المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تعريف الاخلاق . من كتاب جامع السعادات


kaream
03-28-2011, 11:35 AM
اللهم صل على محمد وال محمد وعجل فرجهم ياكريم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

في بيان اقسام الاخلاق و تفصيل القول فيها «و فيه فصول‏»

اجناس الفضائل الاربعة و الاقوال في حقيقة العدالة-
حقيقة العدالة انقياد العقل العملي للعقل النظرى و لوازم الاقوال في العدالة-العقل النظرى هو المدرك للفضائل و الرذائل-دفع اشكال في تقسيم الحكمة- تحقيق الوسط و الاطراف-اجناس الرذائل و انواعها-الفرق بين الفضيلة و الرذيلة-العدالة اشرف الفضائل-اصلاح النفس قبل اصلاح الغير و اشرف وجوه العدالة عدالة السلطان-لا حاجة الى العدالة مع رابطة المحبة- التكميل الصناعي لاكتساب الفضائل على طبق ترتيب الكمال الطبيعي.

فصل
(اجناس الفضائل الاربع و الاقوال في حقيقة العدالة)
قد تبين في العلم الطبيعي ان للنفس الناطقة قوتين: «اولاهما» : قوة الادراك و «ثانيتهما» : قوة التحريك، و لكل منهما شعبتان: (الشعبة الاولى)

للاولى العقل النظرى، و هو مبدا التاثر عن المبادى‏ء العالية بقبول الصور العلمية، و (الشعبة الثانية) لها العقل العملي، و هو مبدا تحريك البدن في الاعمال الجزئية و هذه الشعبة من حيث تعلقها بقوتي الشهوة و الغضب مبدا «لحدوث‏» (2) بعض الكيفيات الموجبة لفعل او انفعال، كالخجل و الضحك و البكاء و غير ذلك، و من حيث استعمالها الوهم و المتخيلة مبدا لاستنباط الآراء و الصنائع الجزئية. و من حيث نسبتها بالعقل و حصول الازدواج بينهما سبب لحصول الآراء الكلية المتعلقة بالاعمال كحسن الصدق و قبح الكذب، و نظائرهما. (الشعبة الاولى) للثانية قوة الغضب و هي مبدا دفع غير الملائم على وجه الغلبة، و (الشعبة الثانية) لها قوة الشهوة و هي مبدا جلب الملائم.

ثم اذا كانت القوة الاولى غالبة على سائر القوى و لم تنفعل عنها، بل كانت هي مقهورة عنها مطيعة لها فيما تامرها به و تنهاها عنه، كان تصرف كل منها على وجه الاعتدال، و انتظمت امور النشاة الانسانية، و حصل تسالم القوى الاربع و تمازجها، فتهذب كل واحد منها، و يحصل له ما يخصه من الفضيلة، فيحصل، من تهذيب العاقلة العلم و تتبعه الحكمة، و من تهذيب العاملة العدالة، و من تهذيب الغضبية الحلم و تتبعه الشجاعة، و من تهذيب الشهوية العفة و تتبعه السخاوة. و على هذا تكون العدالة كمالا للقوة العملية.

(بطريق آخر)
قيل: ان النفس لما كانت ذات قوى اربع العاقلة و العاملة و الشهوية و الغضبية، فان كانت‏حركاتها على وجه الاعتدال، و كانت الثلاث الاخيرة مطيعة للاولى، و اقتصرت من الافعال على ما تعين لها، حصلت اولا فضائل ثلاث هي الحكمة و العفة و الشجاعة، ثم يحصل من حصولها المترتب على تسالم القوى الاربع، و انقهار الثلاث تحت الاولى حالة متشابهة هي كمال القوى الاربع و تمامها، و هي العدالة. و على هذا لا تكون العدالة كمالا للقوة العملية فقط، بل تكون كمالا للقوى باسرها:

و على الطريقين تكون اجناس الفضائل اربعا: «الحكمة‏» و هي معرفة حقائق الموجودات على ما هي عليه، و الموجودات ان لم يكن وجودها بقدرتنا و اختيارنا فالعلم المتعلق بها هو الحكمة النظرية، و ان كان وجودها بقدرتنا و اختيارنا فالعلم المتعلق بها هو الحكمة العملية. «و العفة‏» هي انقياد القوة الشهوية للعاقلة فيما تامرها به و تنهاها عنه حتى تكتسب الحرية، و تتخلص عن اسر عبودية الهوى. «و الشجاعة‏» و هي اطاعة القوة الغضبية للعاقلة في الاقدام على الامور الهائلة، و عدم اضطرابها بالخوض فيما يقتضيه رايها حتى يكون فعلها ممدوحا، و صبرها محمودا. و تفسير هذه الفضائل الثلاث لا يتفاوت بالنظر الى الطريقين.

