المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عن السيرة والتاريخ


حيدري الخط
05-28-2005, 02:51 PM
عن السيرة والتاريخ


أهل البيت عليهم السّلام وزوجات النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم
سؤال: هل زوجات النبيّ صلّى الله عليه وآله من أهل البيت الذين نزلت في حقّهم آية التطهير ؟ أرجو ذكر الجواب مع الدليل.
جواب: نزلت آية التطهير في حقّ أهل البيت عليهم السّلام، وهم: عليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السّلام، ولا يدخل فيهم أحد من نساء النبيّ صلّى الله عليه وآله.
والأدلّة على ذلك كثيرة، منها ما جاء في القرآن الكريم، ومنها ما ورد في السنّة الشريفة.
فمن الأدلّة القرآنيّة:
• أنّ آية التطهير ( وهي الآية 33 من سورة الأحزاب ) لا تتفّق في الضمائر الواردة فيها مع الآيات التي سبقتها، والتي كانت تتحدّث عن نساء النبيّ صلّى الله عليه وآله، فقد جاءت الضمائر في آية التطهير مذكّرة ( عنكم، يطهّركم )، بينما جاءت الضمائر في الآيات السابقة ( التي خاطبت نساء النبيّ صلّى الله عليه وآله ) مؤنّثة ( كنتنّ، تُرِدْنَ، فتعالَيْن، أُمتّعكنّ، أُسرّحكنّ، للمحسناتِ، منكنّ، لها، تعمل صالحاً، نؤتها، أجرها، أعتدنا لها، لستنّ، اتّقيتنّ، فلا تخضعْنَ، قُلْن، قَرْنَ، لا تبرّجْنَ، أقِمْنَ، آتِينَ، أطِعْنَ ).
• ومنها أنّ الكلام كان في الآيات التي تخاطب نساء النبيّ صلّى الله عليه وآله تحذيراً وتخويفاً؛ فتارةً يحذّرهن الله تعالى بالعذاب المضاعف إنْ هنّ أتَين بفاحشة مُبيِّنة، وتارة ينهاهنّ عن الخضوع بالقول والتبرّج، وتارة ثالثة يهدّدهنّ بتسريحهنّ سراحاً جميلاً إن هُنّ أردن الحياة الدنيا وزينتها وأعرضن عن الله ورسوله صلّى الله عليه وآله، بل يهددهنّ بتطليقهنّ إن هنّ تظاهرن على رسول الله صلّى الله عليه وآله، ويُخبرهنّ بأنّ الله تعالى هو مولى رسوله ونصيره، وأن جبرئيل وصالح المؤمنين ( جاء في التفسير أنّ المراد به أمير المؤمنين عليه السّلام ) بعد ذلك ظهير، ويقول بأنّ الله عزّوجلّ سيُبدله خيراً منهنّ إن هو طلّقهنّ؛ بينما تتحدث آية التطهير عن قومٍ أذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً بمشيئته وإرادته الجازمة، ومن الجليّ أنّ مَن أذهب اللهُ عنهم الرجس لا حاجة لتخويفهم بالعذاب ليتركوا الفواحش، ولا داعي لنهيهم عن التبرّج وحبّ الدنيا واختيارها على الله ورسوله.
وقد نزلت آية المباهلة، فطلب الله تبارك وتعالى من النبيّ صلّى الله عليه وآله أن يدعو نفسه وبنيه ونساءه، فدعا عليّاً والحسنَينْ وفاطمة عليهم السّلام، وفي هذا تصريح لا أبلغ منه بأنّ أهل النبيّ صلّى الله عليه وآله هم هؤلاء دون غيرهم، بل فيها تصريح بأن نساء النبيّ صلّى الله عليه وآله هم فاطمة عليها السّلام لا غير؛ ولو كان غير فاطمة عليها السّلام من مصاديق نساء النبيّ صلّى الله عليه وآله لدعاها النبيّ صلّى الله عليه وآله معه إلى المباهلة.
انظر تفسير آية المباهلة في جميع تفاسير علماء المسلمين، هل تجد أحداً منهم يقول إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله دعا للمباهلة إحدى زوجاته ؟!
• ولمّا نزلت آية المودّة، وهي قوله تعالى قُل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّةَ في القُربى ، قيل: يا رسول الله، مَن قرابتك الذين وجبت علينا مودّتهم ؟ قال: عليّ وفاطمة وابناهما. (تفسير الكشّاف للزمخشري 219:4؛ تفسير الدرّ المنثور للسيوطي 7:6؛ شواهد التنزيل للحسكاني 189:2 ح 822 ـ 828 ).
وفيه دلالة على أنّ قرابة النبيّ صلّى الله عليه وآله الذين أوجب الله تعالى مودّتهم في كتابه ليسوا غير عليّ وفاطمة والحسنين عليهم السّلام.
أمّا ما جاء في السنّة الشريفة في تحديد المصداق الحقيقي لأهل البيت عليهم السّلام فكثير ومتواتر؛ منه ما جاء في حديث الكساء المشهور، فقد ألقى رسول الله صلّى الله عليه وآله كساءه على عليّ وفاطمة والحسنين عليهم السّلام لمّا نزلت آية التطهير وقال: اللهمّ هؤلاء أهلي، فأذهِب عنهم الرجس وطهِّرهم تطهيراً. ونصّت الرواية على أنّ أم سَلَمة ( زوجة النبيّ ) أرادت الدخول معهم تحت الكساء، فجذب رسول الله صلّى الله عليه وآله الكساء ولم يأذن لها بالدخول، وقال لها: إنّك على خير ( أو: إلى خير ). ( مسند أحمد 292:6 ح 26551؛ و 304:6 ح 22639؛ سنن الترمذي 351:5 ح 3205؛ المستدرك على الصحيحين 158:3؛ المعجم الكبير للطبراني 53:3 و 54 ح 2663 و 2667 ).
وقد روى مسلم في صحيحه أن زيد بن أرقم سُئل عن أهل بيت النبيّ صلّى الله عليه وآله، هل نساؤه صلّى الله عليه وآله أهلُ بيته ؟ قال: لا وأيم الله، إنّ المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر، ثمّ يطلّقها فترجع إلى أبيها وقومها. أهلُ بيته أصله وعُصبته الذين حُرِموا الصدقة بعده. ( صحيح مسلم 1873:4 ح 2408 )
ومنه ما رواه أحمد في مسنده عن ثوبان، أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله عاد من سفره يوماً فرأى على باب فاطمة عليها السّلام مِسْحاً ( أي قماشاً )، ورأى على الحسن والحسين عليهما السّلام قلبَين من فضّة، فعاد إلى المسجد، فبعثت فاطمة عليها السّلام المسح والقلبَين إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله، وأنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله فرح لذلك وقال: إنّ هؤلاء أهل بيتي، ولا أحبّ أن يأكلوا طيّباتهم في الحياة الدنيا. ( مسند أحمد 275:5 ح 22417 ).
ومنه ما رواه البخاري وغيره عن عائشة، أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله أسرّ إلى فاطمة عليها السّلام شيئاً فبكت، ثمّ أسرّ إليها شيئاً فضحكت، فسألتها عائشة عمّا قال، فقالت: ما كنتُ لأُفشي سرّ رسول الله صلّى الله عليه وآله؛ فلمّا قُبض رسول الله صلّى الله عليه وآله سألتها عائشة فأخبرتها أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله أخبرها بقرب وفاته فبكت، ثمّ أخبرها بأنّها أوّل أهل بيته لُحوقاً به فضحكت. ( انظر: صحيح البخاري 1326:3 ح 3426؛ المصنّف لابن أبي شيبة 270:7 ).


زوجات النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم
سؤال: أريد التعرّف على السيرة الذاتيّة لكلّ زوجة من زوجات الرسول صلّى الله عليه وآله.
جواب: زوجات النبيّ صلّى الله عليه وآله:
1. خديجة بنت خويلد عليها السّلام، تزوّجها وهو ابن 25 سنة، وعاشت معه 24 سنة وشهراً، وولدت له عبدالله والقاسم وزينب ورقيّة وأم كلثوم وفاطمة عليها السّلام.
2. سَودة بنت زمعة، مات زوجها ( السكران بن عمرو ) بالحبشة مسلماً، فتزوّجها النبيّ صلّى الله عليه وآله بعد وفاة خديجة بسنة.
3. عائشة بنت أبي بكر: تزوّجها قبل الهجرة بسنتين، وتوفّي النبيّ صلّى الله عليه وآله وهي ابنة 18 سنة، وبقيت إلى إمارة معاوية.
4. أم سَلَمة: هند بنت أميّة المخزوميّة، وهي بنت عمّته عاتكة بنت عبدالمطّلب، وقد تزوّجها النبيّ صلّى الله عليه وآله بعد وقعة بدر سنة 2 هـ.
5. حفصة بنت عمر: تزوّجها في نفس سنة زواجه بأمّ سلمة، عاشت إلى آخر خلافة أمير المؤمنين عليه السّلام وتوفيّت بالمدينة.
6. زينب بنت جحش الأسديّة، وهي ابنة عمة النبيّ صلّى الله عليه وآله أُميمة بنت عبدالمطّلب، وكانت عند زيد بن حارثة، فطلّقها زيد، ثمّ تزوّجها النبيّ صلّى الله عليه وآله، وهي أوّل من ماتت من نسائه بعده في أيّام عمر.
7. جُوَيريّة بنت الحارث من بني المُصطلق، يُقال إنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله اشتراها فأعتقها ثمّ تزوّجها. ماتت سنة 56 هـ.
8. أم شريك، وهي التي وهبت نفسها للنبيّ صلّى الله عليه وآله، واسمها غُزيّة بنت دَودان بن عامر.
9. أم حبيبة بنت أبي سفيان، واسمها رَملة، تزوّجها عبيدالله بن جحش الأسدي وهاجر بها إلى الحبشة، وتنصّر هناك ومات في الحبشة، فتزوّجها رسول الله صلّى الله عليه وآله.
10. زينب بنت خزيمة الهلاليّة ( ويُقال لها أمّ المساكين )، ماتت قبل وفاة النبيّ صلّى الله عليه وآله.
11. ميمونة بنت الحارث خالة عبدالله بن عبّاس، تزوّجها النبيّ صلّى الله عليه وآله وهو بالمدينة، وتوفيت بـ « سَرَف » ودُفنت فيها.
12. صفيّة بنت حُيَيّ بن أخطَب النّضري، من خيبر، اصطفاها النبيّ صلّى الله عليه وآله من الغنيمة، اعتقها وتزوّجها سنة 7 هـ، توفيّت سنة 36 هـ.
13 و 14. وكان له سريّتان ( جاريتان ): مارية بنت شمعون القبطيّة، وَلَدت له إبراهيم، وتوفيت بعده بخمس سنين؛ وريحانة بنت زيد القرظية أهداهما المقوقس صاحب الاسكندريّة. ويقال إنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله أعتق ريحانة ثمّ تزوّجها.
ومات النبيّ صلّى الله عليه وآله عن تسع نساء: أم سلمة، زينب بنت جحش، عائشة، حفصة، سَودة، جُوَيريّة، صفيّة، أم حبيبة، ميمونة.


