيما استطاعت مجموعة أخرى تجاوزنا , مع أني كنت أشعر بالإرهاق لكنني لم أكن أبالي بسبب لهفي لوادي السلام , فقلت لـ((حسن)) : ما أطول هذا الممر ؟
فأجابني ((حسن)) وهو يحثّ الخطى بسرعة : لو أنّك صمدت أمام غبار الشهوات لكان الطريق قد سهل عليك كثيرا ً , والآن لا بأس فعليك الصبر قليلا ً فما أسرع أن ينتهي هذا الطريق ......

طرق فرعية

وأخيرا ً انتهينا من تلك الظلمة الموحشة ودخلنا صحراء مترامية الأطراف وبع أن سرنا فيها خطوات توقف ((حسن)) وقال : انظر يا صديقي , إنّ السير في هذا الطريق محفوف من الآن وصاعدا ً بالمخاطر أكثر مما سبق , ثمّ ألقى نظرة سريعة على الطريق واستمر في حديثه : كلّ من ابتلي في الدنيا بنوعٍ من الانحراف سينحرف هنا أيضاً , ثمّ أشار بيده إلى الطريق الذي يقابلنا وقال : هذا هو الطريق المستقيم الذي ينتهي بوادي السلام ولكن لابدّ من الانتباه فهنالك الكثير من الطرق الفرعية – فالطرق المتناثرة على اليمين والشمال مضلّة وأما الجادة الوسطى فهي المستقيمة – فأخذت أردد : اللهمَّ اهدنا الصراط المستقيم . ثمّ طلب مني أن أسير خلفه وسرنا في الطريق الذي أمامنا , وكان جميع الذين عبروا الكهف ساروا في هذا الطريق للوصول إلة وادي السلام وكان الناس يطوون هذا الطريق بما لديهم من حسنات صغيرة أو كبيرة وبسرعات مختلفة .
بعد أن سرنا مسافة وصلنا مفترق طريقين ودون أن يتوقف ((حسن)) أشار إلى الطريق الواقع على الشمال وقال : هذه جادة الحسد والطغيان من دخلها خرج من جادة الشرك التي تنتهي بوادي العذاب .
وفي تلك الأثناء شاهدنا شخصاً قد وطأ بقدمه تلك الجادة ورحتُ أفكر بأمره فتألمت لأنه اختار هذا الطريق المنحرف بعد كل تلك المصاعب والطريق الذي قطعه . وكنت أتمنى أن يندم و يؤوب قبل وصوله إلى جادة الشرك . لم يَزل ذلك المنظر يشغل بالي حتى واجهت مشهدا ً آخر في طريقي حيث شاهدت رجلا صغير البنية يسير إلى جانب الطريق خائفاً مرتعدا ً , فالتفت إليَّ ((حسن)) وقال : طأ بقدمك رأس هذا وتقدم . توقفت وسألته متعجبا ً : لماذا ؟ قال : المتكبرون في الدنيا تصغر أبدانهم هنا كي يركلهم الناس بأقدامهم .
ولما تذكرت تكبر هؤلاء في الدنيا أخذتني العصبية فركلته بقدمي وألقيت به على الأرض وواصلت طريقي دون اكتراث بعويله وصراخه . وما أن ابتعدنا قليلاً حتى وصلنا مفترق ثلاثة طرق . فتوقف ((حسن)) ليدلني فقال : واصل طريقك المستقيم ولا تلتفت يمينا ً ولا شمالاً . لأن طريق اليمين طريق النمامين الذين يؤذون الناس بألسنتهم , وأضاف : وفيه حيوانات لادغة تلسع المارين من هناك . في غضون ذلك دخله شخص فخرجت بعض الأفاعي من الأرض وأنبتت أنيابها بجسده فتركته مطروحا ً على الأرض يصر بصوت ٍ عالٍ ونظرا ً لرعب المنظر أدرت بوجهي شمالا ً فدهشت لرؤية شخص ضخم البطن لا يستطيع السير وكثير ما يسقط على الأرض . ولفقدانه التوازن انحرف نحو طريق الشمال وأخذ يواصل طريقه زحفا ً .
سألت ((حسن)) : أيّ طريق هذا الذي يسير فيه ؟ قال : هذا طريق آكلي الربا حيث يذوقون أشد العذاب .



الغـلـي


سار بنا الطريق نحو قمة تلٍ, ومن الأعلى انتبهت إلى الجانب الثاني من التل فشاهدت مجموعة من المأمورين يقفون على الطريق وقد أوقفوا عدة أشخاص , وإلى جانب المأمورين كانت تتصاعد ألسنة من النيران , ولشدة خوفي ورعبي دنوت من ((حسن)) ومنعته من المسير , فمسح ((حسن)) بيده على رأسي وقال : لا تخف فلا شأن لهم بك فقد وقفوا يتصيدون أفرادا ً معينين . وفي تلك الحال ارتفع صوت عويل وصراخ ولما نظرت عرفت أن شخصا ً كان واقفا ً والنيران والدخان يتطاير من جبهته ولما أمعنت النظر شاهدت مسكوكة مغلية قد طُبعت على جبهته , ثمّ أحمى المأمورون مسكوكة أخرى ووضعوها على ظهره فملأ صراخه وعويله أجواء الصحراء , نظرت في وجه ((حسن)) متحيرا ً , ونظر هو أيضاً في وجهي وقال : هذا جزاؤه - ((فهذه المسكوكة كان قد جمعها في الدنيا , وكان يرد المحرومين والمستضعفين ولم يؤدي حقوقهم )) – قال ((حسن)) ذلك وسار نحو الأسفل ولحقتُ به مرعوبا وخائفاً .
ولما وصلن عند هؤلاء المأمورين الغلاظ الشداد تضاعف خوفي ورهبتي ولكن ما خفف من روعي وجعلني أهدأ هو أنهم أفسحوا لنا الطريق للمرور فعبرنا من بينهم دون الشعور بالخطر .


قـطـعـة مـن نـار
ابتعدنا عنهم خطوات فراودتني فكرة الالتفات إلى الخلف ولما نظرت دهشت لرؤيتي المأمورين وهم يمسكون بشخص من رجليه ويديه ويحاولون إدخال قطعة من نار بالقوة في فيه , توقفت عن المسير ورجعت إلى الوراء فهالني المنظر , فكانت صرخاته وعويله أليمة للغاية , وفي الوقت الذي كان داخله يستعر فقد كان يقطع الطريق زحفا ً , وفجأة شعرت بيد حسن على كتفي فنظرة إليه وسألته : ما الأمر ؟
قال : إنّ الذين يأكلون أموال الناس بالباطل يتولى أمرهم مثل هؤلاء الملائكة المكلفين بإطعامهم قطعة مستعرة من الحديد .
وبعد صمت قليل واصل ((حسن)) كلامه فقال : بطبيعة الحال فإن هؤلاء يوقعون عند معبر حقّ الناس .
وبعد استماعي لكلام ((حسن)) اطمأن قلبي قليلا ً و لكن نظراً لتألمي من ذلك المنظر توجهت إليه وطلبت منه الابتعاد عن ذلك المكان .
ثمّ سرنا وسرنا حتى وصلنا شخصاً رافعا ً يديه إلى الأمام وهو يتخطّى خطوات قصيرة بحذر , فقال ((حسن)) وهو يواصل مسيره مشيرا ً بإصبعه إلى ذلك الشخص : منذ أن خرج هذا المسكين من النفق أصيب بالعمى .
ثمّ سار في طريق فرعي يبعد عنا خطوات وقال ((حسن)): هذا طريق أهل الدنيا وسرعان ما يدخله , فسألته لماذا ؟
قال : ذلك واضح لأنه فضّل الدنيا وأهلها على الآخرة وعلى المؤمنين. وهذه الطائفة من الناس ممن يشترون الخسران المبين لأنفسهم , وذلك هو شراء الدنيا بالآخرة . ولم ينته ((حسن)) من حديثه وإذا بهذا الشخص يطأ بقدمه طريق أهل الدنيا , وبقيت أسير في طريقي وتارة أعود إلى الخلف لأنظر من ذلك الأعمى البائس .
كنّا نطوي الطريق المستقيم على ما يرام , وكنّا أحيانا ً نسبق غيرنا فيما يسبقنا آخرون وقد صادفنا في طريقنا طرقا ً فرعية وأناسا ً عجيبين , ومن بينهم أشخاصا ذوي لسانين امتدت من أفواههم وتستعر فيها النيران ,فقال لي ((حسن)) : إنّهم المنافقون .
كما شاهدنا الذين ارتكبوا أعمالا ً تخالف العفة وانغمسوا بالشهوات غير المشروعة وقد لجموا بلجام من نار . لكن الأكثر إزعاجا ً هو الطريق الفرعي الذي تسير به النساء , فهو طريق ينتهي إلى صحراء وتتعذب فيها نساء كثيرات , فمنهن من عُلِّقن بشعورهن وذلك لأنّهن كن يبدين شعورهن للأجانب , منهنَّ من يأكلن لحومهن , وهنَّ من كنَّ يتزينَّ أمام الأجانب , منهن من كانت رؤوسهن رأس خنزير وأبدانهن بدن حمار لأنهن مارسن النميمة في الدنيا .
والذي أثار دهشتي خلال مشاهدتي لجميع تلك المناظر هو عجز ((حسن)) الخاص بهؤلاء بحيث أنّه كان يتخلف عن صاحبه أحيانا ً مسافة مئات الأمتار فيعجز عن هدايته وإعانته.