و اما «العدالة‏» فتفسيرها على الطريق الاول هو انقياد العقل العملي للقوة العاقلة و تبعيته لها في جميع تصرفاته، او ضبطه الغضب و الشهوة تحت اشارة العقل و الشرع الذي يحكم العقل ايضا بوجوب اطاعته، او سياسة قوتي الغضب و الشهوة، و حملها على مقتضى الحكمة، و ضبطهما في الاسترسال و الانقباض على حسب مقتضاه. و الى هذا يرجع تعريف الغزالي «انها حالة للنفس و قوة بها يسوس الغضب و الشهوة، و يحملهما على مقتضى الحكمة، و يضبطهما في الاسترسال و الانقباض على حسب مقتضاها» اذ المراد من الحالة و القوة هنا قوة الاستعلاء التي للعقل العملي لا نفس القوة العملية.

و تفسيرها على الطريق الثاني هو ائتلاف جميع القوى، و اتفاقها على امتثالها للعاقلة، بحيث‏يرتفع التخالف و التجاذب، و تحصل لكل منها فضيلته المختصة به. و لا ريب في ان اتفاق جميع القوى و ائتلافها هو كمال لجميعها لا للقوة العملية فقط.

اللهم الا ان يقال ان الائتلاف انما يتحقق باستعمال كل من القوى على الوجه اللائق، و استعمال كل قوة و لو كانت قوة نظرية انما يكون من القوة العملية، لان شانها تصريف القوى في المحال اللائقة على وجه الاعتدال، و بدونها لا يتحقق صدور فعل عن قوة.

ثم العدالة على الطريق الاول تكون امرا بسيطا مستلزمة للملكات الثلاث اعنى الحكمة و العفة و الشجاعة، و على الثاني تحتمل البساطة و التركيب على الظاهر، و ان كانت البساطة اقرب نظرا الى ان الاعتدال الخلقى بمنزلة الاعتدال المزاجى الحاصل من ازدواج العناصر المتخالفة، و قد برهن في اصول الحكمة ان المزاج كيفية بسيطة.

و تفصيل الكلام فى المقام انه اذا حصلت الملكات الثلاث حصل للعقل العملي قوة الاستعلاء و التدبير على جميع القوى، بحيث كانت الجميع منقادة له، و استعمل كلا منها على ما يقتضيه رايه، فان جعلت العدالة عبارة عن نفس هذه القوة، او نفس تدبير التصرف في البدن و امور المنزل و البلد، دون الملكات الثلاث كانت العدالة بسيطة و كانت كمالا للعقل العملي فقط، و ان جعلت نفس الملكات كانت مركبة، و حينئذ لا يناسب جعلها فضيلة على حدة معدودة في اعداد الفضائل، لان جميع الاقسام لا يكون قسما منها، و ليس الائتلاف و الامتزاج هيئة وحدانية عارضة للملكات الثلاث حتى تكون شيئا على حدة و نوعا مركبا.

ثم على الطريقين يتحقق التلازم بين العدالة و الملكات الثلاث الا انه على الطريق الاول تكون العدالة علة، و الملكات الثلاث معلولة، و على الطريق الثاني ينعكس ذلك لتوقف حصول العدالة على وجود تلك الملكات و امتزاجها فهي اجزاء للعدالة او بمنزلتها.