حول عدد زوجات النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم
سؤال: لماذا تزوّج النبيّ صلّى الله عليه وآله عدداً كبيراً من النساء، وكان من بينهنّ فتاة صغيرة ؟
جواب: لقد تزوّج رسول الله صلّى الله عليه وآله من زوجاته لعوامل متعدّدة:
منها عوامل إنسانيّة، تتلخّص في تكريم بعض النساء المؤمنات المجاهدات وكفالتهنّ وكفالة أولادهنّ، كزواجه من أم سلمة بعد وفاة زوجها أبي سَلَمة في الحبشة.
ومنها عوامل سياسيّة، لضمان ولاء القبائل والأشخاص الذين يتزوّج منهم، ولتقوية دعائم الدولة الإسلاميّة الفتيّة. ومن يطّلع على خطابات القرآن الكريم للنبيّ صلّى الله عليه وآله وعلى السيرة النبويّة الشريفة يتجلّى له سموّ النفس المحمّديّة بما فيها من عصمة مطلقة وارتباط خاصّ بالله تعالى، ومن آفاق القيم الإنسانيّة الرحيبة وتفرّغ كامل للرسالة الإلهيّة، ممّا لا يدع مجالاً لأيّ شبهة حول وجود دافع نفسي أو شهويّ للزواج.
أمّا الزواج من الفتيات الصغيرات، وخاصّة في الجزيرة العربيّة بحرارتها اللاهبة التي تصل فيها الفتيات ـ عادةً ـ إلى سنّ البلوغ مبكّراً، فكان أمراً عاديّاً لا يُنكره العقل ولا الشرع. وقد تزوّج أمير المؤمنين عليه السّلام من فاطمة الزهراء عليها السّلام وعمرها 9 سنوات. وقد فصّلنا الحديث عن أزواج النبيّ صلّى الله عليه وآله في إجابتنا على سؤالٍ لأحد الإخوة سابقاً.


« إنّ الذين جاؤوا بالافك عصبةٌ منكم »
سؤال: هي قصّة الإفك، وهل لها أكثر من رواية ؟ أرجو ذِكر ذلك.
جواب: هناك روايتان لقصّة الإفك:
الأولى رواية العامّة وعمادها رواية الزهري وعروة بن الزبير ( وكلاهما مُبغض لأمير المؤمنين عليه السّلام )، وملخّصها أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله اصطحب عائشة في غزوة بني المُصطلق، فلمّا عاد النبيّ صلّى الله عليه وآله من الغزوة التمست عائشة عِقداً لها ( أي: قلادة ) فوجدته قد انقطع، فتخلّفت عن الجيش تبحث عنه، وارتحل الجيش وهم يحسبون عائشة في هودجها، ثمّ غلب على عائشة النوم فنامت، فلم تستيقظ إلاّ صباحاً، وكان صفوان بن المعطّل السلمي قد تخلّف عن الجيش أيضاً، فرآها صباح اليوم التالي، فحملها على راحلته وانطلق يقود الراحلة حتّى لحق بالجيش. فأفاض المنافقون في قصّة تخلّف عائشة وصفوان حتّى بلغ كلامُهم رسولَ الله صلّى الله عليه وآله، فتغيّر على عائشة بعض الشيء من دون أن تعلم عائشة بالشائعة التي أشاعها المنافقون. ثمّ أنزل الله تعالى الآيات في سورة النور: إنّ الذينَ جاءوا بالإفكِ عُصبةٌ منكم... فنطق القرآن ببراءتها. ( كتب التفاسير السنّية، ذيل الآية 11 من سورة النور ).
أمّا الرواية الثانية فهي رواية الخاصّة ( الشيعة )، وملخّصها أن عائشة قالت لرسول الله صلّى الله عليه وآله يوماً: إنّ إبراهيم ( ابن رسول الله صلّى الله عليه وآله ) ليس منك، وإنّما هو من جريح القبطيّ، فإنّه يدخل على مارية كلّ يوم! فغضب النبيّ صلّى الله عليه وآله وأرسل أمير المؤمنين عليه السّلام ليحقّق في الأمر، وأمره بقتل جريح إذا تحقّق من جُرمه، فجاء أمير المؤمنين عليه السّلام إلى مشربة أم إبراهيم ( بُستان كان النبيّ صلّى الله عليه وآله اشتراه لها وأسكنها فيه )، فلما رآه جريح هرب منه وصعد نخلةً، فدنا منه أمير المؤمنين عليه السّلام وأمره بالنزول، فقال جريح: يا عليّ! اتّقِ الله، إنّي مجبوب ( أي مقطوع الذَّكَر ) ثمّ كشف عن عورته فإذا هو مجبوب. فعاد أمير المؤمنين عليه السّلام إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وأخبره بالأمر، ونزلت الآيات في قصّة الإفك. ( تفسير القمّي، ذيل الآية؛ الخصال للصدوق 125:2؛ بحار الأنوار للمجلسي 154:22 ـ 155.. وغيرها من المصادر ).


السنن النبوية مجهولة
سؤال: ما هي السنن التي وردت عن النبيّ صلّى الله عليه وآله والتي اصبح الناس يجهلونها ؟ أفيدونا مفصّلاً وبالدليل جزاكم الله عنّا كلّ خير.
جواب: إعلم أيّها الأخ أنّ الناس لمّا ذهبوا يميناً وشمالاً بعد وفاة رسول الله صلّى الله عليه وآله، وانصرفوا عن أهل بيت النبيّ صلّى الله عليه وآله الذين هم أعلم بسُنّته وسيرته، فقد أدّى بهم ذلك إلى تضييع حظّ كبير من سنّة النبيّ صلّى الله عليه وآله، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله قد دلّهم على المرجع الذي ينبغي أن يفزعوا إليه بعده صلّى الله عليه وآله، فقال صلّى الله عليه وآله: « أنا مدينةُ العِلم، وعليٌّ بابها ».
( المستدرك على الصحيحين 137:3 و 138؛ المعجم الكبير للطبراني 65:11 ح 11061؛ تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 377:2 رقم 887؛ تاريخ بغداد 348:4 رقم 2186؛ الاستيعاب لابن عبدالبرّ 38:3 ـ ترجمة الإمام عليّ عليه السّلام ).
وقال لأمير المؤمنين عليّ عليه السّلام: « تعيش على ملّتي، وتُقتل على سنّتي ».
( المستدرك 142:3؛ مجمع الزوائد للهيثمي 138:9؛ مسند البزّار 322:9 ح 3873 ).
وقد رُوي عن عائشة أنّها صرّحت بأنّ عليّاً عليه السّلام أعلم مَن بقي بالسنّة.
( الاستيعاب 40:3؛ ذخائر العقبى للمحبّ الطبري 78؛ الصواعق المحرقة لابن حجر 127 ب 9 ف 3 ).
وسنذكر لك بعض النماذج من تضييع سنّة النبيّ صلّى الله عليه وآله:
• صرّح أنس بن مالك بأنّه لا يجد شيئاً من السُنّة كان يعرفه على عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله، حتّى الصلاة. ( مسند الطيالسي 271:1 ح 2033 ).
• صرّح أبو موسى الأشعري بعد أن صلّى خلف أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام بأنّ عليّاً عليه السّلام ذكّرهم صلاةً كانوا يصلّونها على عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله. ( كشف الأستار 260:1 ح 535 ـ كتاب الصلاة ).
• وصرّح مطرف بن عبدالله بعد أن صلّى خلف عليّ عليه السّلام بقوله: ذكّرني هذا صلاةَ محمّد صلّى الله عليه وآله. ( مسند الطيالسي 111:1 ح 826؛ تفسير القرطبي 172:1؛ المعجم الكبير للطبراني 125:18 ح 257 ).
• ابن عبّاس يصرّح بأنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله كان يجهر بالبسملة في الصلاة.
( المعجم الكبير للطبراني 185:11 ح 11442؛ المعجم الاوسط للطبراني 51:1 ح 35 ).
• وصرّح الفخرالرازي في تفسيره أنّ عليّاً عليه السّلام كان يبالغ في الجهر بالبسملة، فلمّا وصلت الدولة إلى بني أميّة بالغوا في المنع من الجهر سعياً في إبطال آثار عليّ.
( التفسير الكبير للفخرالرازي 206:1 ).
• كان النبيّ صلّى الله عليه وآله يتختّم في يمينه، صرّح بذلك كلّ من:
عبدالله بن جعفر، ( مسند أحمد 204:1 ح 1746؛ وسنن ابن ماجة 1203:2 ح 3647 ).
وأبو أمامة، ( المعجم الكبير للطبرانيّ 244:8 ح 7953 ).
وابن عبّاس، ( المعجم الكبير للطبراني 305:1 ح 11815 ).
ثمّ أنّ بني أميّة جعلوا التختّم في اليسار منذ يوم التحكيم.
• كان النبيّ صلّى الله عليه وآله يقنت في صلاته، صرّح بذلك كلّ من الصحابة:
ابن عباس، ( المعجم الكبير للطبراني 8:12 ح 12311 ).
والبراء بن عازب، ( مسند الطيالسي 100:1 ح 737 ).
وأبيّ بن كعب، ( طبقات المحدّثين باصبهان 66:2 ح 96 ).
وأنس بن مالك، ( تاريخ بغداد 70:3 رقم 1033 ).
• روى الصحابة أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله كان يهلّ بحجّ وعُمرة، ومنهم:
أنس بن مالك، ( مسند أحمد 183:3 ح 12922 ).
وعمران بن الحصين، ( المعجم الكبير للطبراني 125:18 ح 255 ).
ورووا أنّ عمر بن الخطّاب قال: متعتان كانتا على عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله، أنا أنهى عنهما وأضرب عليهما. ( المحلّى لابن حزم 107:7 ).
ورووا عن جابر بن عبدالله أن عمر نهى عنهما. ( مسند أحمد 325:3 ح 14519 ).
ورووا أنّ عثمان كان ينهى عن متعة الحجّ في خلافته، وأنّ عليّاً عليه السّلام أهلّ بهما وقال: ما كنتُ لأدع سُنّة النبيّ صلّى الله عليه وآله لقول أحد. ( انظر: مسند أحمد 136:1 ح 1146؛ مسند الطيالسي 16:1؛ صحيح البخاري ـ باب التمتّع والإقران؛ صحيح مسلم ـ باب جواز التمتّع ).
• كان عليّ بن الحسين عليه السّلام يؤذّن ويقول: «حيّ على الفلاح »، ثمّ يقول: « حيّ على خير العمل »، ويقول: هو الأذان الأوّل. ( سنن البيهقي 425:1 ح 1844 ).
وكان عبد الله بن عمر يقول « حي على خير العمل » في الإقامة. ( مصنّف عبدالرزاق الصنعاني 464:1 ح 1797؛ والسنن الكبرى للبيهقي 424:1 ح 1843 ).
وهناك عشرات الأمثلة في أنّ القوم تركوا سنّة النبيّ صلّى الله عليه وآله مخالفةً منهم لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، وضلالاً منهم لمفارقتهم باب مدينة علم النبيّ صلّى الله عليه وآله، وتنكّرهم للثقل الأصغر: أهل البيت عليهم السّلام الذين قال عنهم رسول الله صلّى الله عليه وآله أنه لن يفترقوا عن كتاب الله حتّى يردوا عليه الحوض.