الـمـرصـاد


قطعنا مسافة طويلة حتى وصلنا نفقا ً , وقبل أن نصل أعلى ذلك النفق تناهت إلى مسامعنا أصوات من الجانب الآخر للقمة أردت أن أسأل ((حسن)) عنها لكنني فضلت الإطلاع عنها شخصياً عند الوصول إلى القمة .
لما وصل ((حسن)) إلى أعلى القمّة توقف , وبدوري التحقت به مسرعا ً أسحب أنفاسي بقوة , فذهلت لما رأيت واستحوذ عليَّ الخوف والاضطراب .
فقد كانت الطرق والأودية المحيطة بتلك القمة مليئة بالملائكة والذين وقعوا في قبضتهم , فهم قد سيطروا على كل من كان يحاول المرور من هذا الطريق , فسألت ((حسن)) : ما الخبر هنا؟
كان ((حسن)) ينظر يمينا ً وشمالاً , فقال : هذا هو المرصاد , قلت له مندهشاً : وما المرصاد ؟
قال : مكان التحقيق حول حقوق الناس , توقف ((حسن)) هنيئة ثمّ واصل كلامه : لو كان في عنقك أدنى حق للناس بدء من القتل وانتهاءً بالصفعة أو أي دين آخر , كل ذلك يصبح سببا ً في بؤسك .
مرة أخرى استطلعت الوادي , فكانت مجموعة محمّلين بالهموم والأحزان وقد افترشوا الأرض ولم يكونوا قادرين على التحرك لثقل السلاسل المطوقة بها أعناقهم , وآخرون مصفدون بالحديد يتولاهم ملائكة غلاظ عظيموا الجثّة , فيما تاه آخرون في الوادي لا يؤذن لهم بالمرور من الطريق .
كلما ارتفع صوت المأمورين في الأجواء بالإذن لأحدٍ ما بالعبور وكان قد أوقف لمدة طويلة فإنّه يواصل دريقه بكل سرور .
ثمّ التفت ((حسن)) إليَّ وقال : هيا بنا نذهب .
قلت مضطربا ً : لا يمكننا المضي من هذا المضيق .
فقال : إنّ الملائكة يسيطرون على كافة الطرق فلا يمكن التغاضي عن حقوق الناس وإن الله سبحانه لا يغض الطرف عن الظلم , ربما يتنازل الباري عن حقّه ويقبل شفاعة الصالحين , لكنّه لا يعفو عن حقوق الناس أبدا ً .
سألت ((حسن)) : كيف يتم معرفة الأشخاص هنا ؟
قال : من كانت بذمته حقوق الناس يتمّ التعرف عليه ومنعه من العبور من قبل الملائكة , أردفت متسائلاً : وإلى متى عليهم البقاء هنا ؟
قال : تختلف مدة بقائهم وتوقفهم , فالبعض يبقون أشهراً , وآخرون سنوات , ثمّ سألته : وكم يطول التحقيق في حقوق الناس ؟
قال : عدل الله هو الحاكم هنا , والتحقيق يجري لصالح المظلوم إلاّ أن يعفو المظلوم عن حقّه , و إلاّ سيؤخذ من حسنات الظالم وتضاف إلى ميزان المظلوم حتى يرضى , وإذا لم تكن حسنات الظالم كافية أخذ من سيئات المظلوم وأضيفت إلى سيئات الظالم , وفي الحقيقة فإنّ هذا يعتبر قصاصاً من الظالم .
دخل الرعب والخوف فؤادي لما سمعته من ((حسن)) .
ولما وجدت أنه لا مفر من المرور من بين هؤلاء المأمورين قلت لـ((حسن)) : لا حيلة لنا ... لنذهب.
طوينا منعطفات النفق ودخلنا المرصاد وما مضى إلاّ لحظات حتى وجدت نفسي وجها لوجه أمام أحد المأمورين وبإشارة من أحدهم وضعوا سلسلة ضخمة في عنقي ودون أن يمنحوني فرصة لمعرفة السبب أخذوا يسحبونني حتى أخرجوني من الطريق ......

.....طوينا منعطفات النفق ودخلنا المرصاد وما مضى إلاّ لحظات حتى وجدت نفسي وجها لوجه أمام أحد المأمورين وبإشارة من أحدهم وضعوا سلسلة ضخمة في عنقي ودون أن يمنحوني فرصة لمعرفة السبب أخذوا يسحبونني حتى أخرجوني من الطريق
عبثاً أخذت أحرك رجليَّ علّني أفلح في الهروب منهم , غير أن جميع محاولاتي باءت بالفشل أمام سطوتهم , وطلبت من ((حسن)) أن يستفسر عن سبب فعلتهم هذه لكنه اقترب مني وقال : عليك أن تعرف أن هؤلاء لا يعذبون أحداً دون علةٍ . تأملت قليلا ً فعرفت القصة , فلقد اقترضت مبلغا ً من المال من جارنا ولم استطع تسديده له وذلك لسفره ثمّ مرضه , فصارحت ((حسن)) بذلك وطلبت منه البحث عن طريق للنجاة . وقد نظر ((حسن)) إليَّ وقال : لو استطعت أن تزور ذويك في عالم الرؤيا وتطلب منهم أداء ما بذمتك من دَين ففي ذلك أملٌ في خلاصك و إلاّ فإنك ستُمتحن هكذا .
وبمساعدة من ((حسن)) استطعت أن أزور ولدي الكبير في عالم الرؤيا وأحدِّثه عن حالي .
بقيت أنتظر ما يرد به أهلي وإذا بي أرى شخصا ً يحمل فوق ظهره أغلالاً من نارٍ ويهرول بهذا الاتجاه وذاك ويصرخ : الويل لي , فهذه الأموال التي اقترفتها بالخطايا هي التي أوقعتني هكذا في البلاء , في حين أنفقها الورثة في سبيل الله فنالوا السعادة, وعلى جانب آخر شاهدت حشدا ً كثيراً قد هجموا على شخص يطالبونه بحقوقهم .
وعند رؤيتي لهذه المشاهد الرهيبة والحال التي أنا فيها غرقت في تفكير عميق وأخذت أحدِّث نفسي : لو كنت أعلم أن حقوق الناس من الأهمية وغير قابلة للعفو إلى هذا الحد لبذلت المزيد من التأني في تعاملي مع الناس سواء أثناء المعاملات أو إبداء وجهة النظر والإدلاء بالشاهدة أو حتى أثناء الحديث معهم , وهنا أخذت بالصراخ دون وعي : الويل من هذا المعبر إنَّه حقاً معبر الهلاك والشقاء.
في تلك الأثناء فتح المأمورون الأغلال عن عنقي وابتعدوا عني . تصورت في الوهلة الأولى أنهم تركوني بسبب صراخي
, ولكن عندما ضمّني ((حسن)) إليه مسرورا ً قال لي : لقد قُضي دَيـْنُك وإنّك الآن حرٌّ في العبور من المرصاد , وارتفع صوت المأمور بإطلاق سراحي . واصلنا طريقنا المستقيم للوصول إلى وادي السلام .