تكملة
(العدالة انقياد العقل العملى للعقل النظري)

الحق ان حقيقة العدالة هو التفسير الاول المذكور في الطريق الاول، اعني انقياد العقل العملى للقوة العاقلة، و سائر التفاسير المذكورة في الطريقين لازمة له، اذا الانقياد المذكور يلزمه اتفاق القوى و قوة الاستعلاء و السياسة للعقل العملى على قوتي الغضب و الشهوة، او نفس سياسته اياهما و ضبطهما تحت اشارة العقل النظري، و امثال ذلك، و على هذه التفاسير اللازمة للاول يلزم ان تكون العدالة جامعة لجميع الفضائل، و يتحقق معناها في كل فضيلة حتى تكون فردا لها.

و تحقيق المقام ان انقياد العقل العملي للعاقلة يستلزم ضبط قوتي الغضب و الشهوة تحت اشارة العقل، و سياسته اياهما، و استعلائه عليهما. و هذا يستلزم اتفاق جميع القوى و امتزاجها. فجميع الفضائل الصادرة عن قوتي الغضب و الشهوة، بل عن العاقلة ايضا انما تكون بتوسط العقل العملى و ضبطه اياها، الا ان ذلك لا يوجب كونها كمالا له حتى يعد من فضائله، و وجهه ظاهر، و لا كون الضبط المذكور عدالة.

فالحق ان حقيقة العدالة هو مجرد انقياد العاملة للعاقلة، و مثل الضبط و الاستعلاء و السياسة من لوازمه، و الفضائل الصادرة عن القوى الاخرى بتوسط العقل العملي انما تندرج تحت لازم العدالة، لا عينها، فمن ادرج جميع الفضائل تحت العدالة نظره الى اعتبار ما يلزمها، و من لم يدرجه تحتها نظره الى عدم اعتباره. و على هذا لا باس بان يقال ان للعدالة اطلاقين (احدهما) العدالة بالمعنى الاخص (و ثانيهما) العدالة بالمعنى الاعم.

ثم ان القوم ذكروا لكل واحد من الفضائل الاربع انواعا، فكما ادرجوا تحت كل من الحكمة و العفة و الشجاعة انواعا، فكذا ادرجوا تحت العدالة ايضا انواعا كالوفاء و الصداقة و العبادة و غيرها.

و انت-بعد ما علمت ان العدالة بالتفسير الاول هو انقياد العاملة للعاقلة في استعمال نفس العاقلة و قوتي الغضب و الشهوة-تعلم ان الفضائل باسرها انما تحصل باستعمال العاملة القوى الثلاث، فكل فضيلة انما تتعلق حقيقتها باحدى الثلاث، و ان كان حصولها بتوسط العاملة و ضبطها الثلاث، اذ كون الاستعمال و الضبط منها لا يقتضى استناد ما يحصل من الفضائل باستعمالها اليها مع صدورها حقيقة عن سائر القوى. و كذا لا يقتضي استناد ما يحصل من الرذائل لعدم انقيادها للعاقلة اليها. و معلوم انه لا يترتب على مجرد انقيادها او عدمه لها فضائل و رذائل لم يكن لها تعلق بالثلاث اصلا، اذ كل فضيلة و رذيلة اما متعلق بالقوة العقلية، او بقوتي الغضب و الشهوة بتوسط العاملة، و ليس لها في نفسها فضيلة و رذيلة على حدة كما لا يخفى. مع انه لو كان الاستعمال و الضبط منشا لاستناد ما يحصل من الفضائل اليها لزم ان تستند اليها جميع الفضائل، فكان اللازم ادخال جميع الفضائل تحت العدالة. و كذا الحال على تفسير العدالة بالطريق الثاني كما ظهر.

و على هذا فيلزم من عدهم بعض الفضائل من انواع العدالة دون بعض آخر تخصيص بلا مخصص، فالفضائل التي جعلوها انواعا مندرجة تحت العدالة بعضها من انواع الشجاعة او لوازمها، و بعضها من انواع العفة او آثارها، و ان كان للعاملة من حيث التوسط مدخلية في حصول الجميع.

فنحن لا نتابع القوم، و نجرى على مقتضى النظر من جعل انواع الفضائل و الرذائل و اصنافها و نتائجها متعلقة بالقوى الثلاث دون العقل العملى، و ادخال جميعها تحت اجناسها على ما ينبغي من دون ادخال شي‏ء منها تحت العدالة و ضدها.