عائشة في الطريق إلى « الحوأب »
سؤال: سمعت مما يقال أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أناب الإمام علياً عليه السلام في أمور نسائه بعد حياته ؟ وهل قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعائشة: لست زوجتي إن نبحتك كلاب الحوأب ؟ وهل توفيت في هذا المكان ؟ أرجو إفادتي بذلك.
جواب: نقل علماء المسلمين على اختلاف مذاهبهم أن النبيّ صلّى الله عليه وآله حذّر عائشة من الخروج على أمير المؤمنين عليه السّلام باعتباره الوصيّ الشرعيّ لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، وقال لها: « كيف بكِ إذا نَبَحَتْكِ كلابُ الحَوْأب »؟!
( والحوأب منطقة تقرب من ذي قار في جنوب العراق، على طريق الذاهب إلى البصرة ).
ونقل العلماء أنّ طلحة والزبير زيّنا لعائشة الخروج، فلمّا خرجت معهما نبحتها كلاب الحوأب، فصاحت: رُدّوني ردّوني! فلم يَزَل طلحة والزبير وعبدالله بن الزبير يرغّبان لها المسير حتّى سارت معهم إلى البصرة، فوقع ما وقع.
وهناك روايات نقلها علماء المسلمين تقول: إن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم جعل أمير المؤمنين وصيّه، وأوكل إليه أمر قضاء ديونه وإنجاز عِداته، وهناك روايات شيعيّة تقول: بأنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم أوكل أمر نِسائه إلى أمير المؤمنين عليه السّلام، وأمره بتطليق من تعصي أوامره.
ونحن إذا غضضنا الطرف عن هذه الروايات، فإنّ من الثابت للجميع أنّ عائشة خالفت أمر الله تعالى الصريح في آية: وقَرْنَ في بُيوتكنّ ، فلم تلزم بيتها بل خرجت تقود الجيوش؛ وخالفت أمر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في عدم محاربة أمير المؤمنين عليه السّلام، وخرجت على الخليفة الشرعيّ وحاربته، مع انّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: « مَن قاتل علياً على الخلافة فاقتلوه »( ينابيع المودّة للقندوزي 82:2 ب 56 ).
وقال: « من ماتَ ولم يعرف إمام زمانه، ماتَ ميتة جاهليّة »( ينابيع المودّة 372:3 ب 91 ).
وقد خرجت عائشة على إمام زمانها وتسبّبت في مقتل الآلاف من المسلمين. ولذلك نقل علماء المسلمين أنّها ندمت بعد ذلك وكانت تبكي حتّى تبلّ خمارها، ثمّ أوصت بأن لا تُدفن مع النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في مكان واحد، وقالت: إنّي قد أحدثتُ بعد رسول الله فإذا متّ فادفنوني في البقيع.


ايمان أبوي النبيّ صلّى الله عليه واله وسلّم
سؤال: يقال إنّ من كمال إيمان المؤمن أن ينحدر من أصل مؤمن عريق.. فهل كان أبَوا النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم مؤمنَين، مع أنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم أبو الإيمان ؟
جواب: والد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم هو: عبدالله بن عبدالمطّلب بن هاشم. وأُمّه صلّى الله عليه وآله وسلّم هي: آمنة بنت وهب.
وقد أكّد الامامية والزيدية وغير قليل من المحققين من أهل السنّة على إيمان أبوَي النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وعلى كونهما على دين التوحيد.
وقد شذّ مَن قال: إنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم على كثرة ما أنعم الله عليه ووفور إحسانه إليه لم يرزقه إسلامَ والديه!
ولا شكّ أن هذا القول صدر جُزافاً بغير تدقيق ولا تحقيق؛ فانّ التاريخ لم يدوِّن من حياتهما إلاّ النَّزرَ القليل. وفيما دُوِّن دلالة على إيمانهما وكونهما على الصراط المستقيم.
أمّا عبدالله.. فقد ذكرت المصادر عنه عبارات وأبيات تدلّ على إيمانه. ورد في السِّيَر امرأة يقال لها الخثعميّة عَرَضت نفسها عليه، فقال يردّ عليها:


أمّـا الحرامُ فالمماتُ دونَهُ والـحِلّ لا حِـلّ فـأستبينُهُ
يحمي الكريمُ عِرضَهُ ودِينَهُ فكيف بالأمر الذي تبغينَهُ ؟!(1)

وقد روي عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أنه قال: « لم أزَل أُنقَل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات ».
وأمّا آمنة.. فيكفي في ذلك ما رواه الحفّاظ عند وفاتها؛ فانها رضوان الله عليها خرجت مع النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وهو ابن خمس أو ستّ سنين، ونزلت بالمدينة تزور أخوال جدّه بني النجّار، ومعها أُمّ أيمن الحبشيّة، فأقامت عندهم. وكان النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم يذكر أموراً حدثت آنذاك، فيقول: « إنّ أُمّي نزلت في تلك الدار، وكان قوم من اليهود يختلفون ( أي يأتون جماعة بعد جماعة ) وينظرون إليّ. فنظر إليّ رجل من اليهود، فقال: يا غلام، ما اسمك ؟ فقلت: أحمد. فنظر إلى ظهري، وسمعتُه يقول: هذا نبيُّ هذه الأمّة. ثمّ راح إلى إخواني فأخبرهم.. فخافت علَيّ أُمي، فخرجنا من المدينة، فلمّا كانت بالأبواء توفّيت ودُفنت فيها ».
روى أبو نعيم في ( دلائل النبوة ) عن أسماء بنت رهم، قالت:
شهدتُ آمنة أُمَّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في علّتها التي ماتت بها، ومحمّد عليه الصلاة والسّلام غلامٌ يَفع ( أي يافع ) له خمس سنين عند رأسها، فنظرَتْ إلى وجهه وخاطبته بقولها:


إنْ صحَّ ما أبصرتُ في المنامِ فأنت مبعوثٌ إلى الأنامِ
فــاللهَ.. أنهاكَ عن الأصنامِ أنْ: لا تُواليها مع الأقوامِ

وقد علّق السيوطي على هذا بقوله: وهذا القول منها صريح في أنها كانت موحِّدة، إذ ذكرت دينَ إبراهيم عليه السّلام وبشّرت ابنَها بالإسلام من عند الله، وهل التوحيد شيء غير هذا ؟! فإنّ التوحيد هو الاعتراف بالله وأنه لا شريك له، والبراءة من عبادة الأصنام(2).
هذا، وقد اتّفق المسلمون الشيعة على أن آباء رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم من آدم إلى عبدالله بن عبدالمطلّب مؤمنون بالله موحِّدون له، واحتجّوا في ذلك بالقرآن والأحاديث. قال الله تبارك وتعالى يخاطب النبيَّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: الذي يَراكَ حينَ تقومُ. وتَقلُّبَكَ في الساجدين (3). وقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: « لَم يَزَل ينقلني من أصلاب الطاهرين إلى أرحام المطهَّرات.. حتّى أخرجني في عالمكم هذا ». وأجمعوا على أنّ عمّه أبا طالب مات مؤمناً، وأنّ آمنة بنت وهب كانت على التوحيد، وأنها تُحشَر في جملة المؤمنين(4).
وقد تظافرت الروايات التي تدلّ على طهارة والدَي النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، منها الروايات التي جمعها الحافظ أبو الفداء في تاريخه.. قال: وخطبَ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وقال: « أنا محمّد بن عبدالله بن عبدالمطّلب... وما افترقَ الناسُ فرقتَين إلاّ جعلني اللهُ في خيرها، فأُخرِجتُ من بين أبوَيّ، فلم يُصيبني شيءٌ من عُهر الجاهلية، وخرجتُ من نكاح ولم أخرج من سِفاح من لَدُن آدم حتّى انتهيتُ إلى أبي وأمّي، فأنا خيركم نَفْساً وخيركم أباً »(5).
وقد دلّت الآيات والأحاديث على أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ كما طابت ذاته الشريفة بما أُوتي من الكمال الأعلى ـ طاب نسبه الشريف كذلك؛ فلم يكن في آبائه ولا أُمّهاته منذ آدم وحوّاء إلى عبدالله وآمنة إلاّ مَن هو نقيّ مُنزَّه طابت أعراقه وحَسُنت أخلاقه وسرائره.
أخرج ابن جرير عن مجاهد، قال: استجاب الله تعالى دعوة إبراهيم في ولده، ولم يعبد أحد منهم صنماً بعد دعوته، واستجاب له وجعل هذا البلد آمناً ورزقَ أهله من الثمرات، وجعله إماماً، وجعل من ذريّته مَن يقيم الصلاة.
قال السيوطي: وهذه الأوصاف كانت لأجداده صلّى الله عليه وآله وسلّم خاصة دون سائر ذرية إبراهيم، وكلّ ما ذُكر عن ذرية إبراهيم من المحاسن فإنّ أولى الناس به سلسلة الأجداد الشريفة الذين خُصّوا بالاصطفاء وانتقل إليهم نور النبوة واحداً بعد واحد. ولم يدخل ولد إسحاق وبقية الذريّة لأنه دعا لأهل هذا البلد. ألا تراه قال: اجعَلْ هذا البلدَ آمناً (6) وعقّبه بقوله: واجنُبْني وبَنيَّ أن نَعبدَ الأصنام (7). فلم تَزَل ناس من ذرية إبراهيم عليه السّلام على الفطرة يعبدون الله تبارك وتعالى. ويدلّ عليه قوله: وجَعَلها كلمةً باقيةً في عَقِبِه (8)؛ فإنّ الكلمة الباقية هي كلمة التوحيد وعَقِب إبراهيم عليه السّلام هم محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم وآله الكرام. قال بعض الأفاضل: اللهمّ حُلْ بيننا وبين أهل الخسران والخذلان الذين يُؤذونَ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بنسبة ما لا يليق بأبوَيه الكريمين الشريفين الطاهرين ( إلى أن قال : ) فهما ناجيان مُنعَّمان في أعلى درجات الجنان، وما عدا ذلك تَهافُت وهَذَيان(9).