صراع مصيري
تجاوزنا معبر المرصاد المحفوف بالمخاطر , وتقدّمنا حتى بدا هيكل أسود مذهل يتوسط الطريق , ولما تقدمنا أكثر ظهر أنه معروف لدينا ولما اقتربنا أكثر عرفته جيداً , إنه الذنب لكنه أصغر من ذي قبل وأكثر نحولا ً ويرتدي زيا ً غريبا ً .
سرتُ خطوات إلى جنب ((حسن)) , لقد كان وجهه - الذنب- مكفهراً ورائحته كريهة متنكباً سيفا ً جاداً و ينظر إليَّ بعيون ناقمة .
توقف ((حسن)) وكنت أقف خلفه وأخذ الخوف يخيّم على قلبي شيئا ً فشيئا ً.
نظر إليًّ ((حسن)) برأفة ووضع يده على كتفي وقال : استعد للصراع مع الذنب !
استحوذت عليَّ الدهشة وقلت : صراعٌ مع مَنْ ؟
نظرت إلى الذنب وأعدت سؤالي : مع الذنب ؟
قال : نعم , مع الذنب .
دخلني الرعب والاضطراب وعرق جبيني , ولما عرف ((حسن)) بالخوف الذي انتابني قال: في هذه الرحلة وفي هذا المكان لا خوف على أولياء الله , (( والمؤمنين بالله واليوم الآخر والمحسنين)) (( والذين خافوا الله في الدنيا , ولا هم يحزنون)).
استلهمت الصلابة من حديث ((حسن)) فنظرت إليه وكان في يده سيف بتار فقلت له : من غير الممكن خوض صراعٍ بيد خالية أمام عدوٍ شهر السيف بوجهي .
قال : لا عليك فإن نفس ذلك الملك الذي أعانك مرات ومرات سيأتي ليجهزك .
قلت له : وما هو دورك في هذا الصراع ؟
تأمل قليلاً وقال : سأحدِّثك عن عدوك وإعدادك وتشجيعك , ثم صافحني وقال : بعد أن يئس الذنب إضلالك والإيقاع بك في الطرق الفرعية والمرصاد ها هو يقف أمامك الآن للمرة الأخيرة وبكل قواه متصوراً أنه ربما يقضي عليك وقد جاءك هذه المرة بثوب الدنيا شاهراً سيف الشهوات , فعليك الحذر من أسنان سيفه فكل واحد منها يمثل واحدة من الشهوات . وهي حادة وجارحة وإذا ما تمكنت واحدة منها من بدنك فإننا سنواجه صعوبة في بلوغ مقصدنا .
الذنب واقف وسط الطريق ويراقب تصرفاتنا , و((حسن)) ألقى ببصره مرة أخرى نحو الأعلى , وأنا أيضا ً توجهت ببصري نحو تلك الجهة لمحت من بعيد ذلك الملك المغيث بدا محلقا ً , وبطرف عين حلّق رؤوسنا ثم سلَّم وأعطى ((حسن)) سيفا ً وثوبا ً قتاليا ً ودرعا ً وخنجرا ً ثم غادر .
لما رأى الذنب ذلك تحرك من مكانه قليلاً وبدا الخوف على وجهه القبيح , و التفتُ إلى ((حسن)) مسورواً وقلت له : إن عدتي تفوق عدة الذنب . ثم سألته : هذه الآلات ثمرة أيٍّ من أعمالي ؟
كان ((حسن)) يهز السيف في يديه فقال لي : هذه ثمرات الأعمال التي قمت بها في الدنيا , فالسيف ثمرة دعائك ومناجاتك , ثم قال وهو يلبسني الثوب : وهذا علامة التقوى في الدنيا , وقوته ترتبط بقوة تقواك .
ولما ارتديت لامة الحرب وأخذت السيف بيدي و في الأخرى أمسكت بالدرع , قال : وهذه ثمار صيامك , ثم قبلني ((حسن)) وشحنني بالقوة والصلابة ببسمته المليحة ثم قال لي : لا تخف أبدا ً , فإنك ستقضي عليه بضربةٍ واحدة , هززت رأسي مؤيدا ً لكلامه وتوجهت نحو الذنب الذي أشهر سيفه وأخذ يرتجز قائلاً :إنني أبرز إليك نيابة عن الدنيا والشيطان ولن أدعك تجتاز هذا الطريق وسف أهجم عليك بسيفي هذا من بين يديك ومن يمينك وشمالك ومن أمامك وخلفك , وسأنزل ضرباتي الماحقة على رأسك , ثم التفت إلى يمينه وقال : إن كنت تريد مني أن أتركك فاخرج من هذا الطريق واحملني على ظهرك ثم أشار بإصبعه وقال : كما يفعل ذلك الشخص , فلما نظرت رأيت شخصا ً حاملاً ذنبه على ظهره ويمشي بخطوات بطيئة جدا ً . هنا أدركت أنها إحدى خُدع الذنب يريد بها تحطيمي في هذا الوادي ويمنعني من بلوغ مقصدي , فصحت به : هيهات , سوف أقارعك ولن أخضع لك ذليلا ً.
وفي تلك اللحظة شعرت بسيف الذنب وهو يهوي على رأسي فرفعت الدرع فوق رأسي فكانت ضرباته قوية بحيث أن واحدة من أسنانه نفذت فأصابت رأسي , وهويت بسيفي على خاصرة الذنب فولّى هاربا ً صارخا ً مولولاً , ثم باشرت بعلاج جرحي وإذا بـ((حسن)) يصرخ بي : احذره فقد جاءك من الخلف , فرجعت فجأة إلى الخلف وفاجأته بضربة ثانية على خاصرته الأخرى فتقهقر .
استمر الصراع بهذه الحالة وأنزلت بالذنب عدة ضربات أخرى , فيما كان يهاجمني يمينا ً وشمالاً وهو يلهث , ففاجأني بضربة فرقت درعي وأصابت بدني , ولكن مازلت أنا بطل الميدان بفضل ما يقدمه ((حسن)) من تشجيع لي .
وبين الفينة والأخرى أسمع صوت ((حسن)) وهو يقول : ثمن الجنة القضاء على الذنب , من هذا الكلام ازدادت معنوياتي , كان الوقت يمضي والذنب يصاب بالإرهاق ويزداد تعبه حتى سقط على الأرض وسط الطريق فقد أرهقته شدة الجراح لكنه لم يزل يحاول إعاقة عبوري .
تقدمت عازماً على إنزال الضربات الأخيرة على رأسه فلحقبي ((حسن)) وسلّمني الخنجر الذي يسده اليمنى وقال : بهذا الخنجر فقط بإمكانك الخلاص من شرور الذنب إلى الأبد , وفي تلك اللحظة فهمت أنني دخلت ميدان الحرب بلا خنجر , فأخذت الخنجر وأنا أمعن النظر به وقلت : عجبا ً لك من آلةٍ نافعة! هل بإمكانك أن تفصح ... فقط كلامي وقال : لعلك تريد أن تعرف نتيجة أيٍّ من أعمالك ؟
قلت : نعم , فقال : إنني نتيجة الصلوات التي كنت ترسلها على النبي وآله في الدنيا , فهي قوية بحيث أنها تستطيع القضاء على الذنب .
دنوت من جثة الذنب شبه الهامدة وغمستُ الخنجر في بدن الذنب وابتعدت عنه مباشرة , فكان بدنه يكبر ويزداد حجمه وكنت أشعر بالسرور لأنينه , وبعد قليل انهار جسد الذنب محدثا ً صوتا ً مهيبا ً وتناثرت أشلاؤه هنا وهناك في الوادي . فارتفع صوت ((حسن)) مسرورا ً فجاءني مسرعا ً وضمّني إليه وهنأني بكل حرارة وقال : وأنا بدوري لم أخفِ فرحتي واحتضنته ولما انتهى عناقنا قال لي : لقد شفيت كافة جروحي تماما ً بالقضاء على الذنب , ومن الآن فصاعداً سأبذل لك العون بكل نشاط وحيوية .
لقد كنت ناسيا ً جروح ((حسن)) وما أن سمعت كلامه هذا طرتُ فرحا ً وهنأته على ذلك وضممته إليّ , وأخيراً فُتح الطريق أمامنا فواصلنا طريقنا يحدونا الأمل والسرور .
كنت أضجّ أحياناً من الجراحات التي نزلت برأسي وبدني , ولقد كنت غافلاً عنها بسبب اندفاعي لمقارعة الذنب وللفرحة التي أعقبتها , وكنت أخشى أن تعيقني عن مواصلة الطريق .
لم نقطع من الطريق إلاّ قليلاً فجلست على الأرض وطلبت من ((حسن)) شيئا ً من الاستراحة , فرجع إليَّ وقال : الوقت قليل فلا بدّ من المسير بأيِّ نحو كان .
قلت : أما تراني لا أقدر ؟
وكعادته في مواساته لي , تقدم نحوي وقال : ليت تقواك أكثر من هذا بقليل لاستطاع درعك دفع الضربة التي نزلت عليه كسائر الضربات . ألقيت بنظرة على الدرع , والألم قد سلب مني الراحة ثم قلت : العجب لهذا الدرع الذي لم يستطع المقاومة أمام تلك الضربة رغم ضخامته . فأجابني ((حسن)) مباشرة , إنك لم تصم سنة كاملة بعد بلوغك , أما بقية الأيام فإنك ربما أذهبت أثرها بأعمالٍ غير مرضية .
استولت عليَّ الحسرة والندامة والخجل , فأخذ ((حسن)) بيدي وأنهضني من الأرض وقال : لو استطعت الوصول إلى وادي الشفاعة فهنالك أملٌ في مواصلتك الطريق مشافىَ وبسهولة . كان اسم الشفاعة معروفا ً لديَّ كثيرا ً ومبعث تفاؤل لي في الدنيا , لذا فقد أسرعتُ بالسؤال : أين هذا الوادي؟ فأشار ((حسن)) إلى الأمام وقال : إلى الأمام قليلا ً , ثم واصل قائلاً : إن الشفاعة تتعلق بالقيامة الكبرى لكنك تستطيع الآن أن تفهم إنْ كنتَ من أهلها أم لا , فإن بشّروك بها فإنك ستستلهم روحية جديدة وتطوي بقية الطريق بكل يسر .