ثم ان الرذائل و الفضائل مع مدخلية القوة العملية فيها بالاستعمال، اما متعلقة بمجرد احدى القوى الثلاث، او باثنتين منها، او بالثلاث.

و مثال المتعلق باحداها ظاهر كالجهل و العلم المتعلقين بالعاقلة، و الغضب و الحلم المتعلقين بالقوة الغضبية، و الحرص و القناعة المتعلقين بالقوة الشهوية و اما ما يتعلق باثنتين منها او الثلاث فاما ان يكون له اصناف يتعلق بعضها ببعض و بعضها ببعض آخر، كحب الجاه اعني طلب المنزلة في القلوب: فانه ان كان المقصود منه الاستيلاء على الخلق و التفوق عليهم، كان من رذائل قوة الغضب. و ان كان المقصود منه طلب المال ليتوسل به الى شهوة البطن و الفرج، كان من رذائل قوة الشهوة، و كذا الحسد اعني تمنى زوال النعمة عن الغير: ان كان باعثه العداوة كان من رذائل القوة الغضبية. و ان كان باعثه مجرد وصول النعمة اليه كان من رذائل القوة الشهوية. او يكون للثلاث او الاثنتين مدخلية بالاشتراك في نوع الفضيلة و الرذيلة او بعض اصنافه، كالحسد الذي باعثه العداوة و توقع وصول النعمة اليه معا، و كالغرور و هو سكون النفس الى ما يوافق الهوى، و تمييل النفس اليه بخدعة من الشيطان، فان النفس ان كانت مائلة بالطبع الى شي‏ء من مقتضيات الشهوة، و اعتقدت جهلا كونه خيرا لها كان ذلك من رذائل قوتي العاقلة و الشهوة، و كان كانت مائلة الى شي‏ء من مقتضيات قوة الغضب. و اعتقدت جهلا كونه خيرا لها كان ذلك من رذائل قوتي العاقلة و الغضب، و ان كانت مائلة الى شي‏ء من مقتضياتهما معا مع اعتقادها كونه خيرا لها كان من رذائل الثلاث معا.

ثم مرادنا من تعلق صفة بالقوى المتعددة و كونها معدودة من رذائلها او فضائلها ان يكون لكل منها تاثير في حدوثها و ايجادها، اى يكون من جملة عللها الفاعلة الموجدة، بحيث لو قطع النظر عن فعل واحدة منها لم تتحقق هذه الصفة، فان الغرور يتحقق بالميل و الاعتقاد، بمعنى ان كلا منهما مؤثر في ايجاده و احداثه، و لو لم يكن الاعتقاد المتعلق بالعاقلة و الميل المتعلق بالشهوة و الغضب لم يوجد غرور. فلو كانت مدخلية قوة في صفة بمجرد الباعثية، اى كانت‏باعثة لقوة اخرى على ايجاد هذه الصفة و احداثها، بحيث امكن تحقق هذه الصفة مع قطع النظر عن هذه القوة بباعث آخر لم يكن متعلقة بها، و لم نعدها من رذائلها او فضائلها، بل كانت متعلقة بالقوة الاخرى التي هي مباشرة لاحداثها و ايجادها، مثل الغضب الحاصل من فقد شى‏ء من مقتضيات شهوة البطن و الفرج، و ان كان باعثه قوة الشهوة الا انه ليس لقوة الشهوة و فعلها شركة في احداثه و ايجاده، بل الاحداث انما هو من القوة الغضبية، و مدخلية الشهوية انما هو بتحريكها و تهييجها الغضبية للاحداث و الايجاد، و لا ريب في ان للعاقلة هذه الباعثية في صدور اكثر الصفات مع عدم عدها من رذائلها «او فضائلها» (3)


*جامع السعادات؛الجزء الاول

زهرةالليالي
04-03-2011, 03:09 AM
الله يعطيك الف عافية
طرح جدا قيم
في ميزان اعمالك

kaream
04-08-2011, 12:56 PM
الله يعطيك الف عافية
طرح جدا قيم
في ميزان اعمالك
اللهم صل على محمد وال محمد
اختي الفاضلة , شكرا لمداخلتكم ودعائكم المبارك .