* * *

السؤال: ما مدى صحة أنّ زينب ورقيّة وأمّ كلثوم كنّ بنات السيدة خديجة بنت خويلد من زواجها الأول ؟
الجواب: يرى بعض علماء الشيعة والسنّة أنّ زينب ورقيّة كنّ بنات هالة بنت خويلد، وأنّ السيّدة خديجة عليها السّلام كانت عذراء باكراً لمّا تزوّجها رسول الله صلّى الله عليه وآله(10).
ويرى هؤلاء العلماء أنّ عتيق بن عائذ بن عبدالله المخزوميّ تزوّج من هالة أخت خديجة، فولدت له زينب ورقيّة، فمات المخزوميّ عنها وضمّتهما خديجة إليها، ثمّ ماتت هالة فأصبحت زينب ورقيّة ربائب رسول الله صلّى الله عليه وآله(11).
وتسمية الربيب والحليف ولداً أمرٌ معروف عند العرب قبل الإسلام، فقد سُمّي زيد بن حارثة بـ « زيد بن محمّد » حين تبنّاه رسول الله صلّى الله عليه وآله، وسُمّي المقداد بن عمرو بـ « المقداد بن الأسود » مع أنّ الأسود كان حليف المقداد وليس ابنه.
ثمّ نهى القرآن الكريم عن تسمية الربيب ولداً، في قوله تعالى: ما كانَ محمّدٌ أبا أحدٍ من رجالكم ، وقال: ادعُوهم لآبائهم .
ويحدّثنا التاريخ أنّ السيّدة خديجة رفضت الزواج ممّن تقدّم لخطبتها، مثل أبي جهل وأبي سفيان وعقبة بن مُعَيط؛ لذا يُستبعد أن تكون قد تزوّجت من رجلين نكرتَين هما عتيق بن عائذ بن عبدالله المخزوميّ وأبي هالة التميمي(12).
ويرى هؤلاء العلماء أنّ الأمويّين قد اخترعوا هذه القصّة ( قصّة زواج السيّدة خديجة برجلين قبل زواجها من رسول الله صلّى الله عليه وآله، ونسبتهم رقيّة وزينب إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله ) بهدف اختلاق فضيلة لعثمان بن عفّان، بأنّه تزوّج من بنتي رسول الله صلّى الله عليه وآله، واختلاق فضيلة لعائشة في أنّها الباكر الوحيد التي تزوّجها رسول الله صلّى الله عليه وآله(13).
ونذكّر في النهاية أنّ القرآن الكريم سمّى « آزر » أباً لإبراهيم الخليل عليه السّلام، مع أنّه كان عمَّه الذي ربّاه ولم يكن أباه.
السؤال: هل من الصحيح أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قد زوّج ابنتيه من عثمان ؟
الجواب: في قضيّة زواج عثمان بن عفّان ببنتَي رسول الله صلّى الله عليه وآله يرى البعض أنّهما لم تكونا من بنات النبيّ صلّى الله عليه وآله، بل كانتا من ربيباته. يُضاف إلى هذا أنّ أمر التزويج والتعامل في الإسلام يرتبط بظاهر الإنسان وليس بباطنه، فقد كان النبيّ صلّى الله عليه وآله يتعامل مع أصحابه بحسب ظواهرهم، وكان صلّى الله عليه وآله يَكِلُ بواطنَهم إلى الله عزّوجلّ.
السؤال: هل جميع أولاد وبنات النبيّ صلّى الله عليه وآله وُلِدوا في الإسلام، أم وُلد بعضهم قبل الإسلام ؟
الجواب: جاء في تاريخ ولادة السيّدة فاطمة الزهراء عليها السّلام أنّها وُلدت في السنة الخامسة بعد البعثة النبويّة، وقد انعقدت نُطفتها من ثمر الجنّة الذي جاء به جبرئيل عليه السّلام إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله في قضيّة الإسراء والمعراج(14).
وأمّا إبراهيم ابن رسول الله صلّى الله عليه وآله فقد وُلد من مارية القبطيّة سنة ثمان من الهجرة وتوفّي وله سنة وستّة أشهر(15).
وأمّا الطاهر والقاسم فهما وَلَدا رسول الله صلّى الله عليه وآله من خديجة عليها السّلام.


* * *

السؤال: من الذي يكنّى بأبي الأنبياء ؟
الجواب: إبراهيم عليه السّلام هو الذي كُنّي بـ « أبي الأنبياء ».


* * *

سؤال: إخوتنا في موقع الإمام الرضا عليه السّلام.. هل لكم أن تُطْلعونا على موقف الرسول صلّى الله عليه وآله وأئمّة أهل البيت عليهم السّلام، وإذا أمكن الصحابة أيضاً، من أبي طالب ؟ كي نكون على بيّنة، ولكم من الله تعالى الأجر والثواب.
الجواب: في البدء.. نحيّيك ـ أيّها الأخ السائل ـ ونُعْلمك:
أنّه لا يمكن فصل حياة النبيّ صلّى الله عليه وآله عن حياة أبي طالب، ويكفينا هنا ما أورده ابن أبي الحديد، وجملة من المؤرّخين حين ذكروا: أنّ أبا طالب لمّا مات، جاء عليٌّ عليه السّلام إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله فآذَنه في موته ( أي أخبره )، فتوجّع توجّعاً عظيماً، وحزن حزناً شديداً، ثمّ قال له: إمضِ فتَولَّ غُسْلَه، فإذا رفعتَه على سريره فأعلِمْني. ففعل عليٌّ عليه السّلام، فاعترضه رسول الله صلّى الله عليه وآله وهو محمولٌ على رؤوس الرجال فقال ( يخاطب عمَّه ):
وَصَلَتْك رَحِمٌ يا عَمّ، جُزِيتَ خيراً؛ فقد رَبَّيتَ وكَفَلتَ صغيراً، ونَصَرتَ وآزَرْت كبيراً.
ثمّ تَبِعه إلى حفرته، فوقف عليه وقال له ( يخاطبه مرّةً أُخرى ):
أما واللهِ لأستغفرنّ لك، ولأشْفعَنّ فيك شفاعةً يَعجَبُ لها الثقلان. ( مصادر هذه الرواية: شرح نهج البلاغة 76:14 / الكتاب 9؛ تاريخ بغداد للخطيب البغداديّ 98:13 / الرقم 7174؛ البداية والنهاية لابن كثير 125:3 ؛ تذكرة خواصّ الأمّة لسبط ابن الجوزيّ 6؛ الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلانيّ 116:4 / الرقم 684؛ تاريخ اليعقوبيّ 355:1 ؛ الطبقات الكبرى لابن سعد 206:1 ؛ الخصائص الكبرى للسيوطيّ 87:1.. وغيرها ).
فثبت أنّ أبا طالب رضوان الله عليه تُوفّي مؤمناً، بدلالة فعل النبيّ صلّى الله عليه وآله ومقاله فيه. وقد كان أبو طالب عليه السّلام يمنع قريشاً مِن إيذاء رسول الله صلّى الله عليه وآله، فإذا تُوفّي نالَتْ منه ما نالت، حتّى قال صلّى الله عليه وآله: ما نالتْ منّي قريشٌ شيئاً أكرهه حتّى مات أبو طالب. ( تاريخ الطبريّ 80:2 ؛ تاريخ دمشق لابن عساكر 284:1 ؛ المستدرك للحاكم 622:2 ؛ تاريخ ابن كثير 122:3 ، 134 ؛ صفة الصفوة لابن الجوزيّ 21:1 ؛ الفائق للزمخشريّ 213:2 ؛ تاريخ الخميس للدياربكريّ 253:1؛ السيرة الحلبيّة للحلبيّ 375:1؛ فتح الباري لابن حجر العسقلانيّ 153:7 ـ 154 ؛ أسنى المطالب في مناقب سيّدنا عليّ بن أبي طالب لشمس الدين محمّد الجزريّ الشافعيّ 11 ، 12 .. وغيرها ).
ويقول رسول الله صلّى الله عليه وآله: هبَطَ جبرئيلُ فقال لي:
يا محمّد، إنّ الله عزّوجلّ مشفّعُك في ستّة: بطنٍ حمَلَتْك، آمنةَ بنتِ وهب. وصُلْبٍ أنزَلَك، عبدِالله بنِ عبدالمطّلب. وحِجْرٍ كفَلَك، أبو طالب. وبيتٍ آواك، عبدالمطّلب. وأخٍ لك في الجاهليّة. وثَدْيٍ أرضعك، حليمة بنت أبي ذُؤيب ( التعظيم والمنّة للسيوطيّ 25 ؛ ذخائر العقبى لمحبّ الدين الطبريّ 7؛ الدُّرُج المتبقّية للسيوطيّ 7.. وغيرها ).
أمّا موقف أهل البيت عليهم السّلام، فلا يشذّ ـ لا مِن قريبٍ ولا مِن بعيد ـ عن موقف رسول الله صلّى الله عليه وآله قطّ، نذكر منه:
• قول أمير المؤمنين عليٍّ عليه السّلام: كان ـ واللهِ ـ أبو طالب عبدُمَناف بن عبدالمطّلب مؤمناً مسلماً يكتم إيمانَه؛ مخافةً على بني هاشم أن تنابذها قريش. ( عن الشعبيّ ـ كتاب الحجّة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب للسيّد فخار بن معدّ الموسوي ص 24، عن الغدير للأمينيّ 388:8 ).
وفيه: قال أبو عليّ الموضح: ولأمير المؤمنين عليه السّلام في أبيه يَرثيه:


أبا طالبٍ عصـمةَ المستجير وغيثَ المَحـولِ ونورَ الظُّلَمْ
لقد هَدَّ فقدُكَ أهـلَ الحِفـاظ فصلّى عليـك ولـيُّ النِّـعَمْ
ولقّـاكَ ربُّـكَ رِضْـوانَـه فقد كنتَ للمصطفى خيرَ عَمّْ