كنت أحيط بيدي على رقبة ((حسن)) ونواصل طريقنا بصعوبة بالغة . وحين مسيرنا قلت لـ((حسن)) : لو كنت أستطيع العودة إلى الدنيا لأخبرت أهلها أن خير الزاد التقوى . فهزَّ ((حسن)) رأسه وقال : وهو كذلك بالطبع , ثم سكت ولم أعد أقدر على مواصلة طريقي إذ عمَّ الألم جميع كياني فطلبت من ((حسن)) العون فحملني على كتفيه وسار . وأنا في تلك الحال قلت له : أتستطيع حملي على ظهرك حتى نصل وادي السلام ؟
قال : لا إذن بالدخول لوادي السلام لمن ضربه ذنبه وجرح بدنه , فأدركت أن لا مناص لي سوى أن تدركني الشفاعة وحسن .
أخذنا نقترب خطوة فخطوة نحو وادي الشفاعة يحدونا الأمل , وأحياناً يقشعر بدني ويهتز كياني لئلا تدركني الشفاعة ,ولم يكن لديَّ سوى ((حسن)) الذي يؤنسني في تلك الحالة أخذ المناخ يتحسن شيئاً فشيئاً فقد انخفضت درجة الحرارة ول يبق من الدخان المتراكم في السماء سوى طبقة خفيفة وكنت أتجرع كل أنواع الألم والعذاب بغية الوصول إلى وادي الشفاعة .
أخيراً وصلنا مرتفعا ً يمر طريقنا من خلاله , فتوقف ((حسن)) وقال : على الطرف الآخر من هذا المرتفع يقع وادي الشفاعة الزاخر بالبركة والخيرات , وعندما وصلنا إلى الأعلى هبَّ نسيم عذب فألقى ((حسن)) بي على الأرض وقال : لنجلس هنا بانتظار بشارة الشفاعة , فإذا ما نلتَ شفاعة أحدٍ أ, بالأحرى شفاعة المعصومين الأربعة عشر – عليهم السلام – فإن جميع جراحك ستلتئم .
سررتُ كثيراً لعلمي بأنني كنت من أتباع مذهبٍ أئمته أفضلا الشفعاء بالنسبة لي .
خطر إلى ذهني سؤال أقلقني فتوجهت إلى ((حسن)) فسألته : وإذا لم تنفع ؟ وكأنّ ((حسن)) لم يكن يتوقع مني هذا السؤال فأطرق برأسه , فأعدت عليه السؤال مرعوبا ً أكثر من ذي قبل : وإن لم ينفعني علاج الشفاعة ؟ فأجابني ((حسن)) وهو مطرقُ الرأس : حينذاك ستصبح شقياً تعيسا ً .
اعترتني حالة من الرهبة والاضطراب وأخذت أبكي دون وعي مني , وكعادته في مواساتي ورأفته بي اقترب ((حسن)) مني وقال : لا تبكِ , فإننا حيث قطعنا كل هذا الطريق فإننا سنقطع ما تبقى ببركة هؤلاء بفضل منزلتهم عند الله , فلطفهم أكبر من أن يتركونا على هذه الحالة و...
وهنا قُطع كلام ((حسن)) بسلامٍ من أحدِ المعارف , فالتفتنا نحو مصدر الصوت , إنه ذلك الملك المغيث قد جاءني هذه المرة بمرهم الشفاعة لإنقاذي , فقال هذا الملك وهو يسلِّم المرهم لـ((حسن)) هذه هدية وهي عبارة عن بشارة بالشفاعة من آل الرسول _ صلى الله عليه وآله – ثم ابتعد عنا محلقاً بجناحيه , فلم تعد الدنيا تلمّني من الفرح وودّعت ذل كالملك بعيون مغرورقة بالدموع.
ولما وضع ((حسن)) الدواء على جروحي شعرت وكأن آلامي وضعفي التي كانت تخيم على كياني قد زالت ووقفت على قدميَّ مباشرة , وفي هذه المرة ترقرقت عيناي بدموع الشوق وصرخت بصوت عالٍ : السلام عليكم محمد وآله الطاهرين الذين يبذلون الشفاعة لمن يحبهم , وإن الله لن يرفض شفاعتهم يوم القيامة أبداً .
لقد كان صوتي جلياً قويا ً بحيث وصل أسماع مجموعة من وادي أهل وادي الشفاعة فجاؤوني يهرعون وقالوا لي : ما الخبر ؟ سمعنا منك صوت فرحٍ لا يطلقه إلا الحائزون على الشفاعة . فأجبتهم والسرور يملؤني : نعم , نعم لقد نلتُ البشارة بشفاعة آل محمد – صلى الله عليه وآله - , وضمدوا جروحي التي أصابني بها الذنب .
فقال لي أحدهم مهموما ً : وما عسانا فاعلون ؟ فهل هنالك من يشفع لنا ؟
قلت له : ولمَ تريدون الشفاعة ؟
قال : لا يؤذن لنا بالعبور .
فسألته متعجباً : ولماذا ؟
قال وهو يبكي : لقد أخبرنا الملائكة بأننا أفلحنا بالوصول إلى هنا , لكننا من الآن فصاعدا ً بحاجة إلى بشارة الشفاعة ... هنا نادى عليَّ ((حسن)) وطلب مني أن لا أضيّع الوقت هدراً.
ونحن نسير سألت ((حسن)) : ما هو مصيرهم ؟ فردَّ عليَّ : لا تفكر بهم , فلكل واحدٍ نصيب من الانتظار لنيل الشفاعة , فطائفة مثلك تطلب الشفاء , وآخرون كهؤلاء يطلبون الإذن بالعبور , ومثل هؤلاء كانوا قد نسوا الله في الدنيا و أنكروا الشفاعة . وكانوا يتقاعسون عن إقامة الصلاة , لكنهم حيث تعقدت أمورهم أخذوا يفكرون بالشفاعة.
لا زلنا نسير في وادي الشفاعة , فألقيت بنظرة نحو أولئك المحتاجين وقلت لـ((حسن)) : ليت الناس جميعاً كانوا صالحين في الدنيا بحيث يستغنون عن شفاعة أي إنسان .
نظر ((حسن)) إليَّ وقال : كلا , ليس كذلك فالجميع بحاجة إلى شفاعة محمد وآله – صلى الله عليه وآله - , فالبعض يحتاجون الشفاعة لدخول الجنة , وآخرون يمدون أيديهم لنيلها لغرض بلوغ درجات أعلى فيها , فدهشتني الحيرة لهذا الكلام فلم أتكلم بعدها أبدا ً .
وبعد سكوت قصير واصل ((حسن)) حديثه حول أهل وادي الشفاعة فقال : البعض منهم لم يكونوا يقبلون أعذار أخوتهم المؤمنين , وآخرون لم يكونوا يطعمون المسكين , وطائفة أخرى كانوا يخوضوا باللعب واللهو فكيف يُشفَّع يهم إن لم يذوقوا العذاب لعلّ رحمة الله تدركهم فيما بعد .
وأخيراً ودّعنا وادي الشفاعة وواصلنا طريقنا بمزيد من النشاط والحيوية .
كنت أشعر بأنني أسيرُ بخفةٍ أكثر من السابق , وكأنني أريد التحليق وأصل إلى وادي السلام خلال لحظة واحدة , نظرت إلى الأعلى فلم أجد أثرا ً للنار , لكن طبقات خفيفة من الدخان كانت تلوح في الأفق لكنها كانت في طريقها إلى الزوال بإطلالة نورٍ أبيض بهيج , وكانت تطل علينا بين الحين والآخر أشجار خضراء زاهية , كنا نطوي طريقنا بسرعة ٍ فائقة وقليلاً ما كنا ننتبه إلى ما يدور حولنا .
كنا نواصل مسيرنا وإذا بنا نلمح عن بعدٍ باباً يحتشد عندها قومٌ وقفوا ينتظرون ويحرسها ملائكة شداد أقوياء . وقفت عند الباب دون اختيار وأخذت أراقب الحراس والحشود الواقفة , وبين الحين والآخر يسلِّم بعض الناس أوراقا ً خضراء للحراس فيعبرون من الباب , فأدرت بعيني نحو ((حسن)) الذي كان واقفا ً خلفي ويراقب تصرفاتي , فسألته : ما الذي يحدث هنا ؟ أجابني : هذا خط السعادة فهو آخر نقطة من برهوت . ثم واصل كلامه بنبرة خاصة : هنا باب الولاية فمن عبرها نال السعادة الأبدية . قلت : وماذا تعني باب الولاية ؟
قال : لا يدخل وادي السلام إلاّ من تعلق قلبه في الدنيا بمحبة علي – عليه السلام – وآل النبي – صلى الله عليه وآله - , فيُمنح مثل هؤلاء بطاقة الولاية ليعبروا من هذا الباب بيسر ويقتربوا من أبواب وادي السلام .
سررت كثيرا ً لسماعي اسم وادي السلام , لكنني سرعان ما أخذت أفكر ببطاقة الولاية فتوجهت مرعوبا ً مضطربا ً إلى ((حسن)) وقلت له : لقد كنت في الدنيا ومواليا ً لأهل البيت - عليهم السلام – لكنني لا أمتلك بطاقة الولاية , فأشار بيده إلى يمين الباب وقال : اذهب إلى تلك الخيمة الخضراء , فتوجهتُ إليها على عجلٍ , فوجدت فيها رجلاً يرتدي ثياباً بيضاء حسن الوجه وقد جلس في زاوية منها ويتحدّث مع أحد البرزخين , وكأن ذلك الشخص كان محروما ً من بطاقة العبور وهو الآن يتوسل للحصول عليها .
قال الرجل ذو الثياب البيضاء لذلك البرزخي : كما قلت لك عليك العودة إلى وادي الشفاعة عسى أن يدركك الفرج و إلاّ فإن مشكلتك أنت والواقفين في الخارج لا تُحل هنا .
غادر البرزخي الخيمة مهموما ً , فدخلت وألقيت السلام ثم جلست أمام ذلك الرجل العظيم , فردَّ عليَّ السلام , وقبل أن أبوح بطلبتي تصفح دفتراً كان أمامه , وكانت رجلاي ويداي ترتجفان , ولكن لم يطل بي المقام حتى امتدت يده نحوي وهي تحمل بطاقة خضراء , ولما سلّمني إياها تبسّم بوجهي وقال : لقد بلغت السعادة فهنيئاً لك .
وهكذا مررنا من باب الولاية وخلَّفنا وراءنا المأمورين ومَنْ لا ولاية لهم .

أبواب وادي السلام


ألقيت ببصري إلى الأعلى . لا أثر للدخان و النيران , وكل ما في الأجواء نور , كلما تقدّمنا إلى الأمام كان يزداد توهجا ً , الأرض مستقيمة والخضرة واللطافة تشاهَد في كل الأرجاء , الفرح سلب مني الاستقرار , حتى ((حسن)) فقد شاهدته مسرورا ً بحيث لم أره أبدا ً قد غرق بمثل هذا السرور والفرح قبل ذلك , ودون وعي مني تقدمت ((حسن)) وأخذت أواصل طريقي مهرولاً .
ابتعدنا قليلا ً عن باب الولاية فانشطر الطريق إلى ثمانية فروع , لم أعرف ماذا أصنع , وبأي اتجاه أسير , توقفت حتى وصل ((حسن)) فاستفسرت عن مصيري , وضع ((حسن)) يده على كتفه وقال : للجنّة يوم القيامة ثمانية أبواب , واحدة للنبيين والصديقين وواحدة للشهداء والصالحين وواحدة للمسلمين ومن لم يضمروا العداء لآل البيت – عليهم السلام - , وخمسة أبواب للشيعة وأتباع أهل البيت – عليهم السلام- , ووادي السلام صورة مصغرة للجنة ونفحة منها . ثم أشار إلى أحد الطرق وقال : هذا طريقنا عجِّل وتعال معي .
لم نتقدم شيئاً فهبّ نسيمٌ لطيف فعمَّ الأجواء عطرٌ دفعني لأن أقف وأتنسم عبيره دون وعي مني , نظرت إلى وجه ((حسن)) الجميل الباسم قد تسمَّر في وجهي , فسألته : ما الأمر ؟ ولماذا تنظر إليَّ هكذا ؟
أجابني مسرورا ً : هذا عطر الجنة قد هبَّ من وادي السلام وهو دليل على اقترابنا من المقصد وعليَّ الذهاب الآن , فاختفت البسمة عن ملامحي فسألته مضطربا : إلى أين تريد الذهاب ؟ ألَمْ يكن القرار أن نكون معا ً إلى الأبد ؟
فتبسم ((حسن)) وقال : لا تخف لن أفترق عنك أبدا ً ولكن لا بد من أ، أذهب أمامك إلى وادي السلام لكي أهيئ دار السلام التي خصصت لك .
فسألته مسرورا ً : وأين هي دار السلام ؟
فأجاب : لكل مؤمن مستقر آمنٍ واستقرار في وادي السلام تسمى دار السلام .
عمّر فؤادي بالفرح وتفتحت شفتاي عن بسمة غامرة , ثم سألته : ما الذي عليَّ أن أصنعه بانتظارك ؟
قال وهو يسير : واصل طريقك بتؤدةٍ فإذا ما وصلت الباب ستجدني هناك .
سار ((حسن)) مسرعاً وواصلت طريقي بنفس الاتجاه حتى لاحت أمامي من بعيد باب وادي السلام , ضاعفت من سرعتي وكلما تقدمت إلى الأمام كنت أشاهد الباب تكبر أمامي , وشيئاً فشيئاً كانت تبدو بالأفق أشجارٌ خضراء على جوانب الباب , فقدتُ صبري فأخذت أسير راكضا ً , وفي تلك الأثناء شاهدت ملائكة يحلّقون باتجاهي فتوقفت إجلالاً لهم , ولما أصبحوا فوق رأسي قالوا معا ً: السلام عليك أيها العبد الصالح , طوبى لك الجنة والسعادة , فرددت عليهم قائلا ً : الحمد لله الذي لم يحرمني الجنة .
ودَّعني الملائكة وذهبوا , عرفت أنني اقتربت من مقصدي أخذت أركض بسرعة حتى وجدتُ نفسي عند باب السعادة والرفاه أي وادي السلام.



حفل الاستقبال
عندما وقع بصري على الأوضاع داخل وادي السلام بهتتُّ وتسمَّرتُ في مكاني وتملكتني الدهشة لرؤية تلك المناظر الجميلة التي لا يُمكن تصديقها .
لم أدرِ كم قضيت وأنا على تلك الحال حتى شعرت أن هناك من يهزّ كتفي , فتحت عينيَّ فإذا بي أشاهد وجه ((حسن)) الباسم , فأحسست بالراحة لرؤيته مرة ثانية إلى جانبي فاحتضنته , وفي تلك الأثناء همس ((حسن)) في أذني : لقد جاء بعض المؤمنين لاستقبالك , تأملتُ قليلا ً وإذا بزمرة من المؤمنين وقفوا أمامي مبتسمين , تركتُ ((حسن)) وتوجهت نحوهم بهدوء , ولما وصلتُ عندهم رحبوا بي جميعا ً وبدوري سلَّمت عليهم واحتضنتهم واحداً واحداً .
ثم سألني أحد المؤمنين عن أخيه , فقلت له : إنه لم يزل يزرع في مزرعة الدنيا , وسألني آخر عن أحد الأشخاص فأجبته : لقد رحل عن الدنيا قبل مجيئي إلى البرزخ بسنوات فأطرق السائل برأسه وقال : أعانه الله , فسألته بعجب : وما الذي حصل ؟
قال : إنه لم يأتِ إلى هنا لحد الآن.
إذ ذاك فمهتُ أنه ما زال ممتحنا ً في وسط الطريق أو استقر في وادي العذاب . ثم تقدَّم أحد المؤمنين نحوي مستفسرا ً عن أحد الطواغيت في الدنيا فأجبته : للأسف إنه لم يزل حياً يواصل طغيانه , فقال لي : لا تأسف إذ أن الله لا يمد الكافرين والظالمين خيرا ً لأنفسهم بل ليرتكبوا المزيد من الخطايا فينالهم العذاب الأليم في الآخرة.
انتهى حفل الاستقبال بعد أن أنستُ بهم ولم أشأ تفرقهم عني .وقد شعر ((حسن)) بما يدور في داخلي فقال لي : لا تقلق فإنك ستلتقي بهم وبسائر المؤمنين الذي يلتقون ببعضهم البعض بين فترة وأخرى , ومدّة كل لقاء تتبع درجة الملاقي والملاقى , ثم سحبني من يدي وقال : هي بنا فقد أعددت لك مستقرك .
وحن نسير كنت أشاهد أهل وادي السلام زرافات زرافات جاؤوا للقاء بعضهم البعض وقد تحلَّقوا حلقات حلقات فيتحادثون فيما بينهم تغمرهم الفرحة والسعادة والابتسامة تعلو وجوههم.
كوثر البرزخ

ثم وصلنا نهراً جميلاً وعجيبا ً لم أرَ مثله طيلة حياتي , بل لم أكن أتصوره حتى في عالم الخيال , ففي جانب منه ماء زلال وفي الجانب الآخر يجري لبن سائغٌ أكثر بياضاً من الصقيع , والأعجب من ذلك هو جريان شراب بينهما يشبه في حمرته الياقوت قلَّ نظيره بالجمال , ونظرت إلى بداية النهر ونهايته فلم أجد له بداية أو نهاية . ووقعت عيناي على أشجار ورياض على جانبي النهر كانت مناظرها من الدهشة بحيث أنني لم أرَ مثلها ولم تخطر على بالي حتى في عالم الرؤيا . تعلّقت عيناي بالنهر فسألت عن منبعه , فأجابني ((حسن)) : أنه نهر الكوثر الذي ورد الحديث عن منابعه في القرآن الكريم وهو يجري على امتداد وادي السلام , كل في كل منطقة يتميز بطعم خاصٍ , قلت : ولماذا ؟ قال : كلما تسامت منزلة المؤمن ازداد مستقره روعة وبذلك يزداد نهر الكوثر جمالاً . ثم حلَّق ببصره إلى آخر النهر فقال : عندما يمر النهر من وادي الشهداء فإنه يصبح جميلاً لطيفاً بحيث تقصر الأبصار عن النظر إليه , سألته متعجبا ً : إذا كان الأمر كذلك فكيف يكون عبوره عند الأئمة -عليهم السلام-؟ أدار ((حسن)) ببصره نحوي وقال : ماذا تقول؟ إنهم في غنىً عن هذا النهر , فكل ما في هذا النهر من لذةٍ وحلاوة ورقّةٍ إنما هو ببركة الأئمة والأنبياء -عليهم السلام- . سكت هنيئة ثم واصل كلامه : هناك تقع منابع النهر ونحن الآن نقف على بقعة صغيرة منه . وبعد قليل قال ((حسن)) : أتريد أن تشرب منه ؟ وحيث أن ذلك لم يخطر ببالي بسبب انشغالي بجمال المنظر . قلت بكل سرور : بالطبع بالطبع , ولم أكن بالمرة منتبهاً إلى إمكانية الشراب من هذا النهر , فابتسم ((حسن)) وقال : إذن هيا بنا إلى مستقرك فهناك الكوثر أكثر عذوبة .
أخذنا نسير على ضفة النهر بحيوية ونشاط بالغين , وقد شدّني جمال الكوثر عن المناظر المحيطة به , وكلما تقدمنا أكثر ازداد جمالاً وروعة . وفي كل آنٍ تزداد عندي اللهفة لارتشاف جرعة من النهر حتى بلغنا منطقة توقفتُ عن الحركة فجأة وتوجهت نحو ((حسن)) وقلت له : لن أتقدم خطوة واحدة إن لم أشرب من هذا النهر ! فردَّ عليَّ قائلاً : إنك الآن في دار السلام الخاص بك و بإمكانك الارتشاف ما شئت هنيئا ً مريئاً , فأخذت أفكر في كيفية تناولي منه فأشار ((حسن)) إلى أعلى شجرةٍ وقال : اطلب من تلك الحورية التي تجلس على الغصن لترويك , نظرت إلى الأعلى فشاهدت حورية غاية في الجمال وقد أمسكت بكأسٍ رائعٍ في يدها , ولما أجَلْتُ بنظري إلى الأشجار وجدتُ فوق كل شجرةٍ حوريةً تحاول خطف فؤادي بدلالها وغزلها , وبإشارة خاطفة ملأت إحداهنّ ذلك الكأس الظريف بماء الكوثر وقدَّمته لي وهي تبدي دلالاً واحتراما ًوأدباً , وما أن ارتشفتُ جرعة منه حتى أصابني السُكر فلم أعد أشعر بوجود أدنى ألمٍ ووجعٍ في بدني من رحلتي تلك .