• وروى الإمام الحسين عليه السّلام أنّه قيل لأبيه: إنّك بالمكان الذي أنزلَك الله، وأبوك مُعذَّبٌ في النار! فقال أمير المؤمنين عليه السّلام لذلك القائل: مَه! فَضَّ اللهُ فاك، والذي بعَثَ محمّداً بالحقّ نبيّاً، لو شَفَع أبي في كلِّ مذنبٍ على وجه الأرض لشفّعه الله. أأبي معذَّبٌ في النار، وابنُه قسيم الجنّة والنار ؟! والذي بعَثَ محمّداً بالحقّ، إنّ نورَ أبي طالب يوم القيامة لَيُطفئ أنوار الخلائق إلاّ خمسة أنوار: نورَ محمّد ونور فاطمة، ونور الحسن ونور الحسين، ونور وُلْدِه من الأئمّة. ألا إنّ نورَه مِن نورنا، خلَقَه الله مِن قَبْلِ آدمَ بألفَي عام. ( كنز الفوائد للكراجكي 183:1 ؛ أمالي ابن الشيخ الطوسيّ 192؛ تفسير أبي الفتوح الرازيّ 211:4 ؛ تفسير البرهان للسيّد هاشم البحراني 794:3.. ).
• وقيل للإمام السجّاد عليّ بن الحسين عليه السّلام: إنّ ها هنا قوماً يزعمون أنّ أبا طالب كافر! فقال: واعجَبَاً كلَّ العَجَب! أيطعنون على أبي طالب أو على رسول الله صلّى الله عليه وآله وقد نهاه اللهُ تعالى أن يُقْرِنَ مؤمنةً مع كافر في غير آيةٍ من القرآن ؟! ولا يَشكّ أحدٌ أنّ فاطمة بنت أسد رضي الله تعالى عنها من المؤمنات السابقات، فإنّها لم تَزَل تحت أبي طالب حتّى مات أبو طالب رضي الله عنه. ( شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 69:14 ؛ الحجّة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب 24 ).
• وفي ردّه لمَن عرّضوا بأبي طالب عليه السّلام.. قال الإمام الباقر عليه السّلام: كذبوا والله! إنّ إيمان أبي طالب لو وُضِع في كفّة ميزان، وإيمان هذا الخَلْق في كفّة ميزان، لَرجَحَ إيمانُ أبي طالب على إيمانهم. ( شرح نهج البلاغة 68:14 ؛ كنز الفوائد 80:1 ).
• وفي ردٍّ للإمام جعفر الصادق عليه السّلام، قال: كذب أعداءُ الله! إنّ أبا طالبٍ مِن رُفَقاء النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين، وحَسُن أُولئك رفيقاً. ( كنز الفوائد 80:1 ؛ كتاب الحجّة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب 17 ).
• ويروي الإمام الصادق عليه السّلام فيقول: أتى جبرائيل في بعض ما كان عليه، فقال: يا محمّد، إنّ ربّك يُقرئك السلامَ ويقول لك: إنّ أصحاب الكهف أسَرُّوا الإيمانَ وأظهروا الشِّرْك، فآتاهُمُ اللهُ أجرَهم مرّتين. وإنّ أبا طالبٍ أسَرّ الإيمان وأظهر الشرك، فآتاه اللهُ أجرَه مرّتين. وما خَرَج من الدنيا حتّى أتَتْه البشارةُ من الله تعالى بالجنّة... وقد نزل جبرائيلُ ليلة ( ليلة وفاة أبي طالب ) فقال: يا محمّد، أُخرُجْ مِن مكّة؛ فما لك بها ناصرٌ بعد أبي طالب. ( بحار الأنوار للشيخ المجلسيّ 24:9 ؛ تفسير أبي الفتوح 212:4 ).
• وعن الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السّلام، قال: إنّ نقش خاتم أبي طالب عليه السّلام كان: « رضِيتُ باللهِ ربّاً، وبابن أخي محمّدٍ نبيّاً، وبابني عليٍّ له وصيّاً ». ( تفسير أبي الفتوح الرازيّ 211:4 ).
أمّا موقف الصحابة.. فيُنقل عن أبي بكر أنّه قال لرسول الله صلّى الله عليه وآله: والذي بعثك بالحقّ، لأن كنتُ أشدَّ فرحاً بإسلام عمِّك أبي طالب منّي بإسلام أبي. ( شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 69:14 ؛ الحجّة 137 ـ 138 ).
• وسُئل ابن عبّاس عن أبي طالب، هل كان مسلماً ؟ فأجاب: وكيف لم يكن مسلماً وهو القائل:


وقد عَلِمُوا أنّ آبنَنا لا مُكَذَّبٌ لدينا، ولا يَعبا بقِيلِ الأباطِلِ

ثمّ قال: إنّ أبا طالب كان مَثَلُه كمَثَلِ أصحاب الكهف، حين أسَرُّوا الإيمانَ وأظهروا الشرك، فآتاهم اللهُ أجرَهم مرّتَين. ( شرح نهج البلاغة 70:14 ؛ الحجّة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب 94 ، 115 ).
• وعن ابن عبّاس أيضاً قال: أخبرَني أبي أنّ أبا طالب رضيَ الله عنه شَهِد عند الموت أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسول الله. ( شرح نهج البلاغة 71:14 ).
• قال ابن أبي الحديد: قالوا: وقد رُويَ بأسانيد كثيرة، بعضها عن العبّاس بن عبدالمطّلب، وبعضها عن أبي بكر، أنّ أبا طالب ما مات حتّى قال: لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله. ( شرح نهج البلاغة 71:14 ).
• وفي كلام لابن أبي الحديد وهو بصدد قطعيّة إسلام أبي طالب في نظر معاصريه:


ولـولا أبـو طالـبٍ وابـنُـه لَما مُثِّل الدِّينُ شَخْصـاً فقـاما
فـذاك بمـكّةَ آوى وحـامـى وهـذا بيثربَ جَسّ الحِمـامـا
تكفّـلَ عبـدُمَنـافٍ بـأمـرٍ وأودى، فكـان عليٌّ تَمـامـا
فـللـهِ ذا فـاتحـاً للـهـدى وللهِ ذا للـمعـالـي ختـامـا
ومـا ضَـرّ مجدَ أبـي طالبٍ جَهولٌ لَغـا أو بصيرٌ تَعـامى
كمـا لا يَضـرُّ إيـاةَ الصَّبـا حِ مَن ظنَّ ضوءَ النهارِ الظَّلاما

( شرح نهج البلاغة 83:14 ، 84. ويراجع: الغدير للعلاّمة الأميني 330:7 ـ 409، ففيه من الحجج ما يغني، كذا فيه عشرات القصائد تخبر عن إيمان أبي طالب سلام الله عليه ).


* * *

سؤال: هل نستطيع أن نلتمس عُذراً للذين تخلّفوا عن جيش أُسامة ؟
الجواب: اهتم رسول الله صلّى الله عليه وآله بسَرِيّة أُسامة بن زيد اهتماماً عظيماً، فأمر أصحابَه أن يتهيّأوا لها وحَضَّهم على ذلك، ثمّ عبّأهم بنفسه الزكيّة؛ استنهاضاً لهممهم.. وذلك لأربعِ ليالٍ بَقِين مِن رجب سنة إحدى عشرة للهجرة، وقال لأُسامة: سِرْ إلى موضعِ قَتْل أبيك، فأوطِئْهمُ الخَيل، وقد وَلَّيتُك هذا الجيشَ فآغْزُ صباحاً على أهل « أُبْنى »(16)، وحَرِّقْ عليهم، وأسرِعِ السَّيرَ لتسبق الأخبار، فإن أظفرك الله عليهم فأقِلَّ اللَّبثَ فيهم، وخُذْ معك الأدِلاّء، وقَدّمِ العُيونَ والطلائع معك.
وحُمَّ رسولُ الله صلّى الله عليه وآله وصُدِع في مرضِ وفاته، فلمّا أصبح وجد الأصحابَ متثاقلين، فخرج إليهم وحَضَّهم على السير، وعَقَد اللواءَ لأسامة بيده الشريفة تحريكاً لحميّتهم وعزيمتهم، وقال لأُسامة: « اغْزُ بآسم الله، وفي سبيل الله، وقاتِلْ مَن كفر بالله »، فخرج أُسامة بلوائه وعَسْكَر بالجُرْف، لكنّ الصحابة تثاقلوا هناك أيضاً فلم ينطلقوا رغم حثّ النبيّ لهم على وجوب الإسراع!
وطَعَن قومٌ في تأميرِ رسول الله صلّى الله عليه وآله لأُسامة، وكَبُر عليهم أن يعقد اللواء له، كما طعنوا في تأميرهِ صلّى الله عليه وآله لزيد بن حارثة مِن قبل، حتّى غَضِب رسولُ الله صلّى الله عليه وآله مِن طَعنهِم فخرج مُعصَّبَ الرأس مُدثَّراً بقطيفة محموماً ألِماً، وذلك قبل وفاته بيومين، فصَعِد المنبرَ وحَمِد اللهَ تعالى وأثنى عليه، ثمّ قال: « أيُّها الناس، ما مقالةٌ بَلَغَتْني عن بعضكم في تأميري أُسامة ولَئنْ طَعَنتُم في تأميري أُسامة، لقد طَعَنتُم في تأميري أباه مِن قبل! وأيمُ الله إنْ كان لَخليقاً بالإمارة، وإنّ ابنه مِن بعدِه لَخليقٌ بها »، فجعلوا يُوَدّعونه ويَخرجون إلى العسكر بالجُرْف، وهو يحثّهم على التعجيل.
ثمّ ثَقُل صلّى الله عليه وآله في مرضه فجعل يقول: جَهِّزوا جيشَ أُسامة، أنفِذوا جيشَ أثسامة، أرسِلوا بَعْثَ أُسامة.. يكرّر ذلك وهم مُتثاقلون.
ودخل أُسامةُ على النبيّ صلّى الله عليه وآله، فقال صلّى الله عليه وآله له: أُغدُ على بركة الله. فودّعه، ثمّ رجع ومعه عمر بن الخطّاب وأبو عبيدة فانتَهَوا إليه وهو يجود بنفسه حتّى تُوفّيَ صلّى الله عليه وآله في ذلك اليوم، فرجع الجيش باللواء إلى المدينة، ثمّ عزموا على إلغاء البَعثِ بالمرّة، وكلموا في ذلك أبا بكرٍ وأصرّوا عليه غاية الإصرار، بالرغم ممّا سمعوه من تأكيدات النبيّ صلّى الله عليه وآله على مواصلة الزحف والتعجيل بالغزو، وجاء عمر حينئذٍ يلتمس مِن أبي بكر ـ بلسان الأنصار ـ أن يَعزِل أُسامةَ ويُولّي غيره، لكنّ أبا بكر أبى أن يجيبهم إلى عزل أُسامة، كما أبى أن يُجيبهم إلى إلغاء البعث، ووثب على عمر وأخذ بلحيته وقال له: ثَكِلَتْك أُمُّك وعَدِمَتْك يا ابنَ الخطّاب، استعَمَله رسولُ الله وتأمرُني أن أنزعَه!(17)
وسار جيش أُسامة مرّة أخرى في ثلاثة آلاف مقاتل فيهم ألف فَرَس، وكان أُسامة يومئذ على فَرَسِ أبيه، وشعارهم: يا منصور أمِتْ ـ وهو شعار النبيّ صلّى الله عليه وآله يوم بدر ـ، وكانت الغارة، إلاّ أنّ جماعةً مِن الصحابة ممّن عَبّأهم رسولُ الله صلّى الله عليه وآله في جيش أُسامة قد تخلّفوا، وكانوا سمعوا رسولَ الله صلّى الله عليه وآله يقول: جهّزوا أُسامة، لعَنَ اللهُ مَن تخلّف عنه!
وهؤلاء.. تثاقلوا عن السير مع الجيش أوّلاً، وتخلفّوا عنه أخيراً، وكانوا يخشَون أن يَعقِد النبيُّ صلّى الله عليه وآله ولايةً ووصايةً وخلافةً أخرى لأمير المؤمنين عليه السّلام صريحةً، مشهودةً أو مكتوبة، فيُحرَجُوا وقد عزموا ألاّ تجتمع النبوّةُ والخلافة في آل هاشم أبداً ـ كما صرّح بذلك عمر بن الخطّاب نفسه(18).
لذا، لمّا اشتد برسول الله صلّى الله عليه وآله وجعه قال: ائْتُوني أكتُبْ لكم كتاباً لا تَضِلُّوا بعدي أبداً ـ كما ينقل البخاريّ ومسلم وأحمد بن حنبل وغيرهم ـ فتنازَعوا وقالوا: ما شأنُه، أهَجَر ؟! فقال صلّى الله عليه وآله: دعوني، فالذي أنا فيه خير. فكان ابن عبّاس يقول: إنّ الرزيّة كلَّ الرزيّة ما حال بين رسول الله صلّى الله عليه وآله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب؛ مِن اختلافِهم ولَغَطِهم!(19)
وأمّا المتخلّفون عن جيش أُسامة، فكانوا قد فطنوا إلى احتمال تأكيد ما جاء في واقعة غدير خمّ مِن تنصيب أمير المؤمنين وأولادهِ أئمّةً وخلفاءَ أوصياءَ لرسول الله صلّى الله عليه وآله، فما فعلوا ؟ 1 ـ طعنوا في تأمير النبيّ صلّى الله عليه وآله لأُسامة، 2 ـ تثاقلوا عن السير مع أُسامة فلم يبرحوا الجُرف حتّى تُوفّي رسول الله صلّى الله عليه وآله، 3 ـ همّوا بإلغاء البعث وحلِّ اللّواء، 4 ـ طالبوا بعزل أُسامة، 5 ـ تخلّفوا عن الجيش وعادوا إلى المدينة.
وكان هذا هو اجتهادهم في مقابل النصوص النبويّة الشريفة الصريحة، فكيف تُوجَّه مواقفُهم تلك ؟ ومِن أين يُلتمَس العذرُ لهم في ذلك ؟!