زيارة للعائلة

هنا تذكرتُ أسرتي فقلت لـ((حسن)) : أريد بأي نحو كان المرور على الدنيا لأوقظ أهلها من غفلتهم ليعلموا أن الموت يعني الخلاص , خلاص من الآلام والعذاب التي يعج به ذلك العالم , فإذا عرفوا بالصفاء الذي يسود هذا العالم لم يعد الموت مُرّاً بالنسبة لهم .
ردَّ ((حسن)) عليّ قائلاً : لا إذن لك في إخبارهم عمّا يدور هنا , لكنك تستطيع زيارتهم . فقلت مسروراً : وكيف؟
قال : لكل واحدٍ من أهل البرزخ الإذن في زيارة أهله على هيئة طائرٍ جميلٍ , ومدة هذه الزيارة تتناسب مع استحقاقهم , فبعضهم يزورون أهلهم كل يوم جمعة , وآخرون كل شهر , وطائفة يحصلون على إذن الزيارة كل عامٍ مرة واحدة . ربتَ ((حسن)) على كتفي وقال : تأهب , لأنك تستطيع الآن زيارة أهلك . كان ظلام الليل قد ألقى بأجنحته على الدنيا , جلستُ على جدارٍ وأخذت أراقب حركاتهم عبر زجاجة النافذة , فكانت زوجتي منهمكة بالأعمال المنزلية . أ/ا أولادي فكان كلٌّ منهم منهمك بشأنه , ثم مررتُ على دار ولدي الكبير وابنتي الكبيرة ومن هناك توجهت إلى بيوت إخوتي وأخواتي , وقد سررتُ كثيراً لعدم ارتكابهم الذنوب . ولنفاذ صبري على المكوث في الدنيا أكثر من ذلك فقد عاودت الرجوع إلى مستقري في وادي السلام .

هدايا الأحياء
مضت مدة طويلة وأنا أداوم على حياتي الزاخرة بالسعادة وال صفاء في وادي السلام , وكنت بين الحين والآخر أتنعم بهدايا أهلي والمؤمنين من أصدقائي , تلك الهدايا – وهي دعاؤهم واستغفارهم لي – التي كانت تسعدني وأشعر كأنني غريقاً استطاع النجاة . فيما كانت الخيرات المتأتية عن الباقيات الصالحات التي قمت بها تصلني تباعاً فتدْخل السرور إلى نفسي , كما كنت أستأنس بمن يزور قبري وأسعد لحضوره . بل إن قراءة سورة الفاتحة كانت أهم عندي من الدنيا وما فيها من حيث الراحة , لكنني كنت أعلم أن الأحياء لا يدركون هذه الحقيقة .


الظهور


مازالت الحياة المادية قائمة , ومازلنا نحن نعيش في بحبوحة الرحمة الإلهية , وفيما عدا باب الأئمة والأنبياء فإن سائر أبواب دار السلام كانت تستقبل قوافل السعداء في عالمك البرزخ , لكن الأخبار الواردة عبر الطرق والسبل في برهوت تحكي عن تورط مجاميع كبيرة من الناس , ومن ناحية أخرى كانت أعداد أهل وادي العذاب في تزايد مستمر في كل آنٍ , وكل ذلك يحمل دلالة على امتلاء الدنيا بالظلم والجور , وبحيث أضفت على باب الشهادة من ناحية و على وادي العذاب من ناحية أخرى طابعا ً جديداً , فيا جعلت الكثيرين يعيشون العذاب في وادي برهوت.
ولكن لم يطل الانتظار
ولم يستمر الحال حتى سادت وادي السلام حالة مدهشة بسبب حركة الملائكة الدؤوبة , ولما استفسرت من ((حسن)) عن السبب أجابني : كل ذلك يرتبط بالدنيا ويبدو أن حدثاُ عظيما ً سيقع .
كنت جالسا ً في محفل شيَّق بين مجموعة من الأصدقاء فاطلعت على خبر هذا الحدث العظيم , ففي تلك الأثناء جاء ملكٌ وسلَّم على الحاضرين ثم خاطب أحد المؤمنين : لقد ظهر إمامك فإن شئت العودة إلى الدنيا كي تكون إلى جانبه , و إلا فبإمكانك البقاء متنعماً في بحبوحة الرحمة الإلهية ففضل ذلك المؤمن الرجعة فغادرنا .
الآن اتضح للجميع أن قائم آل محمد – صلى الله عليه وآله - قد ظهر ليسوق الدنيا التي تعج بالظلم والجور نحو الحق والعدالة .
ومضت مدة – رغم قصرها في نظرنا-لكنها تمثل سنوات متمادية من عمر العالم المادي , وكنا نسأل الواردين علينا حديثا ُ عن أخبار الظهور وقيام الإمام المهدي – عليه السلام -.
فكان أحدهم يقول لنا : إن الدنيا تشتعل بنيران الظالمين , فكل فئة تشعر بوجود القوة لديها تشهر راية الحرب , فيما لا يسمع أحدٌ صوت المظلومين , والقلاقل والبلايا والزلازل المستمرة التي ضربت الأرض قد ضيقت الدنيا على سعتها في أعين أهلها , فالجميع مرهقون وقانطون , لكنهم كانوا معلقين الأمل بمجيء منقذٍ عادلٍ حريص عليهم .
والإسلام الذي جاء غريباً قد عاد تلفه الغربة من جديد , وهكذا كان حال الدنيا وأهلها إلى فترة سبقت ظهور الإمام المهدي – عليه السلام - , وفي شهر رجب ارتفعت السماء ثلاث نداءات أذهلت الجميع , أوّلها قضّت مضاجع الظالمين لأنه أوعدهم باللعن الإلهي ( ألا لعنة الله على الظالمين ) ولعل منذ تلك اللحظة تأزمت الأوضاع في الشام , وفي النتيجة انتصر جيش السفياني على الفئتين المناهضتين له , وفي ذلك الوقت وقفت تحركات وثورات قد تكون صغيرة أو كبيرة هنا أو هناك في العالم , ووصلت أخبار عن قدوم جيش من خراسان إلى العراق , وقدوم شخص من اليمن يقود جيشا ً لنصرة الحق .
ثمَّ حدَّثنا أحد الواردين الجدد : قبل ظهور الإمام – عليه السلام – ترددت أخبار عن ظهور شخصٍ أعور يدعى الدجال حاول خداع الناس ويزعم أنه الله وعلى الناس إتباعه وقد أوقع الكثيرين في أحابيله عن طريق دعاياته الواسعة الذكية , بحيث أن مجاميع كبيرة كانت تنضم إليه يوميا ً , كما تتردد الأخبار من مكة عن اجتماع 313 من المؤمنين الصالحين وخيرة البشر على الأرض في المسجد الحرام استعداداً لأمرٍ هام , تبين فيما بعد أنهم جاؤوا لإعلان البيعة لواحدٍ من أبناء رسول الله – صلى الله عليه وآله -.
في تلك الأثناء حيث كان اليوم جمعة وصادف يوم عاشوراء , وإذا بصوت مؤثر صرّاخ ينطلق من داخل المسجد الحرام يتلو قوله تعالى:
{ بقية الله خيرٌ لكم ان كنتم مؤمنين }.
ثم يواصل ندائه فيصيح : أنا بقية الله في أرضه , وتلا ذلك نداء انطلق في السماء يؤكد : الحق في إتباع قائم آل محمد – صلى الله عليه وآله - .
غطَّ الجميع في دهشتهم , الظالم والمظلوم رجالاً ونساءً صغاراً وكباراً . هنا ارتفع صوت آخر يتسم بالشيطنة من زاوية أخرى من العالم يدعو إلى إتباع السفياني , فوقع حشد كبير ضحية الوسوسة والشك في تشخيص الحق بعد سماعهم لهذا الصوت .
وبعد ظهوره – عليه السلام – توجه مع أنصاره القلائل إلى المدينة , وحيث أن الناس كانوا قد سمعوا بأنه منقذ البشرية فقد تعجبوا لقلة ناصريه ولم يصدقوا بقدرة مثل هذا الشخص على إنقاذ البشرية , ولما وصل – عليه السلام – إلى المدينة وصله خبر مسير السفياني بجيش مجهَّز نحو المدينة يطلب قتله – عليه السلام – فيغادر – عليه السلام - المدينة إلى مكة , غير أن جيش السفياني الذي كان يلاحق الإمام – عليه السلام – يذهله نداء سماوي فيتعرض للخسف في منطقة البيداء على مقربة من مكة .
واصل أحد شهود العيان سرد القصة فقال :
بعد معرفة أهل العالم بظهور الإمام – عليه السلام – جاء الشيعة أفواجاً أفواجاً إلى مكة لإعلان البيعة , حتى أن أهل خراسان جاؤوا لبيعة الإمام – عليه السلام – تلبية لطلبه , حتى انطلق – عليه السلام – بنهضته فتوجه نحو المدينة ومنها إلى الكوفة وبعد مدة قضاها في الكوفة غادر إلى العذراء وفيها التحق بالإمام حشدٌ كبير ليتشكل منهم جيش جرار , وهناك التقوا السفياني وما تبقى من فلول جيشه فتقابلت من كل جيش فرقة تقصد القضاء على غريمتها , وكان في جيش الإمام أشخاص من قبيلة مالك الأشتر , المقداد , سلمان , عبد الله بن شريك العامري , داود الرقي , وطائفة أخرى من العظماء رجعوا من عالم البرزخ إلى الدنيا لينالوا وسام الجهاد بين يدي الإمام – عليه السلام – .
بعد فترة وجيزة , انطلقت معركة ضارية كانت نتيجتها النصر لجيش الإمام – عليه السلام – حيث تعرض جيش السفياني خلال تلك المعركة التاريخية إلى انتقام إلهي قاسِ لأنهم كانوا قد سقوا الأرض من دماء شيعة أهل البيت – عليهم السلام – ومحبيهم .
ثم توجه – عليه السلام – إلى تل أفيق (لعلها تل أبيب ) لحرب الدجال , وبعد صراعٍ مرير وقع يوم جمعة قضى الإمام – عليه السلام – على الدجال ومن معه .
أخذ أحد أنصار الإمام المهدي – عليه السلام – ممن أمضى مدة في ظل حكومته العادلة , يحدثنا عن خطط الإمام – عليه السلام – فقال :
من أعماله – عليه السلام – الانتقام من الظالمين الذين كانوا قد رحلوا عن الدنيا , فقد عادوا إلى الدنيا ونالوا جزاءهم الدنيوي , مثلما رجع بعض الصالحين إلى الدنيا ليتمتعوا بنصرة قائم آل محمد – صلى الله عليه وآله - .
وأنا شخصيا ً شاهدت اثنين من أهل البرزخ كانا قد عُـلِّـقا بمشنقة ثم جرى إحياؤهما لتوضّح لهما جرائمهما , وأخيراً اعترفا بخطاياهما فنالا جزاء أعمالهما .
بعد القضاء على أعداء الدين والقسط أصدر – عليه السلام – أوامره بالإعمار الشامل للعالم فأخرجت الأرض والسماء بركتها وذخائرها وأخذت تهب نسائم العدل على شرق الأرض وغربها .
وأخيرا ً تمتع البشر بالمدينة الفاضلة والعالم المزدهر وانتهى زمن القنوط من بلوغ ذلك , وأعظم ما أفتخر به هو أنني عشت أياما ً في ظل راية باسط العدل في العالم ومن ثم أغمضت عينيَّ عن الدنيا متنعما ً باسمه وذكره , ولقد كان وادي السلام رغم سعته يعيش قبل ظهوره – عليه السلام – الغربة لكنه وبعد ظهوره – عليه السلام – وإقامة حكومة العدل فتح أبوابه ليستقبل على الدوام قوافل السعداء الذين كانوا يقطعون صراط البرزخ – أي برهوت – في أقصر مدة .
لقد حكى لنا الذين عاشوا تحت لواء حكومة العدل الإلهي عن عالمٍ مزدهرٍ عامرٍ وحكومةٍ مقتدرة , الحكومة التي ظل نور هدايتها يزهر حتى آخر يوم من عمر البشرية حيث شاء الله أن يرفع بساط الحياة عن الأرض...
نفخة الصور

وحلّ ذلك اليوم الذي استقبل فيه عالم البرزخ الآلاف من بني آدم ودّعوا عالم المادة بأجمعهم وعلى عجلٍ.
حضرت مجموعة منهم عندنا وأخذوا يحدثوننا عن اللحظات الأخيرة فقال أحدهم : كنت في السوق منهمكا ً بالبيع والشراء ولما أردت دفع ثمن السلعة التي اشتريتها سمعتُ صوتا ً رهيباً عالياً سلب مني قدرتي فأسلمتُ روحي.
وحدّثنا آخر : كنتُ أتحدث إلى صديقي وإذا بذلك الصوت قد فصل روحي عن جسدي .
ثم التفت إليَّ ((حسن)) ليحدثني عن تلك الصيحة فقال : إن الصوت الذي سمعه أهل آخر الزمان فأرعبهم ثم ماتوا هو صوت اسرافيل الذي جاء بأمر من الله سبحانه , وبه هلك جميع أهل السماوات والأرض وها هي الدنيا تخلو من كل كائن حي فلا وجود إلا لله .
ذهلت لتصور ذلك المشهد , ولكن ازداد ذهولي عندما تحدث ((حسن)) عن نفحةً أخرى فقال : عندما تقوم القيامة الكبرى ينفخ اسرافيل نفخة الحياة فيحيى الجميع .
هاهو مستقري يتغير نحو درجة أعلى بعد حصولي على شفاعة أخخرى من المعصومين الأربعة عشر – عليهم السلام – وبعض الشهداء .
وكان مستقر الشهداء يعلو مستقري بكثير وكانت أصواتهم تبعث السرور عند مجاوريهم , وكثيراً ما كنت أغبط الذين حشروا مع الشهداء ويجالسونهم لكن الاطمئنان كان يدخل قلبي لما أعيشه من رحمة إلهية , والأهم من ذلك أن زمرة من خلّص الشيعة كانوا يرتفعون إلى أعلى درجات وادي السلام ليلتقوا بآل الرسول – صلى الله عليه وآله -.

في انتظار القيامة

ها نحن أهل البرزخ نواصل حياتنا في وادي السلام بعيدا ً عن المنغصات والحسد والتخاصم والضغينة والحرص و الرعب والرهبة ومراقبة الآخرين , بل حياة ملؤها السعادة والنشاط وننتظر القيامة الكبرى , كي نرد ما وعدنا ربّنا من الجنان بعد أن نجتاز صراط القيامة .
ولكن لا مناص من أن تمضي سنوات وسنوات من حياة العالم المادي ليتغير وضع السماوات والأرض وما فيها لتتهيأ مقدمات القيامة الكبرى وينفخ في الصور وتعود الأرواح إلى أبدانها .
الحشر في يوم القيامة