* * *

سؤال: ما رأيكم في اجتهاد بعض الصحابة في مواقف متعدّدة ؟
الجواب: نحن المسلمين نفهم الإسلام أنّه تسليمٌ وخضوع للشريعة الإلهيّة، لا نُظهر قبالَها أمزجتَنا، ولا نعارضها بآرائنا. يقول الإمام عليٌّ عليه السّلام: الإسلام هو التسليم، والتسليم هو اليقين، واليقين هو التصديق، والتصديق هو الإقرار، والإقرار هو الأداء، والأداء هو العمل ( نهج البلاغة: الحكمة 125 ).
وقال ابن منظور: الإسلام والاستسلام: الانقياد. وفي الشريعة: التزام ما أتى به النبيُّ صلّى الله عليه وآله ( لسان العرب 293:12 ).
وفي محكم التنزيل قال تعالى:
وما آتاكمُ الرسولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكُم عنه فآنتَهُوا ( سورة الحشر:7 ).
يا أيُّها الذينَ آمَنُوا أطيعوا اللهَ وأطيعوا الرسولَ وأُولي الأمرِ منكم، فإن تَنازَعتُم في شيءٍ فَرُدُّوه إلى اللهِ والرسولِ إنْ كنتُم تُؤمنونَ باللهِ واليومِ الآخِر، ذلك خيرٌ وأحسَنُ تأويلاً ( سورة النساء:59 ).
فلا وربِّك لا يُؤمنونَ حتّى يُحكّموك فيما شَجَرَ بينَهم ثمّ لا يَجِدوا في أنفسِهم حَرَجاً ممّا قضَيتَ ويُسلَّموا تسليماً ( سورة النساء:65 ).
إذن، فالإسلام الذي يريده الله تبارك وتعالى من عباده، هو المتضمّن لكلّ معاني التسليم لأوامرِ النبيّ صلّى الله عليه وآله ونواهيه، اعتقاداً بترتّب المصالح على ذلك التسليم، وأنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله لم يأتِ إلاّ بما فيه خير البشر، ودفعُ كلِّ ضرر، وأنّ الذي جاء به صلّى الله عليه وآله إنّما هو مِن عند الله جلّ وعلا الذي قال في محكم كتابه العزيز: وما يَنطِقُ عنِ الهوى * إنْ هُوَ إلاّ وَحْيٌ يُوحى ( سور النجم:3 ـ 4 ).
والذي يُؤسَف له حقّاً، أنّ بعض الصحابة خَوَّل لنفسه أن يناقش أوامرَ النبيّ صلّى الله عليه وآله، بل ويخالفها! ( يراجع: السيرة النبويّة والآثار المحمّديّة لابن دحلان ـ بهامش السيرة الحلبيّة للحلبيّ 370:1 ـ 373 ).
ومن ذلك المؤسف: أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله عندما خرج بأصحابه في طلب قافلةِ أبي سفيان، وكان ما كان من هروب أبي سفيان من أيدي المسلمين، وخروج المشركين لإنقاذ أموالهم، وإصرارهم على مقاتلة المسلمين.. رغب رسولُ الله صلّى الله عليه وآله في مواجهتهم؛ إذ كان الرجوع دون مُناجَزة يُعَدّ فراراً من القتال، لكنّ بعض الصحابة بل كثيراً منهم لم يؤيّدوا موقفَ النبيّ صلّى الله عليه وآله، حتّى قال بعضُهم:
ـ هلاّ ذكرتَ لنا القتال حتّى نتأهّبَ له ؟! إنّا خَرَجْنا للعِير ( أي لأخذ القافلة التجارية ).
ـ يا رسول الله، عليك بالعِير، ودَعِ العدوّ.
فتغيّر وجه رسول الله صلّى الله عليه وآله! قال أبو أيّوب الأنصاريّ: وفي ذلك أنزل اللهُ تعالى: كما أخرَجَك ربُّك مِن بيتِكَ بالحقّ، وإنّ فريقاً مِنَ المؤمنينَ لَكارهون ( السيرة النبويّة والآثار المحمّدية ـ بهامش السيرة الحلبيّة 371:1 ، والآية في سورة الأنفال:5 ).
ومنه أيضاً: أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله حينما خرج إلى بدر في شهر رمضان، ونادى مناديه: يا معشرَ العُصاة، إنّي مُفطِرٌ فأفطرو! ( إذ لا يجوز الصيام في السفر )؛ وذلك أنّه كان قد قال لهم قبل ذلك: أفطِروا، فلم يفعلوا ( المغازي للواقديّ 47:1 ـ 48 ).
وفي بدر أيضاً: لمّا استشار رسولُ الله صلّى الله عليه وآله أصحابه حول القتال، قام عمر فقال: يا رسول الله، إنّها ـ واللهِ ـ قريشٌ وعِزُّها، واللهِ ما ذَلَّت منذ عَزَّت، واللهِ ما آمَنَت منذ كَفَرتْ، واللهِ لا تُسلِمُ عزَّها أبداً ولَتُقاتِلنّك ( يريد أنّه لا جدوى من القتال ). فأعرَض عنه النبيّ صلّى الله عليه وآله ( المغازي 48:1 ).
ومنه أيضاً ما ينقله لنا عمرُ بن الخطّاب ـ معترضاً على موافقة رسول الله صلّى الله عليه وآل على بعض شروط قريش في صلح الحديبيّة ـ قال:
قلت: ألَستَ نبيَّ الله حقّاً ؟! قال: بلى.
قل: ألَسنا على الحقّ وعدوّنا على الباطل ؟! قال: بلى.
قلت: فَلِمَ نُعطي الدنيّةَ في ديننا إذن ؟!
قال: إنّي رسول الله، ولستُ أعصيه، وهو ناصري.
قلت: أوَ ليس كنتَ تُحدّثنا أنا سنأتي البيتَ فنطوف به ؟!
قال: بلى، أفَأخبرتُك أنّا نأتيه العام ؟! قلت: لا.
قال: فإنّك آتيه ومُطوِّف به...
ثمّ قال رسول الله صلّى الله عليه وآله لأصحابه: قوموا فانحروا ثمّ احلِقوا.
قال: فوَاللهِ ما قام منهم رجلٌ، حتّى قال ذلك ثلاثَ مرّات. فلمّا لم يَقُم منهم أحد، دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقيَ مِن الناس، فقالت أمُّ سلمة له: يا نبيَّ الله.. أُخرُجْ ثمّ لا تُكلّمْ أحداً منهم بكلمةٍ حتّى تَنحرَ بُدْنَك وتدعوَ حالِقَك فيَحلِقَك. ففعل صلّى الله عليه وآله ذلك، فلمّا رأوا ذلك قاموا فنحروا.. ( صحيح البخاريّ 81:2 ـ كتاب الشروط؛ وصحيح مسلم ـ باب صلح الحديبيّة ).
وتكرّرت مخالفات الصحابة لأوامر النبيّ صلّى الله عليه وآله، حتّى أخذ يشكو علناً ممّا يلقاه من الأذى من مخالفاتهم واعتراضاتهم المتكرّرة عليه، ومن ذلك ـ وهو ما يُؤسَف له أيضاً ـ ما ذَكرَتْ عائشة حيث قالت:
قَدِم رسولُ الله صلّى الله عليه وآله لأربعٍ مَضَين من ذي الحجّة أو خمس، فدخل علَيّ وهو غضبان، فقلت: مَن أغضبَك يا رسول الله ؟ أدخَلَه النار!
قال: أوَ ما شَعَرتِ أنّي أمَرتُ الناسَ بأمرٍ، فإذا هم يتردّدون! ولو أنّي استَقبَلتُ من أمري ما استَدبَر ما سُقتُ الهَدْيَ معي حتّى أشتريَه ثمّ أحلّ كما حلّوا ( صحيح مسلم 34:4 ؛ سنن ابن ماجة 993:2 ؛ مسند أحمد بن حنبل 286:4 و 175:6 ).
وفي رواية البَراء بن عازب، أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله قال:
ـ اجعلوا حَجَّكم عُمرة. فقال الناس:
ـ يا رسول الله، كيف نجعلها عُمرة وقد أحرَمْنا بالحجّ ؟! قال:
ـ انظروا الذي آمرُكم به فافعلوه.
فردّدوا عليه القول...
قال الذهبي في ( سِيرَ أعلام النبلاء 498:8 ): هذا حديث صحيح من العوالي، أخرجه ابن ماجة.
وينقل البخاريّ في ( صحيحه 145:8 ) بسنده عن عائشة أنّها قالت:
صنع النبيُّ صلّى الله عليه وآله شيئاً تَرَخّص فيه، وتَنَزّه عنه قوم! فبلَغَه ذلك، فحَمِد اللهَ ثمّ قال:
ما بالُ قومٍ يَتَنزّهون عن الشيء أصنعه ؟! فوَ اللهِ إنّي أعلَمُهم بالله، وأشدُّهم له خَشية.
ونُقرِن أسفَنا هنا بالحيرة، متسائلين: كيف فَهَم أولئك الإسلامَ وهم يحكّمون أهواءهم وأذواقهم وآراءهم قبال شرائع الدين وأوامر رسول ربّ العالمين ؟! أهكذا وصل بهم الجهل أم العناد أم التكبّر، أن يردّوا على الله ورسوله، ثمّ يَحسَبُوا أنّهم المؤمنون ؟! وأين موقع الإيمان من المخالفة والعصيان ـ يمارسونهما عملاً ؟!