بعد آلاف السنين ينفخ اسرافيل مرة أخرى صورة لكنه هذه المرة لأحياء الموتى :
﴿ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيامٌ ينظرون﴾
﴿مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء﴾
وفي ذلك الموقف ترى العيون كلها باكية إلا ثلاث :
عينٌ غظت عما حرم الله ، وعينٌ سهرت في طاعة الله ، عينٌ بكت من مخافة الله .
﴿يا عبادي لا خوفٌ عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون﴾ .
وعندما سمع المؤمنون هذا النداء يبعدون عن أنفسهم كل فزع أو جزع فتتعلق قلوبهم برحمة الله :
﴿وهم من فزع يومئذٍ آمنون﴾ .
ثم يأتي النداء :
﴿لمن الملك اليوم﴾ .
فيأتي الجواب :
﴿لله الواحد القهار﴾ .
ولا أدري ما الذي يدفع أهل المحشر فيهرعون جميعاً نحو أتجاه واحد وكأنهم قد اتخذوا نقطة معينه ويحاولون الوصول إليها سريعاً .
لعلهم يسرعون نحو محكمة العدل الإلهي كي يتضح مصيرهم بسرعة لأن فيهم من أخاه وأمه وأباه قد أضل الطريق فيفضل الهروب من البقاء .
في ذلك اليوم لا حكم إلا حكم الله ولا يمكن الفرار من حكومته .
﴿يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار﴾
﴿وأنذرهم يوم الحسرة إذ قُضى الأمر وهم في غفلةٍ وهم لا يؤمنون﴾ .
وفي ذلك اليوم يتمنى الرين عملوا الصالحات لو أنهم عملوا المزيد فيما يتمنى الخاطئون أن لو عملوا صالحاً .
هؤلاء هم الذين كانوا في الدنيا ينكرون المعاد ، وها هم اليوم يواجهون الحقيقة مطعين برؤوسهم من الخجل ويقولون :
﴿ربنا أبصرنا وسمعنا فأرجعنا نعمل صالحاً إنا موقنون﴾ .
ومهما توسلوا لن يحصلوا على نتيجة ، بـل أن الله لا يكلمهم أبداً :
﴿ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم﴾
وهذا بحد ذاته عذاب لا يدركه الإنسان في هذه الدنيا .
وأخيراً يرد عليهم ربهم :
﴿...ولكن حق القول مني لا ملأن جهنم من الجنةِ والناس أجمعين﴾ .
ويجري التحقيق في المحكمة ألإلهية حول خمسين مورداً دون أن تلحق ظلماً بأحد ، وهي تُنهي أعمالها بعد أن يكون الشكاة والشهود قد أدلوا بأقوالهم ، وهنالك من يحصلون على الراحة منذ اللحظات الأولى ، وقد تتأخر جماعة في كل مورد فترة 1000 سنة وهذا عذاب آخر يتجرعونه .
وفي ختام عملية التحقيق حول أعمال البشر يستلم البعض كتبهم بأيمانهم فيظفرون بالسعادة ثم يسعون بين أهل المحشر ينادون:
﴿هاؤم أقرؤوا كتابية أني ظننتُ أني ملاقٍ حسابية﴾ .
وفي المقابل فقد تتصاعد صرخات أحدهم فهو ممن قال عنهم القرآن :
﴿فأما من أوتي كتابه بشماله فيقول ياليتني لم أوت كتابيه * ولم أدرِ ما حسابية * ياليتها كانت القاضية * ما أغنى عني ماليه * هلك عني سلطانية﴾
فترتفع صرخات هؤلاء وتبلغ وحشتها درجة بحيث تثير الرعب في عرصات المحشر .
والأسوأ منهم تلك الفئة التي يأخذون كتبهم وراء ظهورهم :
﴿وأما من أوتي كتابه وراء ظهره * فسوف يدعو ثبوراً﴾
فينسون أنفسهم بحيث يعضون على أيديهم دون وعي منهم :
﴿يوم يعض الظالم على يديه﴾
ومنهم من يؤتون كتبهم بأيمانهم فيقدمون مكللين بشفاعة الشفعاء لاسيما المعصومين الأربعة عشر ، وجوهم مبيضة زاهية ضاحكة ناضرة فيتوجهون لعبور الصراط ليدخلوا الجنة فيجدون أبواب الجنان مفتحة أمامهم .
وعلى العكس منهم المجرمون الذين يصفدون بالأغلال يتبعون أمامهم في الدنيا .
وتبدأ حركة الجميع سواء المؤمنين أو المجرمين نحو الصراط فينادى من بعيد بأهل جهنم فيدخلونها مرعوبين فترتفع صرخاتهم : يا ويلنا لم تنفعنا كل تلك الأموال التي جمعناها ، فيما يضج آخرون : لم يهلكنا إلا طلب الرئاسة وحب السلطة.
والمؤمنون يعبرون الصراط بسرعاتٍ مختلفة والنار تحيط بهم من الأسفل ومن الأعلى وعلى جوانبهم غير أن النار أصبحت عليم برداً وسلاماً كإبراهيم .
أما المجرمون فأن النيران تلسعهم عند عبورهم من الصراط وتتلقفهم جهنم زرافات زرافات حيث يتهاوون في أوديتها يتقدمهم أئمة الكفر .
﴿ونذر الظالمين فيها جثيا﴾ .
ولما يرى المؤمنون هذا السقوط والصرخات من الكافرين يضحكون منهم كما ضحك الكافرون منهم في الحياة الدنيا .
﴿فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون﴾
حتى أن الخطاب يتوجه إلى زوجتي نوحي ولوط لقربهما من أنبياء الله بأن يدخلا النار وذلك لخيانتهما ، فيدخلا النار مع المجرمين.
﴿وقيل أدخلا النار مع المجرمين﴾
وكل من يشهد انحدار المجرمين في النار يوم القيامة يتصور أنها ستمتلئ لكن سرعان ما ينتفي عنهم هذا التفكير ، إذ يأتي الخطاب إلى جهنم :
﴿هل امتلأت فتقول هل من مزيد﴾

جهنم



وتسود وجوه أهل النار فيتهاوون في طبقات جهنم السبع فيملئونها ، وكل آنٍ تدخل أمةٌ فتلعن أختها .
ونيران جهنم تستعر ويتصاعد زفيرها وتزداد لهيباً لأن وقودها الناس والحجارة ، وقد أخطأ من يتصور أنها ستخمد أو تخفت نيرانها بمرور الزمن لأنها كلما أرادت الانطفاء سعرها الله سبحانه :
﴿مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا﴾
وكلما نظر أهل النار إلى الأعلى شاهدوا طبقة من الدخان الأسود تعلوهم بالإضافة إلى النيران ، وف وسط جهنم تلفح وجوههم نيران اشتعلت ألسنتها فغدت كالسيوف فيتصارخون منها غير أن الملائكة الغلاظ في جهنم لا يعيرونهم أي اهتمام وإذا ما نظرت إلى ثيابهم تجد أنها من النيران : ﴿فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يُصب من فوق رؤوسهم الحميم﴾
تلك الثياب من مادة القطران القابلة للاشتعال .
والنار تضغط على أهلها بحيث يشعرون بشدة ضيق المكان ، فيتصورون أن فراشهم وغطائهم قد عُد من النار ، ومن شدة النار تيبس جلودهم وتكفهر وجوههم ، وكلما نضجت جلودهم أُبدلت بجلود أخرى ، و ﴿إذا ما دعوا بطعام ليس لهم طعام إلا من ضريع لا يُسمن ولا يُغني من جوع﴾
﴿وإذا ما طلبوا ماءً سُقوا ماءً حميماً فقطع أمعهم﴾
إنه ماء من صديد ......
﴿كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا﴾
ومع كل ما يتجرعونه من تعذيب فأن كتل النيران لم تزل تهوي على رؤوسهم : ﴿ويأتيهم الموت من كل مكان وما هم بميتين﴾
ولما يرى الكافرون المشاهد ينادي كلٌ منهم :
﴿ياليتني كنت تراباً﴾
كيلا يرى كل ذلك العذاب والألم .
وأن ذنوب أهل النار عبارة عن : الكفر بالله ، عدم أطعام المساكين ، الاستهزاء بآيات الله ، الاغترار بالدنيا ، وطلب الأعذار ، وأن لم تقبل أعذارهم يلجأون للكذب لاسيما المنافقين الذين قضوا أعمارهم بالكذب وهاهم اليوم يقبعون في الدرك السفل من النار .
﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيراً﴾



الجنة

يرد المؤمنون جنةً عرضها كعرض السموات والأرض فيها أشجارٌ قد تشابكت أغصانها ، وأنهار من لبنٍ سائغ طعمه وعسل مصفى وخمر لذةٍ للشاربين لا يُصدعون فيها ولا يُنزفون ، ولهم فيها فاكهة مما يشتهون لا مقطوعة ولا ممنوعة ، وأكلهم فيها دائم ، ولهم دار السلام قد فرشت بفراش الجنة ، ويحيون حياة طيبة ، لا فيها شمساً ولا زمهريراً ، ولباسهم فيها حرير ، تجاورهم الحور العين ن منعمون بضيافة الغلمان المخلدين الذين يطوفون عليهم بكؤوس من معين بيضاء لذةٍ للشاربين ويطعمونهم بطعام لا غول فيه ولا تأثيم .
وفي الجنة لا وجود للغل ، الكذب ، الفاحشة ،، لسعات اللسان ، الافتراء ، التهمة ، والفوضى ... وكل ما فيها سلام وأمان لاسيما سلام الملائكة على المؤمنين لما أبدوه من صبر :
﴿سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار﴾
وباختصار ، في الجنة تكمن السعادة ، بكافة أصنافها ، ففيها المتعة والرفاهة .
﴿فيها ما لا أذن سمعت ولا عين رأت ولا خطر ببال أحد﴾
وكل ما فيها من نعيم يسير ميسر ، فليس لله أن يترك عباده المؤمنين دون ثواب أبداً ، ولكي يسعد أهل الجنة يُلحق الله بهم ذريتهم :
﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمانٍ ألحقنا بهم ذريتهم﴾
أضف إلى ذلك من أراد المزيد من نعم الجنة فليطلب من الله الفردوس فهي أعلى درجات الجنة وأفضل مكانٍ فيها ومنها تصدر جميع الأنهار . "" رزقنا الله إياها إن شاء الله تعالى "" .




اعتذر على الاطاله ولكن قرات الموضوع واحببت ان نتشارك في قراته واتمنى ان يكون قد نال اعجابكم والاهم اثر على حياتكم كما اثر علي


بنـ الحسين ـت

الحوراء
02-12-2010, 02:35 PM
يالله يالله
يعطيك العافية اختي الفاضلة

مشكورة

الحوراء

ساقي العطاشا
02-13-2010, 04:45 PM
يعطيك العافية اختي الفاضلة

بنـ الحسين ـت
02-14-2010, 01:01 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد


الحواء و ساقي الطاشى اشكر مروركم على المرور واتمنى ان تكونوا استفدتوا من الموضوع


تحياتي
بنـ الحسين ـت

رياض العراقي
02-15-2010, 12:55 PM
بارك الله فيك بنت الحسين وجزاك الله خيرا

بنـ الحسين ـت
03-14-2010, 09:58 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد

اشكر مروركم على الموضوع اخوي رياض العراقي

زهرة البنفسج
03-21-2010, 08:41 AM
موضوع جميل ورائع يابنت الحسين

بارك الله فيج