* * *

سؤال: لماذا اعترض بعض الصحابة على صلح الحديبيّة وقد عقده النبيُّ صلّى الله عليه وآله مع قريش ؟
الجواب: آثَرَ رسول الله صلّى الله عليه وآله ـ بوصفه نبيّاً وقائدَ دولة ـ الصلحَ يوم الحديبيّة على الحرب وأمَرَ به، عملاً بما أوحى إليه ربُّه تبارك وتعالى؛ لمصلحةٍ وحكمةٍ خَفيتا على أصحابه، فأنكر بعضُهم على النبيّ صلّى الله عليه وآله ذلك، بل وعارضه فيه علانيّةً بعضهم الآخر، فلم يعبأ رسول الله صلّى الله عليه وآله بمعارضتهم، بل مضى قُدماً في تنفيذ ما أمره الله جَلّ وعلا.
والقضيّة ـ بالنسبة للصحابة ـ متعلّقةٌ بمدى وعيهم الفكريّ والروحيّ، إذ كيف يؤمنُ البعض بأنّ محمّداً المصطفى صلّى الله عليه وآله رسول مبعوثٌ مِن الله تبارك شأنه، ونبيٌّ مؤيَّد بالوحي، فلا ينَطِق عن الهوى، ولا يُقْدِم على أمرٍ إلاّ بما يريده الله تعالى منه... ثمّ يُخطّئه ويعترض عليه، أو يخالفه ولا يطيعه ؟! أليس ذلك معصيةً واضحةً لأوامر الله جلّ وعلا وهو القائل: مَن يُطعِ الرسولَ فقد أطاعَ اللهَ ومَن تَولّى فما أرسَلْناكَ عليهم حَفيظاً ( سورة النساء:80 )، فكيف إذا جِئْنا مِن كلِّ أُمّةٍ بشهيدٍ وجِئْنا بكَ على هؤلاءِ شهيداً * يومئذٍ يَوَدُّ الذين كفروا وعَصَوُا الرسولَ لو تُسوّى بهِمُ الأرضُ ولا يَكتمُونَ اللهَ حديثاً ( النساء:41 ـ 42 )، فإنْ عَصَوكَ فقُلْ: إنّي بَريءٌ ممّا تعملون ( سورة الشعراء:216 ).
انّ رسول الله صلّى الله عليه وآله لقيَ في الحديبيّة حين أتاعاها أذىً كثيراً من المشركين، وغِلظةً وجَفاءً له ولأصحابه في العداوة والبغضاء، لكنّه وَسِع المشركين بحلمِه وخلُقهِ العظيم الذي فضّلَه اللهُ به على سائر النبيّين والمرسلين عليه وآله وعليهم أفضل الصلاة والسلام.
صدّه المشركون عن مكّة صَدّاً شكساً لئيماً، فما استخفّه بذلك غضب، ولا روّعَ حِلَمه رائع، بل كان يأخذ الأمور مع أولئك الجُفاة بالمُلايَنة، حتّى قال صلّى الله عليه وآله: يا وَيْحَ قريش! نَهَكَتْهم الحرب، فماذا عليهم لو خَلَّوا بيني وبين العرب، فإنْ هم أصابوني كان الذي أرادوه، وإن أظهرني اللهُ عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن أَبوا قاتَلوني وبهم قوّة. فما تظنّ قريش ؟! فوَاللهِ الذي لا إله إلاّ هو، لا أزال أجاهد على الذي بعثني به ربّي، حتّى يُظْهِره الله أو تنفرد هذه السالفة! ( وهي صفحة العنق، كناية عن القتل )
وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله يدعو إلى السِّلْم، ويَتَجّنب ـ ما أمكنه ـ إراقة الدماء وإن أقدمَ على ذلك العدوّ، فيتّخذ سبُلاً وأساليبَ عديدة لحلّ الأمور مِن خلال الطرق السِّلْميّة السليمة، حتّى قال: والذي نَفْسُ محمّدٍ بيده، لا تَدْعوني اليومَ قريشٌ إلى خُطّةٍ يسألوني فيها صلةَ الرَّحِم، إلاّ أعطيتُهم إيّاها.
فأعلَنَ صلّى الله عليه وآله رحمته بهذه الكلمات الحكيمة، وفي الوقت ذاته جمع أصحابَه واسشارهم في حرب قريشٍ إذا أصَرَّت على صَدّه عن البيت الحرام، فكان جُلُّهم ـ إن لم يكونوا كلّهم ـ متأهّبين للقتال، مُتعبّئين للجهاد.. وقد نهض المِقداد بن الأسود قائلاً: يا رسولَ الله، نحن لا نقول لك ما قال بنو إسرائيل لموسى عليه السّلام: إذهَبْ أنت وربُّك فقاتِلا إنّا ها هنا قاعدون! وإنّما نقول: إذهَبْ أنت وربُّك فقاتلا إنّا معكم مقاتِلون. واللهِ ـ يا رسولَ الله ـ لو سِرْتَ بنا إلى برد ؟ الغماد ( حصنٌ في اليمن ) لَسِرْنا معك ما بقيَ منّا رَجُل.
فتهلّل وجهُ رسول الله صلّى الله عليه وآله، ثمّ أخذ منهم البيعة فبايَعوه بأجمعهم على الموت في نَصرته، وكانوا ألفاً وأربعَمائةِ رجل، وسُمّيتْ تلك ببيعة الرِّضوان، وفيها نزل قولُه تعالى: لقد رضيَ اللهُ عنِ المؤمنينَ إذْ يُبايعونَك تحت الشجرةِ فعَلِمَ ما في قلوبِهم فأنزَلَ السَّكينةَ عليهم وأثابَهُم فتحاً قريباً * ومَغانمَ كثيرةً يأخُذونها، وكان اللهُ عزيزاً حكيماً * وَعَدَكمُ اللهُ مَغانمَ كثيرةً تأخذونها فعَجّل لكُم هذهِ وكفَّ أيديَ الناسِ عنكم ولتكونَ آية للمؤمنينَ ويَهديَكُم صراطاً مستقيماً * وأُخرى لم تَقْدِروا عليها قد أحاطَ اللهُ بها، وكان اللهُ على كلِّ شيءٍ قديراً * ولو قاتَلَكُم الذين كفروا لَوَلَّوُا الأدبارَ ثمّ لا يَجدونَ وليّاً ولا نصيراً ( الفتح: 18 ـ 22 ).
وما بلغَ قريشاً هذه البيعةُ حتّى انخلعتْ قلوبهم رعباً، لا سيّما بعد خروج عِكْرمة بن أبي جهل على المسلمين يومئذٍ في خمسمائة فارس، فبعَثَ النبيُّ صلّى الله عليه وآله مَن هزمَه وأصحابَه حتّى أدخلوهم بساتينَ مكّة، فاضطُرّ أهل الرأي والمشورة من قريش إلى طلب الصلح، فأرسلوا إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله عدّةً مِن كبارهم يطلبون المهادنة على شروطٍ اشترطوها كانت ثقيلةً على المسلمين، إلاّ أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قَبِلَها عملاً بالوحي، وانتظاراً لِما وعَدَه الله سبحانه من النصر المؤزَّر العاجل بعد هذا.. فما كان على المسلمين إلاّ التسليم لما سيترتّب عليه من المصلحة والحكمة والخير.
وما أن تقرّر الصلح بين الطرفين على تلك الشروط، حتّى وثب عمر بن الخطّاب على أبي بكر ـ وقد استشاط غضباً ـ يقول له: يا أبا بكر! أليس هو رسولَ الله.. أوَ لسنا بالمسلمين.. فعلى مَ نُعطي الدنيّة في ديننا ؟!
أخرج مسلم في صحيحه ( الجزء الثاني ـ باب صلح الحديبيّة ) أنّ عمر قال لرسول الله صلّى الله عليه وآله: ألسْنا على حقٍّ وهم على باطل ؟ ففيمَ نُعطي الدنيّة في دينِنا ونرجع ولمّا يحكم اللهُ بيننا وبينهم ؟! فأجاب النبيّ صلّى الله عليه وآله: يا ابن الخطّاب! إنّي رسول الله، ولن يُضيّعَني اللهُ أبداً. فانطلق عمر ولم يصبر فقال الكلامَ نفسَه لأبي بكر..
وذكر البخاريُّ ذلك أو ما يقرب منه ( في صحيحه 81:2 ـ آخر كتاب الشروط )، وفيه: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قال: إنّي رسول الله ولستُ أَعصيه وهو ناصري. قال عمر: أوَ ليس كنتَ تحدّثنا أنّا سنأتي البيتَ فنطوف به ؟ قال: بلى، أفأخبرتُك أنّا نأتيه العام ؟ قال عمر: لا. قال صلّى الله عليه وآله: فإنّك آتيهِ ومُطوّف به..
كتب الحلبيّ في ( السيرة الحلبيّة ): فلمّا كان عامُ الفتح، قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: ادعُوا لي عمرَ بن الخطّاب. فلمّا أتاه قال له: يا عمر، هذا الذي قلتُ لكم. ولمّا كان في حجّة الوداع ووقف صلّى الله عليه وآله بعرفة، استدعى عمرَ أيضاً فقال له: هذا الذي قلتُ لكم.
ولمّا فرغ رسول الله صلّى الله عليه وآله من كتاب صلح الحديبيّة، قال لأصحابه: قوموا فانحروا، ثمّ احلِقوا. فوَاللهِ ما قام منهم رجلٌ حتّى قال ذلك ثلاث مرّات، فلمّا لم يَقُم منهم أحدٌ دخل خباءه ثمّ خرج، فلم يكلّم أحداً منهم بشيءٍ حتى نحر بُدْنَةً بيده، ودعا حالِقَه فحَلَق رأسه، فلمّا رأى أصحابُه ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضُهم يَحلِق بعضاً.
ونصَّ الحلبيُّ في غزوة الحديبيّة وغير واحد مِن أهل الأخبار، على أنّ عمر جعل يردّ على رسول الله صلّى الله عليه وآله الكلام، فقال له أبو عبيدة بن الجرّاح: ألا تسمع يا ابنَ الخطّاب رسولَ الله يقول ما يقول ؟! نعوذ بالله من الشيطان الرجيم!
قال الحلبيّ وغيره: وقال رسولُ الله صلّى الله عليه وآله يومئذٍ: يا عمر! إنّي رضِيتُ وتأبى؟!
وكان لصلح الحديبيّة بعد ذلك عوائده الطيّبة، فأخذ المشركون يأتون المدينة، والمسلمون يذهبون إلى مكة، وكم وكم من المشركين مَن التقى برسول الله صلّى الله عليه وآله وبَهرَتْه أخلاقُه الشريفة وسيرته المقدّسة، وراقَتْه شريعةُ الإسلام وأحكامه وآدابه، فآمن. أمّا المسلمون، فقد تهيّأت لهم الفرصُ الكريمة للالتقاء بأهليهم وذويهم، فأخذوا يبلّغون تعاليم الإسلام وسُننه ومواعظه، فتهيّأت أجواء الفتح، بلا قتالٍ ولا مُمانعة.
وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله يومئذٍ ( في الحديبيّة ) قادراً على دخول مكّة وزيارة البيت الحرام عنوةً؛ بدليل قوله تعالى: ولَو قاتَلَكم الذين كفروا لَوَلَّوُا الأدبارَ ثمّ لا يَجِدونَ وليّاً ولا نصيراً ، وكان المشركون على يقينٍ مِن ظَفَرهِ صلّى الله عليه وآله لو قاتَلَهم، إلاّ أنّه أبى ـ رغم إصرار أصحابه على القتال ـ وعلم المشركون إيثارَ رسول الله للسِّلْم، وحقنَه للدماء، وتقديسَه لحُرمةِ البيت الحرام مِن أن تُراق فيه الدماء، فأُعجِبتْ قريش باحتياطه على حرمات مكّة، وأدركتْ إشفاقَه على الناس وقبولَه للشروط المشدّدة قبل الهدنة، فخَفَّتْ في نفوس طغاة قريشٍ وعتاتها أحقاد بدرٍ والأحزاب، واعتبروا أنّ أسباب الحرب كانت عائدة إلى حماقات أبي سفيان وأبي جهل وأضرابِهما، وإلاّ فإنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله كان يحاول إطفاءَ الحرب كلّما أوقد الحمقى نارَها.
ثمّ توالت الفتوحات السِّلْميّة لرسالة الإسلام، ببركة حكمة رسول الله صلّى الله عليه وآله، وروحه الإنسانية الطيّبة.


* * *

سؤال: نقرأ في بعض كتب التاريخ عبارة ( رزيّة يوم الخميس )، وقد تأتي على نحو الإشارة أحياناً، فما المقصود منها على وجه التحديد ؟
الجواب: أخرج أصحابُ الصحاح، وسائر أهل المسانيد هذه القضيّة، وأرسلها أهل السِّير والأخبار إرسالَ المسلَّمات.. مِن ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه ( الجزء الرابع ـ باب قول المريض: قوموا عنّي ) بسنده إلى عبيدالله بن عبدالله بن مسعود، عن ابن عبّاس قال:
لمّا حُضر رسول الله صلّى الله عليه وآله وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطّاب، قال النبيّ صلّى الله عليه وآله: هَلُمّ أكتُبْ لكم كتاباً لا تَضِلّوا بعده. فقال عمر: إنّ النبيّ قد غلَبَ عليه الوَجَع، وعندكم القرآن، حَسْبُنا كتاب الله!
فاختلف ( الأصحاب ) واختصموا، منهم من يقول: قَرِّبوا يَكتُبْ لكم النبيُّ كتاباً لن تَضلّوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر. فلمّا أكثروا اللغوَ والاختلاف عند النبيّ، قال صلّى الله عليه وآله لهم: قُوموا!
قال عبدالله بن مسعود: فكان ابن عبّاس يقول: إنّ الرزيّة كلَّ الرزيّة ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب؛ من اختلافهم ولَغَطِهم!
وهذا الحديث.. أخرجه مسلم في آخر الوصايا أوائل الجزء الثاني من صحيحه، ورواه أحمد بن حنبل في مسنده ( 325:1 ) من حديث ابن عبّاس، وسائرُ أصحاب السنن والأخبار، وقد تصرّفوا فيه فنقلوه بالمعنى، لأنّ لفظه الثابت: إنّ النبيَّ لَيَهجُر! فحاولوا تهذيب العبارة؛ اتّقاءً لفظاعتها.
ويدلّ على ذلك ما أخرجه أبو بكر أحمد بن عبدالعزيز الجوهري في كتاب ( السقيفة وفدك )، وابن أبي الحديد في ( شرح نهج البلاغة 20:2 ).. بالإسناد إلى ابن عبّاس، قال: لمّا حَضَرَت رسولَ الله الوفاة، وفي البيت رجالٌ فيهم عمر، قال رسول الله: اِئتوني بدواةٍ وصحيفة أكتُبْ لكم كتاباً لا تَضِلّون بعده. قال: فقال عمر كلمةً معناها أنّ الوَجَع قد غَلَب على رسول الله، ثمّ قال: عندنا القرآن، حَسْبُنا كتاب الله. فاختلف مَن في البيت واختصموا، فمِن قائلٍ: قرّبوا يكتب لكم النبيّ، ومِن قائلٍ ما قال عمر، فلمّا أكثروا اللَّغَطَ واللَّغْو والاختلاف، غَضِب النبيّ صلّى الله عليه وآله فقال: قوموا.. ( الحديث ).
وقال البخاري ( في صحيحه 118:2 ـ باب جوائز الوفد، من كتاب الجهاد والسَّير ):
حدّثنا قُبيصة، حدّثنا ابن عُيينة عن سلمان الأحوَل، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عبّاس أنّه قال: يوم الخميس، وما يوم الخميس! ثمّ بكى حتى خَضب دمعُه الحَصْباء، فقال:
اشتدّ برسول الله صلّى الله عليه وآله وجَعُه يومَ الخميس، فقال: اِئْتوني بكتابٍ ( أي صحيفة ) أكتُبْ لكم كتاباً لن تَضِلّوا بعده أبداً. فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبيٍّ تَنازُع، فقالوا: هَجَر رسولُ الله! قال صلّى الله عليه وآله: دَعْوني، فالذي أنا فيه خيرٌ ممّا تَدعونّي إليه.
وهذا الحديث أخرج مسلم أيضاً في آخر كتاب الوصيّة من صحيحه، وأحمد بن حنبل مِن حديث ابن عبّاس ( في مسنده 222:1 )، ورواه سائر المحدّثين. وأخرج مسلم في كتاب الوصيّة من صحيحه، عن سعيد بن جُبير من طريق آخر عن ابن عبّاس، قال: يوم الخميس، وما يومُ الخميس! ثمّ جعل تسيل دموعه حتّى رُئيتْ على خَدَّيه كأنها نِظامُ اللؤلؤ. قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: اِئتوني بالكَتِف والدّواة ـ أو اللَّوح والدواة ـ أكتبْ لكم كتاباً لن تَضِلّوا بعده أبداً، فقالوا: إنّ رسول الله يَهْجُر! ( أخرج هذا الحديث بهذه الألفاظ أيضاً: أحمد بن حنبل في مسنده 355:1 ، وغيره واحد من أثبات السنن ).
وكان عمر أوّلَ مَن قال يومئذ أنّ النبيّ يَهْجُر، ثمّ قالها بعده بعضُ الحاضرين، فيما ذكر الطبرانيّ في ( المعجم الأوسط ) والمتّقي الهندي في ( كنز العمّال 138:3 ): لمّا مَرِض النبيُّ قال: ائتوني بصحيفةٍ ودواة أكتُبْ لكم كتاباً لن تَضِلّوا بعده أبداً. فقال النِّسوة من وراء السِّتر: ألا تَسمَعون ما يقول رسولُ الله ؟! قال عمر: فقلتُ: إنّكنّ صَواحِباتُ يوسُف، إذا مَرِض عَصَرتُنّ أعيُنكُنّ، وإذا صَحَّ ركبتنّ عنُقَه! قال عمر: فقال رسول الله: دَعُوهُنّ؛ فإنّهنّ خيرٌ منكم!
لقد وُدِّع رسول الله صلّى الله عليه وآله بتلك الكلمات التي آذَتْه وأغضَبتْه، ومَنَعوه عن كتابةِ ما أراد وكأنّهم لم يقرأوا قولَه تعالى: وما آتاكُمُ الرسولُ فَخُذوه وما نهاكُم عنه فانَتُهوا ( الحشر:7 )، وقالوا: هجَرَ، والله تعالى يقول: إنّه لَقولُ رسولٍ كريم * ذي قُوّةٍ عندَ ذي العرشِ مَكين * مُطاعٍ ثَمَّ أمين * وما صاحبُكم بمجنون ( التكوير: 19 ـ 22 )، ويقول تبارك وتعالى: ما ضَلّ صاحبُكم وما غوى * وما يَنطِقُ عنِ الهوى * إنْ هو إلاّ وحيٌ يُوحى * عَلَّمَه شديدُ القُوى ( النجم: 2 ـ 5 ).
وكان حَدْسُ المانعين أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله أراد بكتابةِ ما يكون توثيقاً للعهد بالخلافة التي عُقِدَتْ بيعتُها يومَ الغدير، فيؤكّد النصَّ على الإمام عليٍّ والأئمة مِن بعده عليهم السّلام، فصَدّوه عن ذلك، كما اعترف بذلك عمر نفسه في كلامٍ دارَ بينه وبين ابن عبّاس، نقله ابن أبي الحديد المعتزليّ في ( شرح نهج البلاغة 114:3 / السطر 27 ـ طبع مصر ).
وقد عدل رسول الله صلّى الله عليه وآله عن الأمر بعد أن رأى أنْ لا أثر لكتابته عند القوم سوى الفتنة والاختلاف في أنّه صلّى الله عليه وآله هل كتب ما كتب في حاله كونه ( حاشاه ) يَهجُر أم لا! وكانت الحكمة البالغة أن يضرب صفحاً عن ذلك الكتاب لئلاّ يفتحوا عليه باباً آخر إلى الطعن في نبوّته ـ والعياذ بالله.





.,’.,’ حيدري الخط ’,.’,.

الفاطمي
06-04-2005, 02:21 AM
اللهم صل على محمد وال محمد

مولاي حيدري الخط ..

بارك الله فيكم على هذا البحث الممتع والمفيد

جزاكم الله الف خير


ولكن لو كان على حلقات لكان افضل والمتابعه ادق
تحياتي ..

محب أهل البيت
06-04-2005, 04:20 PM
الله يعطيك العافية


تحياتي محب أهل البيت